غداً يوم النكسة، في هذا اليوم، هاجمت الجيش الصهيوني ثلاث دول عربية وانتصر عليها، احتل جزيرة سيناء المصرية، واحتل القدس والضفة الغربية الفلسطينية التي كان الأردن يديرها، كما احتل هضبة الجولان الاستراتيجية من سورية. تم ذلك خلال ستة أيام فقط لا غير، ولذلك سمتها الحكومة العبرية حرب الأيام الستة.

خلال أربعين عاماً من النكسة، شهد الوطن العربي مجموعة من النكبات من بينها:

* أولاً: تحويل انتصار أكتوبر/تشرين الأول في العام 1973 إلى هزيمة عن طريق تحييد مصر عن الصراع، وزيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى الكيان الصهيوني، وما تبعها، من شق للصف العربي.

* ثانياً: موجات التطبيع التي تستشري مع بعض العواصم العربية، التي ربطتها معاهدات صلح وسلام مع الكيان الصهيوني، من دون أن يسترد الفلسطينيون حقاً واحداً من حقوقهم المشروعة، بل على العكس، موجة التطبيع تتقدم، بينما الحال تبقى كما هي عليه، أي فصل المسار الفلسطيني عن المسار العربي.

* ثالثاً: زيادة وتيرة التعاون الصهيوني مع بعض الجهات العربية اقتصادياً، وأحياناً سياسياً وتكنولوجياً.

* رابعاً: تردي الأوضاع العربية حتى الحضيض بقيام النظام العراقي السابق باحتلال الكويت، وجلب القوات الأجنبية إلى المنطقة، ومشاركة الدول العربية في حرب تحرير الكويت إلى جانب الجيش الأمريكي وقوات التحالف، في سابقة تاريخية، الأمر الذي أدى إلى انقسام جديد بين الدول العربية دام لسنوات.

* خامساً: احتلال دولة عربية من قبل الولايات المتحدة، وهي العراق، وبتنسيق شديد مع الكيان الصهيوني، الذي يعلم الجميع، دوره في زعزعة الوضع وتأجيج الفتن في العراق.

* سادساً: قيام حرب أهلية في لبنان بدأت في العام 1975 واستمرت 16 عاماً، وأدت إلى خروج منظمة التحرير، وزيادة، وتفاقم آثار النكبة على الفلسطينيين، وتعرضهم إلى مذابح جديدة في مخيمي صبرا وشاتيلا، بعد المذبحة المخزية التي تعرضوا لها في مخيم تل الزعتر.

* سابعاً: انضمام الكثير من العواصم العربية إلى (الحرب ضد الإرهاب) بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول من دون التفريق بين الإرهاب والمقاومة، وعلى سبيل المثال، تم تصنيف حركة حماس على أنها إرهابية، من دون أن يعمل العرب على تغيير هذه التهمة، حتى عندما فازت في الانتخابات وتسلمت الحكومة الفلسطينية.

* ثامناً: تراجع عدد كبير من المفاهيم، أهمها تراجع مصطلحات مثل الثورة، والمقاومة، مع غياب شبه كامل لمفردات مثل: الاستعمار، الإمبريالية، والرجعية، رغم تواجد المصطلحات وتجسيدها على الأرض.

* تاسعاً: الخيار الاستراتيجي للعرب الذي تم الإعلان عنه في قمة بيروت، وتم التأكيد عليه في مؤتمرات أخرى، من دون الاستعداد الحقيقي لهذا الخيار، وتجاهل الكيان الصهيوني، حتى الآن، له. وخطورة هذا الخيار تكمن في كونه خياراً وحيداً لا بديل عنه، أي الانغماس في التراجع حتى الهزيمة.

* عاشراً: عدم الاستعداد العسكري لمواجهة الكيان الصهيوني، لقد غاب سباق التسلح من طرف واحد في المنطقة، بينما يعزز الكيان الصهيوني كل يوم من ترسانته العسكرية.

حزيران، شهر النكسة، والكيان الصهيوني يصرّ على أن يجعل هذا الشهر شهر النكسات والهزائم. ومن خلال متابعة سريعة لما فعله الكيان الصهيوني خلال هذا الشهر على امتداد سنوات وحقب كثيرة، يمكننا التعرف الى الآتي:

* أولاً: وقف موشيه دايان وزير الدفاع الصهيوني في السابع من يونيو في العام 1967 أمام حائط البراق وقال: “أعدناك ولن نبارحك أبداً يا قدس”. وبعدها قامت السلطات الصهيونية بهدم حي المغاربة في المدينة.

* ثانياً: اعتدت السلطات الصهيونية في التاسع عشر من شهر يونيو/ حزيران في العام 1975 على المسجد الأقصى.

* ثالثاً: في التاسع عشر من يونيو من العام 1981، شنت الطائرات الصهيونية غارات مدمرة على المفاعل النووي العراقي، وأتت عليه بالكامل.

* رابعاً: في التاسع عشر من يونيو من العام 1982، قام الجيش الصهيوني باجتياح لبنان ومحاصرة العاصمة بيروت.

* خامساً: قام الطيران الصهيوني في العشرين من يونيو من العام 1993 بالإغارة على حفل تأبين في غزة وقتل أربعة فلسطينيين وجرح أربعين آخرين.

* سادساً: بدأ الكيان الصهيوني في العام 2002 ببناء جدار الفصل العنصري، الذي أدى إلى ابتلاع مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة بطول 350 كيلومتراً.

أربعون عاماً من النكسة، وستون عاماً من النكبة وضياع فلسطين، ولا يزال العرب يراهنون على النيات السلمية الصهيونية، وعلى الصديقة الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، لا يراهنون على شعوبهم وقدراتهم الاقتصادية والعسكرية، بل يستجيبون للأطروحات الغربية التي ترمي إلى خلق فتن طائفية ومذهبية في الوطن العربي، تمهيداً لإثارة حروب أهلية، ناهيك عن العقوبات التي تصدر عن مجلس الأمن ضد العديد من الدول العربية، مثل السودان وسوريا، ولا أحد يسعى لوقف هذا الهجوم المنظم الذي يتعرض له الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه.

إن النكبة أو النكسة أو الهزيمة، كلها تحمل معنى واحداً، وسيبقى هذا المعنى يطل برأسه بوضوح شديد، مادام العمل العربي المشترك لا يتم وفق نيات صادقة وأسس متينة، ومادام يرضخ العرب للمقولات (الحضارية) الغربية مثل: ثقافة السلام، والعولمة، والالتحاق بالأمم المتحضرة، وحوار الثقافات.

حين يعلم العرب بأنهم مستهدفون، وأن أطماع (الآخر) بخيراتهم ومواردهم الطبيعية لن تتوقف، وأنهم مقبلون على استعمار جديد بأساليب ناعمة ودموية أحياناً، وأن الكيان الصهيوني تم زرعه في قلب الوطن العربي ليس من أجل سلامهم وتنميتهم وتطورهم، وقتئذ، ستحدث اليقظة، وستتغير السياسات، وإلى ذلك الحين، ستبقى النكبة تطل بكل أفاعيها السامة، لتنفثها على ما تبقى من أحلام العزة العربية.

عن المركز الفلسطيني للإعلام