يصادف يوم غد الخامس من يونيو ذكرى مرور أربعين عاماً على احتلال الأقصى المبارك واستكمال سيطرة الكيان الصهيوني على القدس الشريف (ما يعرف بالقدس الشرقية) واغتصاب ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية (الضفة الغربية) فضلاً عن احتلال الجولان السورية، وسيناء المصرية.

وأخشى ما أخشاه أن تمر هذه الفاجعة الكبيرة، والذكرى الأليمة على الأمة دون أن تلتفت إليها، أو تقوم بإحيائها، في إطار اللامبالاة التي اعتادت أن تتعامل فيها حتى مع قضاياها المركزية، والإحباط الذي جعلها تستسلم لهزائمها المتوالية، والهوان الذي أدمنت عليه واستسهلت أمره، وربما ألهتها مصائبها الراهنة الطازجة في العراق وأفغانستان والصومال..، عن المصائب التي مر عليها عقود من الزمن، حتى تكاد المأساة الجديدة تنسي القديمة وهكذا دواليك.

وإذا كان الناس يستحضرون الذاكرة بيسر وتلقائية وانشراح صدر لإحياء مناسباتهم السعيدة على المستوى الفردي أو الجمعي لأنها تذكرهم بلحظات السعادة والنجاح والانتصار وتحقيق الذات..، فإنهم قد يكسلون عندما يتعلق الأمر بأحداث مأساوية أو وقائع محزنة أو قضايا مؤلمة لأنها تنغص عليهم صفو حياتهم، وبالتالي فقد ينصرفون عن إحياء مناسباتها أو يستثقلونها وتضيق نفوسهم بها، وقد يصل الحد ببعضهم للاعتراض عليها في قرارة أنفسهم، لاعتقادهم بأنها ليست ذات جدوى عملية، باعتبار أنها لن تتجاوز حد النواح والبكاء ونكء الجراح وجلد الذات.

إن الأمر يتعلق ابتداء بضرورة إقناع الناس بأهمية إحياء المناسبات حاضراً ومستقبلاً، وعدم الغفلة عنها، وبالكيفية التي ينبغي أن تتم بها عمليات الإحياء والتذكر، والطرق والوسائل المعينة على ذلك.

ونظراً للميزات التي تنفرد بها القدس كمدينة تحمل أبعاداً تاريخية ودينية وسياسية وحضارية، وتحتضن الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، و تشكل رمزاً للصراع بين الفلسطينيين والصهاينة، ولكل الطامعين بفلسطين، فسوف نركز عليها، وذكرى الخامس من يونيو تمر بنا هذه الأيام.

ليس المطلوب البكاء والوقوف على أطلال الكارثة التي حاقت بالمدينة المقدسة، فهذا لن يقدم أو يؤخر كثيراً، فضلاً عن كونه حيلة العاجزين المتواكلين. ولأن المدينة مازالت في دائرة المكر اليهودي المتواصل، فلابد من تذكير الأمة وتنبيهها بأنها والأقصى في خطر، باعتبار أن قضية فلسطين عربية إسلامية وليست فلسطينية، وقد أحسنت مهرجانات قامت في المناطق المحتلة لعام 1948 حينما رفعت شعار «الأقصى في خطر» أو «القدس في خطر».

وفي هذا المقام لا بد لي أن أنحني حباً وتقديراً للشيخ رائد صلاح الذي ما فتئ يذكر الأمة من حين لآخر وبكل مناسبة بواجبها تجاه هذه المدينة المقدسة وأقصاها المهددين، ولا يكتفي بذلك، بل يقدم الأفكار العملية للشعب الفلسطيني وخصوصاً الذين هم على خط التماس الأول مع هذه المدينة، وللأمتين العربية والإسلامية من خلال مبادرات بعضها رأت النور وانتقلت إلى حيز التطبيق العملي. ومن روح ما كتب وقدم استمد هذا المقال، خصوصاً أنه دعا أصحاب الأقلام إلى أن يسهموا ويكتبوا تحت عنوان (ماذا أقول بعد أربعين عاماً على احتلال المسجد الأقصى).

ولأن احتلال الأقصى الشريف يعد أشد كارثة أصابت الأمة الإسلامية برأي الشيخ المجاهد صلاح ـ وهي كذلك برأي أي عربي ومسلم حر عقيدة وحقيقة ـ فيتوجب على الحاضر العربي والإسلامي والفلسطيني إعلان حالة الطوارئ كما تفعل الأمم التي تنزل بها الكوارث والنوازل، وهي أولى الخطوات التي لابد منها لمعرفة إحياء ذكرى الاحتلال الصهيوني البغيض.

ولأننا في حالة سباق مع المكائد اليهودية الموجهة تجاه هذه المدينة المقدسة فإن التوعية والتذكير والتنويه ستنصب على مؤامرة تهويدها المستمرة بوتائر ممنهجة ومدروسة لاسيما بعد احتلال (القدس الشرقية) عام 1967، وطمس هويتها العربية الإسلامية، ومؤامرة طمس المسجد الأقصى وبناء هيكل على حسابه وقطع صلة المسلمين الروحية به. وهو المضمون الذي ينبغي أن تتناوله أي حملة إعلامية لو أرادت أن تحيي المناسبة التي نحن بصددها باختصار وإيجاز. وتحت هذين العنوانين الرئيسين عناوين فرعية محل إجماع يهودي وأهمها: مصادرة أراضي المدينة (في التهويد العمراني نجحت “إسرائيل” في تهويد 79% من القدس الشرقية حتى الآن، و7% من المساحة المتبقية غير منظمة وعرضة للمصادرة و4% يجري التفاوض بشأنها)، بناء المستوطنات، تهجير الفلسطينيين عن موطنهم وإحلال المستوطنين اليهود مكان العرب، أي الخلل السكاني بسبب التهويد، إزالة معالم المدينة العربية والإسلامية وإفقادها طابعها الديني والحضاري.

لقد قلت إن الشيخ رائد صلاح صاحب مبادرات للذود عن القدس والأقصى وخدمتهما، وهو لا يتوانى عن تقديم أي فكرة أو جهد في استثارة عزائم شعبه وأمته، لكي تنخرط في دائرة الفعل المؤئر في هذا الاتجاه، وللتدليل على ذلك نشير إلى آخر هذه الأفكار والمبادرات:

ميثاق العهد والوفاء: لحفظ القدس الشريف والأقصى المبارك وقد جرى التوقيع عليه بحضور أهالي القدس والداخل الفلسطيني، وهو عبارة عن خريطة طريق لمن وقع عليها من المواطنين رجالاً ونساءً الذين قطعوا عهداً على أنفسهم بموجبه للحفاظ على القدس وسائر المقدسات الإسلامية والمسيحية بكل ما يملكون من أرواح وبنين وأموال، وعدم التفريط بها، وبذرة تراب من هذه الأرض، وعدم بيعها أو التنازل عنها، أو السمسرة بأي عقار في المدينة، وقد ذكر الشيخ رائد صلاح أن الوثيقة تضم أكثر من 150 حمولة من حمائل القدس الشريف (أسرة وعشيرة) من المسلمين والمسيحيين وقعوا على هذه الوثيقة، لحفظ إسلامية القدس وعروبتها وللوقوف بوجه أي مؤامرة تهدف إلى النيل من المدينة ومقدساتها.

وقبل ذلك تبنى مشروع «رباط حمائل القدس في المسجد الأقصى» حيث قسم بالتفاهم مع أعيان ووجهاء هذه الأسر كل مجموعة إلى 10 حمائل في القدس للمرابطة لمدة يوم في المسجد الأقصى كل شهر، وذلك لمواجهة اقتحامات واعتداءات الصهاينة والمستوطنين على الأقصى على أن تقوم كل حمولة باستنفار شبابها ورجالها ونسائها وأطفالها للصلاة في يوم رباطها، وبحيث يرفد الأقصى بالآلاف من المصلين يومياً، وهناك مشروع سابق لمؤسسة الأقصى الخيرية التي يرأسها الشيخ صلاح اسمه «مسيرة البيارق» حيث توفر المؤسسة الحافلات لقرى القدس والداخل الفلسطيني للصلاة في الأقصى ضمن برنامج شهري وينتظر أن يتعاضد المشروعان معاً خدمة لهذا المعلم الروحي وللدفاع عنه.

وعودة لإحياء الذكرى الأربعين لإتمام احتلال القدس والأقصى فقد حث الشيخ رائد صلاح الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وسائر العناوين الإسلامية الأخرى، كما حث مدارس الصحوة الإسلامية والأحزاب والفعاليات والمؤسسات الأهلية العربية ووسائل الإعلام للمساهمة في هذا الموضوع واقترح جملة من الفعاليات أهمها:

ـ صياغة الأحزاب لوثيقة عالمية فيما بينها تمثل الاستراتيجية الموحدة والدور المطلوب لنصرة القدس الشريف والمسجد الأقصى ودعوة كل الحاضر الإسلامي والعربي بكل مركباته للالتقاء على هذه الوثيقة طمعا أن تكون هذه الوثيقة دافع توحيد لهذا الحاضر الممزق إلى شعوب وقبائل وأحزاب متناحرة.

ـ المبادرة فوراً لإجراء مسابقات غناء ومسرح وشعر وأفلام وثائقية تحكي كلها بكل هذه اللغات الفنية عن ذكرى الاحتلال من طرف الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى.

ـ عقد مهرجانات ومسيرات عالمية لإيقاظ الهمم وشد العزائم من جديد استعداداً وجاهزية لنصرة القدس الشريف والمسجد الأقصى.

ـ استثمار كل وسيلة إعلامية ممكنة للقيام بحملة إعلانية تتضمن توزيع ملصقات ذات أشكال وتعابير مختلفة وتعليق لافتات تحمل صرخات الدعوة إلى اليقظة ورفع أعلام تَحْمل صورة القدس والأقصى وبث مقاطع إعلانية قصيرة.

وقد طرح الشيخ صلاح أفكاراً أخرى لا مجال لسردها في هذه العجالة، ويمكن للمهتمين طرح أفكار أخرى أيضاً، المهم أن الكرة الآن في ملعب هذه الفعاليات المنتشرة على رقعة العالمين العربي والإسلامي وفي العالم الحر فماذا هي فاعلة للتجاوب مع هذه الدعوة التي يفرض إجابتها نداء العقيدة والواجب القومي والإنساني؟.