تعرض المئات من المعلمات والمعلمين للإهانة والرفس والضرب من طرف قوات المخزن التي كانت مدججة بالهراوات والسعار الهستيري الذي تعلمته في مدرسة القمع العتيدة، جاء ذلك على إثر الوقفة الاحتجاجية السلمية التي دعت إلى تنظيمها مؤخرا النقابة المستقلة لأساتذة التعليم الابتدائي بعد استيفاء جميع الإجراءات القانونية .

وبهذا يكون العهد الجديد دشن فصلا جديدا من فصول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وأضاف إلى رصيده التاريخي المظلم صفحة قاتمة، ستظل راسخة في أذهان رجال التربية والتعليم الذين عاينوا بكل مرارة خبث الأجهزة المخزنية التي نكلت بهم أشد تنكيل وصل حد الإغماء للكثيرين لعل أخطرهم سيدة حامل لم يرقبوا فيها إلا ولا ذمة، فما هي يا ترى أبعاد هذا الحدث وماهي الدلالا ت والعبر المستفادة؟؟

أساتذة التعليم الابتدائي.. والأسلوب الحضاري في الاحتجاج

لا يمكن لمتتبع منصف، إلا أن يستنكر الأسلوب الهمجي الذي نهجته الدولة مع وقفة احتجاجية دعت لها نقابة تتمتع بوجودها القانوني، لا سيما والمحتجون من أبناء الشعب مواطنون عزل إلا من شعاراتهم المطالبة بحقوقهم المشروعة من أجل الكرامة الآدمية والعيش الكريم لطبقة مسحوقة تحمل عبء التعليم والتربية والتكوين، لكنها للأسف تعاني التهميش والتفقير والإقصاء في زمن التنمية البشرية.

المعلمات والمعلمون الذين حجوا الى العاصمة الرباط ومن ورائهم الآلاف ممن حبسهم العذر، لم يأتوا ليتنزهوا أو حبا في الهروات المنهالة على الرؤوس والجماجم، ولكن حقيقة الوضع الاجتماعي والتعليمي الذي يعيشونه يوميا جعلت الكثيرين يقطعون مئات الكلومترات لعلهم يوصلون صوتهم المبحوح الى الجهات الرسمية، علما أن هذه الوقفة جاءت بعد سلسلة من الإضرابات الوطنية التي تعاملت معها الوزارة الوصية بمنطق النعامة، فإذا كانت مطالب الشغيلة التعليمية تستمد مشروعيتها من الواقع الاجتماعي والتعليمي المعيش حاولت أن تعبر عنها بأساليب حضارية راقية جدا، تعاملت معها الدولة بالعنف والقمع اللذين زادا من شعبية النقابة وتعاطف الشارع معها، فشكرا لغباء المخزن ولا شكر على “الزروط”ة، فما الرسائل التي يحاول المخزن أن يوجهها بأساليبه البائدة هاته؟؟؟

عقلية القمع والاستبداد

إخواني من أبناء وطني الحبيب، ان المتربعين على الكراسي الوثيرة لا يعرفون حقيقة المدرسة العمومية ولا يعرفون أن نسبة كبيرة من المعلمين والمعلمات يفنون حياتهم في تنشئة الأجيال في الحواضر والمداشر والقرى والجبال، هؤلاء في بروجهم العاتية هم من أمر بقمع رجال التعليم لأنهم لا يقدرون المهنة التي يمتهنونها فقديما قال الشاعر :

قم للمعلم وفه التبجيلا * * * * * كاد المعلم أن يكون رسولا

والمخزن بأسلوبه العبقري الجديد يقول:

اركل المعلم ركلا * * * * * كاد المعلم أن يكون بغلا

إن ما تعرض له المحتجون بباب وزارة التربية من إهانة وتحقير يؤكد بالملموس استمرار عقلية الاستبداد، فما يتغنى به من شعارات العهد الجديد ماهي إلا أساطير مهندسي السياسة المخزنية ببلادنا الحبيبة، فإذا كان رهان رجال التعليم تربية أبناء الشعب على الرفق ونبذ العنف الذي يهدد المعمور،وما بلادنا ببعيدة عن ذلك، فإن وزارة التربية الوطنية أعطت للمعلمين درسا نموذجيا في “التربية على الحوار والمواطنة”.

إن الأكيد المؤكد هو دركات الخسران السياسي الذي وصل إليه النظام السياسي بالمغرب، والأكيد الأكيد أن هذه الأساليب البائدة تزيد من اتساع الهوة بين حماة الاستبداد وأبناء الأمة وتقوي تماسك رجال التعليم وتصلب مواقفهم .

لا مستقبل للمدرسة العمومية بدون كرامة رجال التعليم

يبدو أن وزارة التربية الوطنية تريد أن تتبرأ من المدرسة العمومية بكل عناصرها فبعد فشل مشروع الجودة الذي حمله الميثاق الوطني للتربية والتكوين هاهي اليوم تعلن الطلاق الثلاث مع المعلمين الذين يحمون ظهرها بما يحملون على كاهلهم من أثقال، وفي هذا السياق تأتي الاتفاقية الإطار التي وقعتها الحكومة مع القطاع الخاص يوم 8 ماي 2007 على حساب التعليم العمومي.

فلعله من نافلة القول أن التعليم العمومي يحتضر اليوم رويدا رويدا، وبدلا من أن تتجه الدولة الى التفكير في استراتيجية عميقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، نراها تزيد الطين بلة مع العلم أن المجتمع المدرسي الذي يعيش الفقر المذقع والأمية الفاحشة فقد الثقة كاملة في المدرسة التي أصبح ينظر إليها “كماكينة” لتفريخ البطالة والبؤس.

وعليه فإن الدولة تتحمل المسؤولية في إعادة الثقة وبناء مدرسة الجودة التي لن تكتمل بدون كرامة رجال التعليم وهم قطب رحى المنظومة التربوية والذين بدونهم لن تقوم للتربية والتعليم قائمة .

وقبل الختام نذكر السادة المسؤولين بأن ماتعرض له السادة المعلمون جريمة نكراء في حق التعليم وفي حق شعار دولة الحق والقانون، كما نهمس في أذن كل من يهمهم الأمر ونقول: إن الأيام القابلة بهذه المعطيات الواقعية تخفي المفاجآت الكارثية، فهبوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.