قبل 59 عاماً أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها رقم 181 بتقسيم فلسطين إلى دولتين دولة عربية مساحتها 44 % ودولة يهودية مساحتها 56% من مساحة فلسطين وتدويل والإشراف الدولي على مدينة القدس، يومها اعترضت الحكومات والشعوب العربية وهب الشعب الفلسطيني رافضاً ذلك، والآن وتحت الأمر الواقع يلهث العرب وراء خطة الطريق والمبادرات الدولية لإقامة دولة أو حتى دويلة فلسطينية متصلة مستقلة مساحتها لا تزيد عن 13.2 % من كامل مساحة فلسطين.

أما بالنسبة للقدس فالأمر مختلف فموضوعها مؤجل، والبحث في إيجاد تسوية لها مدرج ضمن أجندة الموضوعات النهائية، لذا أخذت تتآكل وتضعف وتنسى تدريجياً من ذاكرة ووجدان الأمتين العربية والإسلامية. تقضم أرضها، ويهجر أهلها، وتطمس معالمها، وتبدد هويتها، ويجري تهويدها، وإهمالها وسلخها عن ماضيها وتراثها وحضارتها رويداً رويداً أمام مرأى ونظر العالم كله، الذي يتجاهل عن عمد وقصد حقوق أبنائها التاريخية والدينية والقانونية فالهجمة عليها وعلى أهلها العرب شرسة ومن كل جهة، فالكل يطعن بها حتى باتت كالجسد المثخن بالجراح تنزف منه الدماء من كل مكان، وتم إهمالها وتجاهل ذكرها حتى أصبح العديد من أبنائها، بالكاد يعرفها أو يعرف شيئاً عن حدودها أو مساحتها، أو تاريخها ومكانتها. فلم يعد يذكر منها سوى أسمها. فأعان الله الجريء الذي سيتفاوض بشأنها ويتحدث عنها لاستردادها، أو تدويلها أو تقسيم سيادتها، أو مشاركة التقاسم الوظيفي في إدارتها! فهل سيفاوض على البلدة القديمة أو على أجزاء منها؟ أو على الأماكن المقدسة ؟ أم سيفاوض على القدس الشرقية فقط؟ أم القدس الموحدة التي ضمت شطري القدس عام 1967؟ أم القدس الكبرى بالمفهوم الإسرائيلي؟ أم القدس حسب القرارات الدولية والأممية؟ أم هل سيرجأ الموضوع لفترة أخرى وينتظر تطبيق أو إعلان مبادرات أو توصيات لمؤتمرات أو لجان دولية جديدة تأخذ بالاعتبار المخططات الهيكلية والجدار والأسوار والمصالح والأهواء والأطماع الشخصية والرسمية المحلية والدولية؟.

القدس عبر تاريخها الطويل ليست كغيرها من مدن فلسطين بل هي ليست كسائر مدن العالم، فلقد استأثرت منذ القدم باهتمام البشرية صنعت وصنع فيها التاريخ، وبقيت في كل الدهور والعصور جوهرة على كل لسان، لذا لا يمكن الحديث عنها أو تناولها إلا بالحديث عن بُعدها الزمني جنباً إلى جنب مع الحديث عن مكانتها الدينية والروحية والتاريخية وموقعها الجغرافي الهام ومساحتها وديموغرافيتها وقدسيتها وخصوصيتها لدى أصحاب الديانات السماوية الثلاث. إن هذه النظرة المتميزة للقدس جعلتها منذ إنشائها محط أنظار وأطماع كبار القادة، ورجال الدين، والغاصبين اللاهثين وراء الشهرة والعظمة والسيطرة، فسعى وتعاقب عليها عشرات الغازين والمحتلين الذين قاموا بتجهيز الجيوش لمحاربتها، واحتلال أراضيها، وسلب عقاراتها، ونهب خيراتها، والعبث بمقدساتها وتدميرها لحوالي ثماني عشرة مرة، وطرد أهلها وسكانها مما جعل الحياة فيها على نحو دائم غير آمنة أو مستقرة. بالرغم من أنها ليست مدينة غنية بالنفط، فأرضها صخرية، ولا يوجد في جوفها مناجم أو ثروات معدنية نفيسة وليس بها منابع مياه أو أنهار تمر بها.

ارتبطت القدس في نشأتها التاريخية مع بناء الحرم القدسي ما يعني أن القدس القديمة ارتبطت في نشأتها وتطورت على أساس ديني، وهي تتربع على خمس تلال هي (الموريا وعليه الحرم الشريف، صهيون وعليه مقام النبي داود، بيزيتا بالقرب من باب الساهرة، أكرا توجد فيه كنيسة القيامة، أوفيل المطل على قرية سلوان) وتعتبر ساحة قلعة داود أعلى نقطة في المدينة القديمة إذ يبلغ ارتفاعها 778م عن سطح البحر، في حين أخفض نقطة فيها تقع في ساحة الحرم الشريف بارتفاع 622م عن سطح البحر. توسعت المدينة فيما بعد فدخلت في حدودها الجبال المحيطة بها وهي ( جبل الطور، جبل سكوبس، وجبل المكبر، وجبل النبي صمويل، وجبل القطمون، وجبل وعر الضبع المطل على لفتا، وجبل بطن الهوى ). وضمت الوديان المنتشرة بين هذه الجبال وسور المدينة القديمة وأهمها: وادي سلوان ووادي الربابة ووادي الجوز ووادي الجبانة ووادي الصرار.

ومع انتصار الجيوش العثمانية على المماليك سنة 1516م حكم العثمانيون فلسطين بما فيها مدينة القدس، وقام السلطان سليمان القانوني سنة 1542م بتجديد وترميم وإعادة بناء سور القدس القائم حالياً والذي يفصل حتى الآن بين القدس القديمة والقدس الجديدة والذي يبلغ طوله حوالي 4200 متر بارتفاع يقارب 12 متراً، وبه أربعة وثلاثون برجاً، وأحد عشر باباً منها سبعة مفتوحة وأربعة مغلقة. عرفت القدس القديمة البالغ مساحتها 868 دونما »بالبلدة القديمة« وهي المنطقة المسورة والتي تضم داخلها أربعة أحياء هي ( الحي الإسلامي، والحي المسيحي والحي الأرمني، (حي الشرف- حي الكرد، حي المغاربة) والحي اليهودي ) والتي يقع بها المسجد الأقصى، وقبة الصخرة وكنيسة القيامة، وحائط البراق، والتي بقيت على طوال تاريخها موحدة خاضعة لسلطة واحدة.

ومع بدايات القرن الخامس عشر وظهور عوامل الصهيونية الأولى وتنامي نشاطات وتجمعات بعض الحركات الأوروبية المسيحية التي كانت تؤمن وتدعو إلى تجميع اليهود، وإقامة دولة يهودية خاصة بهم، ولهم وحدهم على أرض فلسطين، والتي ازداد تناميها في أوروبا إلى حد قيام نابليون بونابرت قائد الجيوش وإمبراطور فرنسا بإصدار ندائه الشهير سنة 1799 الذي يدعو فيه اليهود في آسيا وإفريقيا إلى الانضواء تحت أعلامه من أجل استعادة القدس بينما كان يزحف بجيشه من العريش في مصر شمالاً نحو فلسطين ، باعتبارهم الورثة الشرعيين لفلسطين.

ومع بروز المسألة الشرقية في القرن التاسع عشر وزيادة الأطماع الاستعمارية في الوطن العربي، وظهور الصهيونية كحركة سياسية بقيادة ثيودر هرتزل سنة 1897، والأوضاع العالمية غير المستقرة، وضعف الخلافة العثمانية، وتآمر الدول الأوروبية الاستعمارية واليهود على فلسطين وعلى وجه الخصوص على مدينة القدس التي أرادتها الصهيونية أن تكون منطلقها لإقامة الدولة اليهودية وجعلها العاصمة الأبدية والدائمة لها. بدا واضحاً أن القدس هي المدينة الأكثر استهدافاً في فلسطين »أرض الميعاد« لاستيلاء اليهود عليها والتي » لم يكن بها حتى عام 1859 أي دار معدة للسكن خارج أسوارها« وكانت مكتظة بسكانها وقاطني مبانيها وعقاراتها محاطة بسور ليس بداخله متسع لأراضي فضاء يبنى عليها لاستيعاب الهجرات اليهودية الوافدة حتى أن هرتزل قال عند زيارته ومشاهدته لها سنة 1903 »لا شيء في هذه المدينة لنا«، وقوله » لو أعطيت القدس لنا فلن نأخذها لأنها ستثير مشاكل لا حصر لها« الأمر الذي كان يؤكد لهم بضرورة توسيع حدود المدينة، والبناء خارج سور المدينة » القدس الجديدة« وربط هذه التوسعات للتواصل مع البلدة القديمة كمخرج وحيد لتغيير وإعادة رسم الحدود السياسية لمدينة القدس ومعالمها، وهو المخطط الذي بدأ بتنفيذه في القرن التاسع عشر.

لذا كان على الصهيونية ومن يشجعها من الدول الاستعمارية وضع الاستراتيجيات والمخططات التي تهدف إلى السيطرة على المدينة، لإيجاد موطئ قدم لها في داخل المدينة القديمة وخارجها للعمل على تهجير أهلها وتهويد ما يمكن تهويده، وإحكام الطوق والسيطرة عليها. وكان ذلك عن طريق شراء أو الاستيلاء أو امتلاك مباني وعقارات سكنية داخل البلدة القديمة من جهة، وكذلك عن طريق شراء أو استئجار أو استثمار في أراضي خارج البلدة القديمة تحيط بها لبناء مستوطنات تحاصرها تستوعب المزيد من المهاجرين اليهود، وتشجيع بعض المقدسيين الميسورين والأثرياء للسكن خارج محيط سور البلدة القديمة لإضفاء ظاهرة التوسع والنمو العمراني للمدينة، ومن ثم العمل على تواصل وتكامل هذه المناطق الجديدة وربطها مع البلدة القديمة كما حدث عام 1921 عند إعادة ترسيم حدود البلدية، وكان ذلك يتم بخطوات مبرمجة استغلت فيها الصهيونية والدول الاستعمارية ضعف الخلافة العثمانية أولاً، ثم فترة الانتداب البريطاني، والتعاطف الأوروبي مع الصهيونية للسيطرة على المدينة المقدسة باستخدام كافة الطرق والوسائل الملتوية، والتستر بمسميات وأهداف غير حقيقية تتظاهر فيها أحياناً بأنها جمعيات إنسانية أو خيرية، أو بعثات جغرافية أو استكشافية، أو جيولوجية، ومستخدمة ومستغلة الإغراءات والاستثمارات المالية، ومستعينة بقناصل الدول الاستعمارية بالقدس، وبالمستشرقين والرحالة، وجماعات المسح الطبوغرافي والتنقيب عن الآثار، للقيام بإجراء الحفريات التاريخية ( 1838) والتي تركز معظمها في دراسة ومعرفة السبل والإمكانيات الواجب توفيرها للسيطرة على مدينة القدس عن طريق إقامة قدس أخرى في محيط القدس. وتحقيقاً لهذا الهدف بدأ وضع اللبنات الأولى للاستيطان خارج محيط سور مدينة القدس فقام موسى منتفيوري سنة 1854 »بعد عدة محاولات فاشلة« بإنشاء أول حي يهودي في مدينة القدس سمي بحي منتفيوري خارج سور البلدة القديمة والذي يعتبر أساس نشوء القدس اليهودية، وكذلك تم بإغراء المال والضغط الاستيلاء على عدة مناطق منها المسكوبية، وشنللر، ودير الصليب الأرثوذكسي، والمستشفى البلدي، كما تم الانتهاء من إنشاء السكة الحديدية التي تربط القدس ( البقعة) بيافا والتي انتهى العمل بها سنة 1892 .

لقد ربطت الحركة الصهيونية تحقيق حلمها الأول في إنشاء وطن قومي في فلسطين بثلاثة محاور أساسية هي: ربط الحركة الصهيونية بالدين ليكون جسراً يجمع شتات يهود العالم اجمع ودافعاً يوصلهم لفلسطين لإقامة دولتهم »وعاصمتها الأبدية« مدينة القدس، وكذلك العمل على تشجيع الهجرة اليهودية وتعزيز الاستيطان في فلسطين وتنظيم وجودهم للاستيلاء عليها وامتلاكها، وعلى وجه الخصوص مدينة القدس، أخيراً العمل على تشريد وترحيل أهل فلسطين بالترهيب والترغيب لإحلال اليهود المهجرين من الخارج بدلاً عنهم، لذا يتضح للمتتبع إن ما يجري في فلسطين والقدس منذ بداية نشأة الحركة الصهيونية وحتى الآن لا يتعدى تحقيق هذه الأهداف الثلاثة وإن تعددت وسائل تحقيقها، وتغيرت حسب الظروف والمتغيرات السياسية المحلية والمعطيات الإقليمية والدولية، والتي ارتبطت بمقدار أولويات المخططات الصهيونية ومدى الظلم والعدوان الصهيوني وقدرة وصمود ومقاومة الشعب الفلسطيني والدعم العربي.

من هنا كان تركيز الصهيونية على توسيع مدينة القدس، وتعديل حدودها ومساحتها وطمس وتغيير معالمها، والقيام بعمليات البناء أو هدم وإزالة بعض المساكن والأحياء فيها لتتناسب مع ضم تجمعات سكانية إسرائيلية فيها، وعزل وإجلاء وتضييق سبل العيش، على أهلها العرب، وكذلك ربط مناحي الحياة الاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية وغيرها من الخدمات المتعلقة بها بالقدس الغربية وإخضاعها للسيادة والإجراءات القانونية والإدارية الإسرائيلية وإحاطتها بمستوطنات وبسور وجدار أو أكثر لحمايتها، ووضع الحواجز والعوائق الأمنية حولها.

لقد وجدت الحركة الصهيونية في دخول القوات البريطانية لفلسطين عام 1917 ووعد بريطانيا لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ( وعد بلفور) فرصة لتحقيق أحلامها وأطماعها، بعد أن تم قبل الانتداب البريطاني إنجاز مرحلة واسعة من المخطط الصهيوني للاستيلاء على بعض المناطق الفلسطينية ومحاصرة القدس وتحقيق أكثرية سكانية فيها، فقد عهدت سلطة الانتداب البريطاني منذ دخولها مدينة القدس بإدارة البلاد إلى مندوب سامي هو هربرت صمويل يهودي الأصل الذي مهد الطريق أمام الاستيطان الإسرائيلي فقام بسن القوانين والأنظمة، ومنح التسهيلات المتعددة لليهود لتمكين الوكالات والمؤسسات وصناديق الأموال اليهودية التي نشطت لشراء والاستيلاء على مبانٍ في المدينة وبعض الأراضي التي تحيط بها. وبالرغم من أن الحاكم البريطاني أصدر عام 1918 منشوراً منع فيه إجراء أي تغيير أو هدم أو إصلاح لأي بناء في مدينة القدس ضمن دائرة قطرها 2500 متر من مركز باب العمود وسط المدينة، إلا أن حكومة الانتداب البريطاني قامت بإصدار عدة مخططات هيكلية عمرانية جديدة للمدينة ضمت لها المناطق المحيطة بالبلدة القديمة خصوصاً الجهة الغربية منها بهدف استيعاب اليهود الجدد ضمن حدود البلدية وإيجاد أكثرية يهودية على حساب التواجد العربي حتى بلغت المساحة الجديدة للقدس القديمة والجديدة سنة 1947ما مساحته 19331 دونماً.

ومع اشتداد المناوشات بين العرب واليهود أصدرت الهيئة العامة للأمم المتحدة سنة 1947 قراراً بتقسيم فلسطين إلى دولتين بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتدويل مدينة القدس التي حددت الأمم المتحدة حدودها: من الشرق أبو ديس، ومن الجنوب بيت لحم، ومن الشمال شعفاط، ومن الغرب عين كارم ، إلا أن العصابات الصهيونية قامت باحتلال الجزء الغربي من المدينة خلافاً لقرارات الشرعية والأمم المتحدة. وبذا قسمت القدس لأول مرة في تاريخها الطويل إلى شطرين جزء غربي احتلته القوات الإسرائيلية تبلغ مساحته 13331 دونماً تم ضمه رسمياً من قبل الحكومة الإسرائيلية لأراضي دولة إسرائيل سنة 1950م، وجرى توسيع حدوده حتى بلغ عام 1967 حوالي 38000 دونم . وجزء شرقي بما فيه البلدة القديمة احتفظ به وبقي في يد الجيش الأردني الذي لا تتعدى مساحته 6000 دونم، وفي اتفاق وقف إطلاق النار ( اتفاقية الهدنة ) بين الأردن وإسرائيل في جزيرة رودس عام 1949، تم تكريس اقتسام القدس بين الطرفين الأردني والإسرائيلي انسجاماً مع موقف كلا الطرفين من عدم تدويلها.

ونتيجة لعدم التزام وانصياع إسرائيل بقرارات الأمم المتحدة في شأن تدويل القدس لم تعترف دول العالم باحتلال إسرائيل لغربَي المدينة، واعتبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن كافة التغييرات والإجراءات التي قامت بها إسرائيل في منطقة القدس غير شرعية وضد القانون الدولي، ولم تعترف غالبية دول العالم بأنها عاصمة لإسرائيل.

وعلى إثر اجتماع مؤتمر أريحا سنة 1948 ودعوة الفلسطينيين بضم وتوحيد القسم العربي المتبقي من فلسطين مع شرقي الأردن، تقدمت الحكومة الأردنية بطلب توحيد ضفتي نهر الأردن لمجلس الأمة الأردني الذي أقر سنة 1950 وأيد الوحدة التامة بين ضفتي نهر الأردن الشرقية والغربية التي شملت على الجزء المتبقي من منطقة القدس في دولة واحدة هي المملكة الأردنية الهاشمية وعلى رأسها الملك عبد الله بن الحسين، وعليه خضعت القدس الشرقية ( البلدة القديمة) تحت سيادة الحكم الأردني زهاء تسعة عشر عاماً حافظ الأردن فيها على المدينة كما هي دون أي تغيير.

وفي العام 1967 وبعد احتلال الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية قامت إسرائيل بضم القدس الشرقية (6000 دونم ) مضيفة إليها مناطق أخرى من الضفة الغربية بلغت (66000 دونم ) حيث بلغ مجموع ما تم ضمه 72000 دونم إلى القدس الغربية التي تم الاستيلاء عليها عام 1948 والتي وصلت مساحتها عام 1967 إلى (38000 دونم) أي أن المساحة التقريبية لمدينة القدس بعد الضم عام 1967 وصلت لحوالي 110 آلاف دونم. إن هذا التوسيع في حدود بلدية القدس الكبرى قد روعي فيه اعتبارات إسرائيلية عديدة منها: إعادة تجديد الوعي الجمعي الإسرائيلي للقدس، وربط ودمج القدس بالمدن والبلدات الإسرائيلية، وإلغاء أي حواجز أو عوائق تمنع التواصل، وعزل القدس عن باقي مناطق الضفة الغربية، وتغيير الحقائق التاريخية والتراثية والحضارية للمدينة وكذلك الاستيلاء على رؤوس الجبال وإيجاد مناطق حدودية طبيعية، وتقليص عدد السكان العرب مقابل زيادة عدد السكان اليهود في أكثر وأوسع مساحة تستقطع من أراضي الضفة الغربية لتضاف إلى مساحة القدس، وإقامة حزام استيطاني يحيط بالقدس بشكل كامل يشكل في المفهوم الإسرائيلي درعاً أمنياً وخط دفاع أول عن القدس.

إلا أن هذا التوسع لم يكن ولن يكون الأخير فلقد تعددت وتبدلت مساحات القدس منذ عام 1967 وحتى الآن، وترجع كثرة وتعدد المساحات، وتعديلات الحدود، والمخططات الهيكلية الإسرائيلية لمدينة القدس إلى محاولة المحافظة على إبقائها »العاصمة الموحدة والأبدية« لإسرائيل، وإلى تضارب الأطماع الحكومة الإسرائيلية، فهي تسعى إلى إيجاد أكبر مساحة من الأرض للمدينة » على حســاب الضفــة الغــربية« بأقل عدد من الفلسطينيين، مع عدم الإخلال بالنسبة التي تريدها للتواجد العربي في المدينة من ( 20% – 12% ) مقارنة بالتواجد اليهودي فيها، العمل على استمرار مواكبة مقتضيات الأمر الواقع الذي تفرضه إسرائيل على أرض الواقع، خصوصاً وأن ثقل الوجود الفلسطيني أصبح في محيط المدينة وما حولها وليس في داخلها كذلك، ومن جانب آخر فإن هذا التشويش الهيكلي والتضليل العمراني ما هما إلا وسيلتين يستخدمهما الجانب الإسرائيلي لتمييع الموضوعات وعدم وضوحها، والدخول في الجزئيات وتفاصيل الأمور بعيداً عن الوقوف على مشكلة القدس وإيجاد تسوية حقيقية لها.

وأخيراً ما بعد! هل نستسلم لإجراءات العزل والاحتواء والتهجير والاستيطان والأسر له والتهويد التي تمارس ضد المدينة المقدسة؟ هل نستكين للتنكر والتجاهل الدولي للحقوق العربية والإسلامية التي تمارس دون أي رادع؟ هل نقف مكتوفي الأيدي أمام استمرار هذا الاحتلال والظلم والقهر والحصار؟ ألم يحن الوقت أن نقف في وجه هذه الممارسات؟ وأن نحدد أهدافنا ونرسم خطانا ونجهز أدواتنا النضالية والتفاوضية للمحافظة على ما تبقى من القدس وحمايتها من المصير الذي تريده لها المخططات الاسرائيية.