ما كنت لأهتم بكلام السيد محمد اليازغي حول جماعة العدل والإحسان لولا ما واكب تصريحه من تأويلات حملته أكثر مما يحتمل، في الوقت الذي لا يتجاوز سقفه أيَّ كلام مرسل على عواهنه، أو على الأقل الكلام المعهود من اليازغي في حق العدل والإحسان.

والأصل في قراءة أي موقف أن نستحضر ضوابط أساسية: وهي السياق العام أو المحيط، والسياق الخاص أي المواقف السابقة للمصرح بحيث لا يتم التجزيء والفصل، ثم بنية الخطاب الذي حمل الموقف بحيث لا يتم انتزاع كلمة من التصريح وبترها عن عموم الخطاب وقراءتها مجردة عن الحقل الدلالي الذي أخذته ضمن سياق نفس الخطاب حتى إن كان لها مدلول آخر ضمن حقل دلالي آخر.

وضمن هذه السياقات أسائل تصريح محمد اليازغي.

فما قاله اليازغي لا ينبغي فصله عن مجريات الزمن السياسي المغربي عامة حيث نعيش فصل التحضير للانتخابات التشريعية. ولا يختلف مغربيان أن أهم ما يعني المنخرط في الانتخابات على الطريقة المغربية هو الانتفاع  مع الاستثناء الضئيل- كما لا يختلفان أيضا على أن حزب اليازغي من المتقدمين جدا في هذه الصناعة (صناعة الانتفاع)، ومثال واحد كاف للدلالة على هذا الأمر وهو التصريح الشهير للاتحاد الاشتراكي عقب تعين إدريس جطو وزيرا أول للحكومة الحالية، فقال الحزب بأن المنهجية الديمقراطية لم تحترم، فهل كانت المنهجية الديمقراطية مراعاة فيما سبق واقعة الاستوزار؟ أكيد لا وألف لا، لكنه منطق النفعية ولا شيء آخر.

وبنفس المنطق لا غرابة، وسوق الانتفاع رائجة هذه الأيام، أن تتم المزايدة بكل ما من شأنه ضمان الحظ الوافر في الصفقة.

بالمباشر أتساءل كيف نزلت هذه الرقة على السيد اليازغي بين عشية وضحاها فيخفق قلبه أملا في انخراط العدل والإحسان في اللعبة؟

كيف له ذلك وهو بكل الصفات التي يمثل، الرسمية والحزبية، يصبح ويمسي على التنكيل بالعدل والإحسان، فحكومتهم  أعني اليازغي وأصحابه- لم تتورع عن استخدام أبشع الوسائل لتنفيذ تعليمات قمع العدل والإحسان ولم يتركوا، وهم النيومخازنية، لأصلاء المخزن شيئا. فحكومتهم تشن الحرب وحزبهم يتكفل بإثارة الغبار والدخان بالدعاية والإشاعة والتحامل والتبرير من خلال جريدته للتعمية على الجرائم النكراء.

فإن لم يكن هذا انتفاعا فماذا نسميه إذن؟ بل هو من أحط صور الانتفاع عندما يكون في صورة أمل أو أُمْنِية ترقص على الجراح.

أكيد لاحظتم تداخل السياق الخاص الحزبي بالسياق العام المخزني وهذا من باب لزوم ما يلزم في إطار مستلزمات دخول دار المخزن.

أما عن بنية التصريح فالملاحظ أن البعض ركز فقط على صيغة التمني الواردة فيه وبترها عن سياقها وحصرها في بعدها المجرد النبيل. والحقيقة عكس ذلك قطعا. فإذا ما قرأنا صيغة التمني ضمن الصيغ الأخرى الواردة في التصريح خاصة صيغة الشرط باشتراط التزام العدل والإحسان بالدستور والقانون – فإن هذه الصيغة تأخذ دلالة أخرى وهي الاتهام، وبالتالي نحصل على الترجمة الحقيقية للتصريح وهي أن جماعة العدل والإحسان التي منعت ندوتها الصحفية قبل تصريح اليازغي بأسبوع، وكان المنع مناسبة لتناول الصحافة لمظلومية الجماعة طوال سنة من القمع الشرس، أنها خارج القانون وهي تستحق ذلك ما دامت كذلك وأن ما تنفذه حكومته إنما هو حرص على الدستور وحماية للقانون.

وبالتالي يكون تصريح اليازغي نسخة أخرى مزيدة ومنقحة من التصريح الشهير لوزير الداخلية شكيب بنموسى عندما قال أن العدل والإحسان “بتكثيفها لأنشطتها قد وضعت نفسها خارج القانون” والزيادة والتنقيح في تصريح اليازغي هما التوظيف في الانتفاع، وهذه، أكيد، لم يرق إليها وزير الداخلية، فالسلخ مع الحفاظ على “البطانة” صنعة خاصة.

هذا وجه من الاتهام، والوجه الآخر هو اتهام الجماعة بأنها هي التي ترفض الانخراط في “اللعبة السياسة” ما دام اشترط على الجماعة وحدها في الوقت الذي كان ينبغي أن يتوجه حقيقة إلى المخزن، واليازغي ضمن المخزن طبعا، ليحترم قانونه الذي خطه بيده، هذا هو منطق الأشياء ما دام الكل يعرف أن العدل والإحسان لا ترفض المشاركة في العملية السياسية من حيث المبدأ، وبالتبعية لا ترفض التحزب والتعددية وهي التي طالبت بالحزب لما يقارب ثلاثة عقود ومنعت من ذلك، إنما ترفض شروط المخزن التي أفرغت العملية السياسية من كل محتوى يحيل على الحرية وعلى خصوصية باقي أطراف العملية وشروطهم وبرامجهم لتكون مجرد ماكينة ليس لها من وظيفة غير التعليب والتنميط.

وأخيرا وحتى لا أتهم بالقسوة وبأنني لم أنظر إلى النصف الثاني من الكأس فها أنذا ممعن النظر فيه، وانظروا معي.

طبعا هذه النظرة ستلزمني بغض الطرف عن كل السياقات التي ذكرت سابقا.

لنفترض أن أمنية اليازغي تستبطن دعوة غير مباشرة وبريئة لمشاركة العدل والإحسان، فإن استنتاجنا يكون أكثر قسوة ويكون من التخفيف قراءته ضمن السياق الأول لأن التصريح إياه، بالنظر إليه مجردا، لا قيمة له ولا جديد فيه، لأن اليازغي أول من يعرف أن إثارة قضية العدل والإحسان هي أكبر منه، ودوره في معالجة هذا الملف لا يتجاوز دور أي أداة مخزنية بسيطة.

كلام بلا قيمة لأن الكل يعرف أن العدل والإحسان لم تستدرج لمستنقع المخزن “باللعب” الكبير فما باله بالسفاسف.

كيف تكون له قيمة والمعروف أن ملف العدل والإحسان لا يمكن حصره في مسألة الحزب، لأن العدل والإحسان تقدم نفسها على أنها حركة دعوية مجتمعية واسعة، ومعالجة ملف حزبيتها غير ممكنة دون تناول الملف كاملا.

وهو بلا قيمة ما دامت لا قيمة للحيز الذي يريد اليازغي للعدل والإحسان أن تدخله. وما الحيز إلا الأتون التي لا يهنأ بال المخزن، واليازغي من المخزن طبعا، ما دامت والعدل والإحسان عصية على الانغماس فيها. وهل يبقى غير الأتون مجالا لمن يقبل إدماجه في اللعبة طالما أن صلاحيات الحكم الحقيقية بيد الملك ومحيطه.

كما لا قيمة لكلامه ما دام الغرض الأساس من إدخال أي وافد جديد هو أن يكون طوع ماكينة المخزن ليصطف في نهاية المطاف إلى جانب باقي المعلبات.

أفلم يان لساسة التعليب أن يكفوا عن هذه المهازل وقد غلب الصدأ على صرير الماكينة؟