مرت أكثر من عشرة أيام على واحد من أشد الانتهاكات لحقوق الإنسان في مغرب العهد الجديد وهو منع الندوة الصحفية التي كانت ستنظمها جماعة العدل والإحسان يوم الخميس 24 ماي 2007 . وكان مفترضا في حدث من هذا الحجم يتعلق بانتهاك حرية التعبير والرأي المصنفة في الدرجات الأولى ضمن معايير حقوق الإنسان أن يقابل بكل أنواع الرفض والاحتجاج والتحليل من قبل الحقوقيين والمحللين وحتى السياسيين، لكن مع الأسف كان الغالب هو الصمت، كالعادة عندما يتعلق الأمر بقمع جماعة العدل والإحسان، باستثناء التغطيات الخبرية ومقالين للزميلين محمد حفيظ وتوفيق بوعشرين. فهل يستحق حدث من هذا الحجم غير هذا؟ .

لبسط أهمية هذا التساؤل نقف مع أهم دلالات هذا الحدث:

1- دلالة الجهة المنظمة

كون جماعة العدل والإحسان هي الجهة المنظمة للندوة الصحفية هذا كاف لإضفاء أهمية قصوى على المناسبة وذلك لعدد من الاعتبارات منها.

– باعتبار جماعة العدل والإحسان من أقوى التنظيمات بالمغرب وأثرها كبير في المشهد والقرار السياسيين، وعليه فلا أحد يجادل في رغبة الكل في معرفة رأي الجماعة في القضايا الهامة إلا الدولة التي أثبت بمنعها للندوة أنها يزعجها رأي العدل والإحسان.

– باعتبار أن الجماعة برغبتها في تنظيم ندوة صحفية فهي تؤكد على خيارها المبني على الوضوح وأن ليس لديها ما تخفي. وبهذا يكون المانع هو الذي يخشى وضوح الجماعة مع العلم أن اللصوص وحدهم يحبون الظلام.

2- دلالة الزمن.

إذا تأملنا قليلا ملابسات وسياق الظرفية المحيطة بتاريخ عقد الندوة ندرك جيدا أهمية هذا الحدث، فالندوة تؤرخ لمرور سنة على بداية القمع الشامل الذي تشنه الدولة على العدل والإحسان منذ 24 ماي 2006. وعقد الندوة بهذه المناسبة يشير إلى أمرين بالغي الأهمية؛ الأول: أننا عندما ننبه إلى استغراق حملة القمع لمدة سنة كاملة، وهي ما تزال مستمرة، فهذا يؤشر على أن الأمر يتعلق بحرب حقيقية ، حرب من جهة واحدة طبعا وهي المخزن.

المؤشر الثاني: وهو يساعد على تأكيد عنوان الحرب حيث كنا سنطلع على حصيلة مخلفات هذه الحرب في صفوف العدل والإحسان من حيث عدد الضحايا والأحكام وقيمة الغرامات ونوعية الأسلحة وأشكال الاعتداء التي استعملتها الدولة المعتاد منها والقذر الذي لم تستعمله إلا مع الجماعة.

بناء على هذه المؤشرات يكون من أهم دوافع منع الندوة حرص الدولة على التستر على جرائمها.

وضمن السياق الزمني نستحضر أيضا موضوع الانتخابات التي يعتبر رأي العدل والإحسان فيها انتظارا أساسيا يترقبه الكل إلا الدولة التي عبرت من خلال المنع أنها يزعجها موقف الجماعة أيا كان هذا الموقف خاصة أنها تعرف أن العدل والإحسان التي ستنظم الندوة ليست غير العدل والإحسان قبلها.

3- دلالة المكان.

اختيار العدل والحسان لنادي المحامين لا يمكن الفهم منه غير الحرص الدائم للجماعة على الوجود الواضح والمسؤول وسط المجتمع وفضاءاته. أما محاصرة النادي ومنع عقد الندوة داخله فلا يفهم منه غير تأكيد السلطات على أن لا حرمة لديها وهي تخرق القانون وتنتهك الحريات والحرمات حتى لو كان الفضاء لهيئة الدفاع وهي رمز مهم من رموز العدالة.

4- دلالة المنع:

أستفيد من منع الندوة ما يلي:

– هذه المرة كان اعتداء الدولة على العدل والإحسان متعديا حيث طال أيضا هيئة المحامين بانتهاك خصوصية ناديهم، والرأي العام والصحافيين بحرمانهم من التواصل المباشر مع أحد أهم التنظيمات المغربية يهمهم كثيرا معرفة آرائه في القضايا الأساسية والحساسة.

– أكد المنع صدقية استنتاج أبرز الباحثين والمتتبعين بكون رأي العدل والإحسان بالغ الأثر في الشأن السياسي المغربي وإلا لو كانت الدولة مقتنعة بما تروجه من خلال عدد من أبواقها من كون العدل والإحسان هامشية ومهمشة لكان التجاهل أنسب سلوك من الدولة.

وعلى ذكر أبواق المخزن كتب أحدهم مبررا منع الندوة بأن الجماعة سرية وبالتالي ينبغي منعها من أي مظهر علني، ولست أدري هل كان صاحبنا في كامل قواه العقلية لما كتب ما كتب أم أن الحقد يعمي إلى هذا الحد، لأنني لم أشاهد يوما تنظيما سريا تأتي أهم قياداته إلى مكان علني من أجل تنظيم ندوة وتجد متاريس قوات السلطة وتدخل مع مسؤوليها في حوار على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام. عجيب! ثم قال هذا العجيب ما هو أعجب من العجب، قال متسائلا في معرض التبرير، هل كانت الدولة تسمح بعقد ندوة صحفية للتنظيمات اليسارية في الستينات والسبعينات؟ فأقول له إذا سبق للدولة فعل ذلك فقد كانت مجرمة وكان شريكا لها في الإجرام من برر لها ذلك وقتها كما هو مجرم من يبرر لها ذلك اليوم .

– أما الاستنتاج الأخير فأتساءل، رغم معرفتي اليقينية بالجواب، ما الذي يحرج حقوقيي المغرب في استنكار انتهاك، يعرفون قبل غيرهم جسامته، عندما تكون ضحيته جماعة العدل والإحسان. وهذه المرة لا أستثني أحدا لأن لا أحد تكلم بصفته الحقوقية.