من القضايا الكلاسيكية التي طرحت كثيرا للنقاش في المجال الفني، قضية الالتزام والإبداع. فقد أثارت عدة تساؤلات من قبيل هل ينسجم الإبداع مع الالتزام في الأداء الفني؟ وماذا يعني الالتزام الفني؟ ثم أليس الالتزام تقييدا لحرية الإبداع؟

انقسم الدارسون لهذه القضية في أغلب الثقافات إلى موقفين. موقف يؤيد كون الأداء الفني في أساسه التزام بقضية أو موقف تجاه قضية ما. وأَبْرَزَ أصحاب هذا التصور أن الالتزام لا يحجر حرية الإبداع لأن هذا الأخير ـ بكل بساطة ـ لا يعدو كونه مسألة شكل وصورة بينما يتعلق الالتزام أساسا بالمضمون. أما الفريق الثاني فقد نص على كون طرح قضية الالتزام ليس إلا رغبة في تضييق نطاق الإبداع وحصره في أنماط محدودة تنفي عنه جماليته التي يستمدها من حرية التعبير عن مضامين ووجدان الفنان وروحه. فالإبداع عند هؤلاء غاية في ذاته وليس وسيلة لغاية.

وقد طرحت قضية الالتزام بقوة أيضا في مجال الفن الإسلامي بأسلوب آخر وفي اتجاه مغاير. إذ هناك شبه إجماع لدى المهتمين بهذه القضية على كون الفن ليس غاية بل وسيلة لخدمة غايات يحددها السياق الذي ينتج داخله العمل الفني وتتحكم فيها مصادر هذا الإبداع، نصا وإنجازا وتمويلا وترويجا. وهذا ما وجه النقاش نحو قضايا من قبيل تحديد مفهوم الالتزام هل هو قضية مضامين أم أساليب وأشكال؟ هل الالتزام متعلق بقضية واحدة أم بقضايا متعددة؟

وإذا كانت هذه المقالة لا تتسع لبسط التحليل فلا أقل من الإشارة إلى بعض الخلاصات:

1ـ إن العمل الفني في التصور الإسلامي لا يخرج عن كونه، في الأصل، عملا بشريا يتقدم المسلم به بين يدي ربه، فإن خلصت النية وكان العمل صائبا فهذا ضامن لقبوله، وربح صاحبه فضل كونه مفتاحا للخير و داعيا للبر وإلا تحول إلى مجرد تسلية واستهلاك. يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك) 1 .

2ـ الفرق كبير بين الالتزام والإلزام. فالأول فعل واعي طوعي نابع من مبادئ الفنان ورغبته في التعبير عن حضوره الفاعل في واقعه والتأثير في مجرى أحداثه. كما أنه يمثل إفصاحا عن إحساس الفنان بمسؤوليته تجاه جمهوره وإدراكه لطبيعتها وحجمها ثم تصرفه تبعا لذلك. أما الإلزام فإكراه وإجبار للفنان على توجيه إبداعه لخدمة قضية قد لا يؤمن بها أو يتفق مع أسلوب معالجتها وهنا حدث ولا حرج عن قهر حرية التعبير وخنق الإبداع وإشاعة الإسفاف.

3ـ تتنوع القضايا التي يمكن أن تشغل اهتمام الفنان المسلم وتسجل حضورها في إبداعه، من قضايا وجودية تهم الفرد المسلم إلى القضايا العامة للأمة. أعظم قضية وأكثرها إلحاحا على الحضور في الإبداعات الفنية أو التي يجب أن تشكل ما يمكن تسميته بالخلفية المرجعية لكل عمل فني إسلامي، هي قضية ربط الإنسان بربه وتذكيره برسالته في هذه الحياة ومعاده لذا وجب أن يصمد الأدب الإسلامي إلى المعنى وخبر الموت ونبإ الآخرة يبلغ الإنسان ببلاغ القرآن و لغة القرآن و بيان النبوة وبشارة أن الإنسان مخلوق لغاية، ميت غدا مبعوث محاسب مجازى في يوم لا ريب فيه) 2 . ثم تأتي القضايا الأخرى لتكمل العقد وتحقق شمولية ديننا الذي يعيش مع الإنسان في كل همومه واهتماماته وفي هذا تندرج القضية الفلسطينية، مرورا بالهموم اليومية والقضايا المعيشة كالفقر والعنف والظلم والاستضعاف.. وللفنان حرية ترتيب هذه المواضيع حسب أولوياتها الزمنية أو طبيعة منتظرات الجمهور.. ولا يعني هذا محاصرة العمل الفني وتضييق نطاق الحرية الفنية وإنما التذكير بالأولويات.

فالإبداع الفني عدو لذود للنمطية والإسفاف ولا يقبل حصر مضامينه ضمن قضايا لا يجاوزها ويدور في فلكها دائما فهذا مصدر الرتابة ومدعاة لتفويت الفرصة لخدمة قضايا أخرى. وهذا ما يجعل المبدع مطالبا باستمرار بابتكار أساليب تعبيرية وأشكال جمالية متجددة وقادرة على استثارة اهتمام الجمهور والنفوذ إلى عمقه الوجداني والفكري.

4ـ يتركز الإبداع في معظمه على الأساليب والأشكال التعبيرية التي يشترط لعدم تعارضها مع ضوابط الشرع الحنيف ومقاصده، مراعاة الذوق الإنساني الفطري السليم واحترام قواعد الأدب والأخلاق. ومع هذا كله يبقى مجال الابتكار شاسعا ومتنوعا و مواكبا لصيرورة الإنسانية عامة.

5ـ يدخل الإبداع الفني ضمن نطاق جهاد الكلمة إذ هو من أعظم وسائله وأكثرها تنوعا وأقواها تأثيرا جهاد كلمة في جهاد تربية، مشاركة كلمة وفن وصنعة بلاغية متلطفة وقول بليغ قوي في مشروع تربية متكاملة تحقن مناعة العافية في شرايين أجيال السلامة والإسلام) 3 . ولقد قدم الإبداع الفني دائما خدمات جليلة للدعوة الإسلامية خاصة في صدر الإسلام حيث كانت الحاجة ماسة للنصرة. وحسبنا ذكرا في هذا المقام جهاد سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي فتكت أشعاره بأعداء الإسلام كما فعلت سيوف الصحابة الكرام وأبلغ. وقد أخرج أحمد من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال مر عمر على حسان وهو ينشد الشعر في المسجد فقال أفي مسجد رسول الله تنشد الشعر فقال قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك. وفي الصحيحين عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان “اهجهم أو هاجهم وجبريل معك”. وقال أبو داود حدثنا لؤي عن بن أبي الزناد عن أبيه عن هشام بن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائما يهجو الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

يتميز الإبداع الفني بقدرته الهائلة على النفوذ إلى العمق الوجداني والفكري للناس بواسطة أساليبه الجمالية التي تمكنه من إيصال مضامينه ومعانيه من دون حواجز. فضلا عن كونه يخاطب جمهورا أكبر عددا وأكثر تنوعا من جمهور الأنماط الخطابية والأساليب الدعوية الأخرى. فهذا أدعى لرعايته وتوجيهه وعدم التضييق عليه وحسن استثماره.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين: “المنظومة الوعظية” مطبوعات الآفاق 1996 ص 14.\
[2] نفس المرجع ص 21.\
[3] نفس المرجع ص 11.\