يبدو أن زمن الاكتشافات الكبرى عاد من جديد، لكنها اكتشافات سياسية هذه المرة وليست جغرافية، فقبل أيام طلع علينا الأستاذ اليازغي، بتصريح يكتشف فيه أن جماعة العدل والإحسان حساسية موجودة في المجتمع “ويكون من الأحسن لو تتحول إلى حزب سياسي” وهو اكتشاف يحسد فيه اليازغي على نباهته وحسن فطنته وسرعة بديهته، فبعد مرور ما يناهز ثلاثين سنة على تأسيس الجماعة وحضورها وتمترسها مع قضايا الشعب والأمة، وبعد مئات المناسبات التي ظهر فيها لكل من له نظر أنها القوة المعارضة الشعبية الأولى بالمغرب، صاحبة القاعدة الجماهيرية الأوسع كما والمتميزة كيفا، يكتشف السيد الوزير أنها حساسية موجودة، ونجد للسيد الوزير عذرا إذا كان يقصد ب”الحساسية ” مرض الحساسية -عافانا الله وإياكم- فالعدل والإحسان بهذا المعنى حساسية تنخر جسد المخزن في المغرب وهي نوع نادر استعصى على أطباء المخزن وحكمائه، فلا هي ساومت ولا هي هادنت ولاهي سايرت، وهذا مما لا يخفى على فخامته فقد شارك وهو المناضل والحقوقي السابق وزملاؤه-التقدميون جدا- منذ وصولهم إلى الحكومة في الحملة على العدل والإحسان على كل الواجهات فما أحسوا بالانتهاكات الجسيمة التي تعرضت لها الجماعة وأبناؤها ولا أحسوا بالاعتقالات ولا المحاكمات ولاالإختطافات ولا ولا ولا … وكان عهدهم عهدا زاهرا لحرية الرأي والصحافة والتعبير بشهادة الجميع!!! .

وها هو يكتشف اليوم والحمد لله أنها موجودة، ومع الاكتشاف يدعوها- مشكورا- إلى تأسيس حزب، ولأننا أمرنا أن نرد التحية بمثلها أو أحسن منها، والهدية بمثلها أو أحسن منها فإننا نرد الدعوة بمثلها وأحسن منها، فإلى ماذا يدعونا اليازغي وإلى ماذا ندعوه؟؟.

ولماذا يدعونا الزعيم السياسي التاريخي في هذا الوقت بالذات أهي دعوة مجانية أم هي زلة لسان أم هي إشارات من جهات أعلى؟ ولأن الدعوة في كل الأحوال ليست بريئة فإننا نضعها في إطارها:

1- المراهنة على أن الجماعة تم إنهاكها ماديا ومعنويا بعد حملة الاعتقالات والمحاكمات والاختطافات والمتابعات والحصار الإعلامي وأنها الآن صارت جاهزة لتخفض سقف شروطها والقبول بأي عرض.

2- محاولة لزرع بذور الانشقاق داخل صف الجماعة خاصة أن الحملة المسعورة واكبها

صخب إعلامي عن وجود تيارين، تيار راديكالي يتشكل من جيل الزعماء المؤسسين

وتيار حمائم معتدل يتشكل من القيادات الشبابية السياسية، ودعوة من هذا النوع يمكن أن تدعم

موقف التيار المعتدل الداعي إلى الانخراط في الحياة الحزبية (وهي قراءة خيالية نابعة من

تجاربهم مع شبيباتهم الحزبية).

3- الانتخابات على الأبواب وسيادته يلوح بورقة العدل والإحسان في وجه حزب العدالة

والتنمية ليحد من جموحه السياسي خاصة بعد استطلاعات الرأي التي تعطيه التقدم والإشارات

الأمريكية.

4- رسالة إلى المخزن أن الاتحاد الاشتراكي قد يختار الاختيار الصعب بالتحالف مع العدل

والإحسان بعد تنامي شعوره أن المخزن قد يهمشه بعد انتهاء صلاحيته وقد تكون نتائج

الانتخابات آخر مسمار في نعشه.

5-الحكومة تريد التخلص من ملف شائك ومؤرق هو العدل والإحسان دام أكثر من ثلاثة عقود لتتفرغ للسلفية الجهادية التي تشكل خطرا محليا وإقليميا فالجماعة على الأقل حركة سلمية تنبذ العنف والعمل المسلح، وأولوية المرحلة عالميا هي “القاعدة” والنظام تبث أنه ليس قادرا على فتح جبهات متعددة.

إلى ماذا يدعونا اليازغي ؟؟؟

في الحقيقة لم أجد أبلغ في الجواب على دعوة اليازغي من تعليق ورد في الصفحة ما قبل الأخيرة لجريدة المساء العدد219 “باش تلبس حتى هيا بحالكم الشاشية والبلغة وتعلم تبوس الليدين”. للأسف هذه هي الحقيقة المرة الباهرة التي تحاولون إخفاءها، وهذه هي خلاصة ما يمكن أن يفعل أي حزب في المغرب هي أن يتحول إلى ديكور يؤثث المشهد السياسي في ظل نظام يستفرد بكل السلط والصلاحيات مقابل منح امتيازات ومناصب تتحول معها السياسة إلى بورصة والأحزاب إلى مقاولات سياسية ترتزق بالعمل السياسي.

وليس خاف عليكم كيف تحول التاريخ النضالي لدى كثير من الأحزاب إلى أرصدة في الأبناك و”كريمات” -وأستثني بعض الشرفاء والنزهاء الذين لم يغيروا جلودهم ولا قلبوا ….. وقليل ما هم- ماذا يمكن أن تضيف الجماعة إلى اللعبة السياسية إن تحول جزء منها إلى العمل السياسي حسب عرفهم وحسب الشروط الحالية دستوريا وسياسيا، سوى أن تصير خزانا لتدجين وتجميد آلاف من الأعضاء والمنتمين وتقديمهم رعايا مطيعين لسلطة شمولية أوليغارشية مستبدة حسب قواميسكم البائدة، والسؤال الأهم ماذا فعلتم وأنتم المناضلون الأشاوس بعد أن وصلتم إلى كراسي الحكم في المغرب، نجيب نحن البسطاء من أبناء هذا الشعب أنكم لم تزيدوا الشعب إلا تفقيرا والوضع إلا تأزيما وأطلتم عمر نظام بدأ يعاني أعراض السكتة وصرتم حرس العهد الجديد واغتنيتم أنتم وعائلاتكم بأموال الشعب. وهذه هي السياسة كما تفهمون والسلام.

وإلى ماذا ندعوه؟؟؟

أما السياسة كما نفهم فهي تغيير سلمي هادئ شامل ينصب على الأسباب لا الأعراض ويقصد الجواهر لا المظاهر، أما السياسة فهي حرية رأي وتعبير واجتماع يتمتع بها المغاربة كمواطنين لا رعايا وهي توزيع عادل للترواث والفرص بين أبناء هذا الوطن الكريم وهي كرامة ينعم بها كل المغاربة في عمل كريم ومسكن أكرم لا في مراحيض وزارة الأوقاف. السياسة هي توفير التعليم والصحة والغذاء للجميع بعدل ومساواة باعتبارها حقوقا لاصدقات، السياسة هي مشاركة حقيقية للشعب في اختيار حاكميه وممثليه ومراقبتهم ومحاسبتهم وعزلهم، السياسة هي إصلاح قضائي يحفظ للمواطن كرامته وعرضه قبل حقه، السياسية هي تعددية حقيقية تمثل فيها كل أطياف المجتمع وقواه بشفافية ووضوح لا بكوطات مهندسي وزارة الداخلية، السياسة هي تعاقد مع الشعب أولا وأخيرا باعتباره مصدر الشرعية والمشروعية، السياسة هي سيادة القانون لا التعليمات الفوقية، السياسة كما نفهمها تداول سلمي على السلطة بدون إقصاء، السياسة هي حرية في المعارضة والانتقاد، السياسة وفاء والتزام وعهد أمام الله والشعب لا انتهازية وارتزاق، السياسة هي اجتثاث للفساد من جذوره لا حلول ترقيعية وحملات تطهير، السياسة محاسبة ومساءلة وانحياز للمستضعفين من أبناء هذا الوطن ومساكينه في الأرياف والهوامش، السياسة مواساة وخدمة وتضحية وعطاء. السياسة أخلاق وشرف ونزاهة وصدق لا كذب ونفاق وتزوير.

لأننا هكذا نفهمها وهكذا نمارسها كجزء من ديننا ودعوتنا إلى الله تعالى لايمكن أن ننخرط في

سياسة تجمعون على أنها لعبة، لأنه لا وقت لدينا للعب ويكفي هذا الشعب من لعبوا به، هذه هي السياسة في عرفنا، فهل يا ترى تملكون الجرأة لنوحد الجهود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ هل تملكون إرادة سياسة لتشكيل تحالف إنقاذ وطني، كتلة تاريخية، جبهة وطنية ديمقراطية، حلف إخاء-سموها ما شئتم- المهم هو مجابهة الاستبداد السياسي الجاثم عل النفوس والعقول والإرادات؟ هذا هو السؤال وهذه هي القضية، فهل يتسع أفقكم السياسي ورؤيتكم الإستراتيجية لهذا السؤال أم الانتخابات هي الأفق والمبتغى والمشروع.