أصبحت مادة الأمازيغية اليوم جزءا من المقررات الدراسية للتعليم الابتدائي ببلادنا، وجاء هذا “الإغناء” للحقل التعليمي بعد التطورات النوعية المفاجئة التي شهدها التعامل الرسمي مع ملف الأمازيغية في السنوات الأخيرة، وشكل تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001 أهم هذه التطورات. حيث اشتغل هذا المعهد في وقت قياسي ليصدر بالتعاون مع وزارة التربية الوطنية المقرر الدراسي لمادة الأمازيغية بفروعها الثلاث، وبدأ تدريس هذه المادة في السنة الأولى والثانية من التعليم الابتدائي في عدد من المدارس على أن يتم تعميمها تدريجيا على جميع المؤسسات الابتدائية العمومية والخاصة وعلى جميع المستويات …واعتبر أغلب مناضلي الحركة الأمازيغية هذه الخطوة مكسبا للأمازيغية ولا يخفون رضاهم عندما يرون حرف “تيفيناغ” يظهر أخيرا عل الكتب المدرسية، هذا الحرف الذي تعتبره الجمعيات الأمازيغية الحرف المناسب لكتابة لغتهم، حيث تم الحسم لصالح هذه الأبجدية بعد نقاش حول اختيار الحرف المناسب للكتابة الأمازيغية، بعد أن ذهب البعض إلى حد المطالبة بكتابتها بالحرف اللاتيني..

إلا أن ثمة من يسأل: هل إدماج الأمازيغية في المنظومة التعليمية بهذا الشكل وفي هذا التوقيت له غاية تربوية؟ أم هو مجرد اختيار سياسي له إكراهاته؟

لا شك أن التعامل الرسمي مع ملف الأمازيغية تحكمه هواجس سياسية وإكراهات يفرضها المناخ السياسي المحلي والإقليمي، فالقضية الإثنية والعرقية أصبحت ورقة ضغط رابحة من طرف قوى وجهات خارجية على مجموعة من الدول العربية باسم احترام حقوق الإنسان.. ونضالات الحركات الأمازيغية ببلدان المغرب العربي أصبح أكثر تصعيدا حيث تمكنت هذه الحركات من مأسسة نضالاتها على المستوى الدولي فكونت ما يسمى بالكنغرس العالمي الأمازيغي الذي ينشط في بعض الدول الأوربية حيث يحظى المناضلون الأمازيغ بالدعم الإعلامي والأكاديمي، وخصوصا من طرف فرنسا، لذا أصبح المغرب الرسمي مكرها على تزيين الواجهة وتلميع الصورة على جميع الأصعدة وضمنها ملف الأمازيغية، فحقق له ذلك احتواء بعض الناشطين الأمازيغيين عبر مأسسة أمازيغية رسمية توفر لك أيها المثقف والمناضل الأمازيغي كل إمكانيات العمل الثقافي والأكاديمي على المقاس الرسمي ووفق الأجندة والتوجهات السياسية المعروفة…

إدماج الأمازيغية إذن بشكل قسري في حقل تعليمي تنخره الأمراض والشيخوخة مجرد قرار سياسي متسرع لن يؤدي إلا إلى المزيد من تعقيد العملية التعليمية والمزيد من الفشل الدراسي في ظل منظومة تربوية فاشلة أصلا وفي ظل مشكل التعدد اللغوي منذ السنوات الأولى، فتلميذ السنة الأولى ابتدائي مثلا لا يمكنه استيعاب لغتين في آن واحد عربية وأمازيغية، وتلميذ السنة الثانية لا يمكنه استيعاب ثلاث لغات عربية وأمازيغية وفرنسية ..وإن ما يزيد المشكل تعقيدا هو اعتماد أبجدية تيفناغ وتنزيله، بطريقة كلية ودون تدرج، في المقررات والمراجع البيداغوجية، ودون تكوين كاف ومبرمج مدعوم بالوسائل الديداكتيكية المساعدة على أبجدية جديدة وغير مألوفة أصلا حتى عند الناطقين بالأمازيغية. .

لا أحد ينكر أهمية تدريس الأمازيغية باعتبارها لغة وثقافة فئة عريضة من الشعب المغربي وباعتبارها إرثا ثقافيا واجتماعيا ذا جذور ضاربة في أعماق التاريخ المغربي

والأهم من كل هذا هي لغة تواصل يومي شأنها شأن العربية الدارجة لن تستقيم حياة الناس بدونها وتزداد أهمية هذا التواصل اللغوي في الحقل التعليمي، ولا أدل على ذلك ما يعانيه التلميذ في المدرسة القروية بالمناطق الأمازيغية خصوصا إن كان طاقم التدريس لا يتقن الأمازيغية، فينعدم ذلك التواصل المطلوب خصوصا في السنة الأولى من الدراسة، حيث يصاب الطفل بغربة نفسية ولغوية بمدرسة قريته، ويجد نفسه فجأة في وسط يتداول لغة غير تلك التي يتكلمها خارج الفصل، فيكون لذلك تأثير على تعلمه خصوصا في الشهور الأولى من ولوجه المدرسة… .تدريس الأمازيغية إذن مطلب اجتماعي وثقافي، ولكن أية أمازيغية سندرس؟ وفي أي منهاج تعليمي يجب أن تدمج؟ ولأية أهداف وأية غايات؟ وفي أي سياق سياسي وأي وضع اجتماعي؟ إذا كان الوضع السياسي والاجتماعي مزريا ومنذرا بالكارثة.. وأصبح التعليم يخرج أفواجا من المعطلين فما جدوى “إغناء” المناهج التربوية بأمازيغية تؤسس “لوعي قومي” أكثر مما تبني شخصية ذات ثقافة متكاملة ومتعددة الروافد، ولم لا تدرس بالحرف العربي باعتباره حرفا مألوفا أصلا لدى الجميع مما سيساعد على إنجاح تلقينها، بينما حرف تيفناغ يؤسس لقطيعة شعورية في نفسية المتعلم ويجعله مشتتا في الاستيعاب، بينما سيشكل الحرف العربي وحدة تمكن المتعلم من اكتساب كفايات لغوية تتجاوز عوائق ضبط رسم وكتابة حرف تيفناغ. ولم لا نكون نحن الأمازيغ مثل إخواننا المسلمين في إيران وباكستان وغيرها، شعوبا مسلمة مازالت تكتب لغتها بحروف لغة القرآن الكريم وقد بلغت ما بلغت من الرقي الحضاري والثقافي وحتى النووي.. دينها الإسلامي فوق كل اعتبار ولغة القرآن أولى لتعلم مبادئ الإسلام وحفظ كتاب الله، وإن المتأمل في التراث الفقهي والأدبي الأمازيغي المدون ليجد فيه كنوزا ومؤلفات مكتوبة بالحرف العربي، مما يبين مدى تعلق الناس بدينهم ولغة القرءان الكريم، حيث لم تمنعهم عجمتهم الأمازيغية من الإلمام بعلوم اللغة العربية والإبداع بها.

في خضم التدبير غير السليم للمسألة الثقافية بالمغرب تبقى الأمازيغية تترنح بين توجهين، توجه أصحاب الأطروحات القومية الذين يريدونها أمازيغية بلباس غربي، وبين التوجه الرسمي الذي تحكمه المصالح والتوازنات السياسية، وتبقى الأمازيغية تنتظر من يجعلها تتصالح مع ذاتها، لتحمل- كما كانت- القيم الحضارية والثقافية والاجتماعية الحقيقية للإنسان الأمازيغي المسلم، وتبرز آية من آيات الله، لا أداة للتفريق بين عباد الله ومحاربة دين الله، يقول الله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} الروم22.