لم يكن لليهود في مدينة القدس تواجد سكاني يذكر منذ قام الامبراطور الروماني تيتوس بتشتيت بقاياهم العام 70 م وحتي العهد العثماني، حيث لم يسجل في تاريخ القدس خلال الفترة المذكورة سوى عائلتين يهوديتين العام 1267م، ومع دخول فلسطين في العهد العثماني بدأ السكان اليهود بالتزايد بفعل التسامح الديني الذي انتهجته الإدارة العثمانية في البداية وتحت تأثير الضغوط الاقتصادية والمادية التي تعرضت لها من الدول الأوروبية خلال عقودها الأخيرة، فقد بلغ عدد اليهود في القدس العام 1525، أي بعد أقل من عشر سنوات من الإدارة العثمانية ستة آلاف يهودي، وأخذ التواجد اليهودي في المدينة بالتذبذب خلال السنوات التالية، إلى أن عقد أول مؤتمر صهيوني في بازل في سويسرا العام 1897م إذ احتل موضوع الاستيطان في القدس وزيادة مجموع اليهود مكانة مهمة في البيان الختامي للمؤتمر المذكور، ومنذ ذلك الحين عملت المنظمات الصهيونية المنبثقة عن المؤتمر كل ما بوسعها لخلق واقع جديد في القدس في سياق عملها لإقامة الدولة المنشودة بفلسطين، وقد ارتفع مجموع اليهود في مدينة القدس تبعاً للنشاط الصهيوني في جذب مزيد من يهود العالم، ارتفع ليصل إلى 28122 مستوطناً أي نحو 61.9 في المئة من إجمالي مجموع سكان المدينة والبالغ 45430 نسمة العام 1897، وكان لوعد بلفور العام 1917 فتح بريطانيا لأبواب الهجرة على مصراعيها بالغ الأثر في التسريع في زيادة مجموع اليهود في فلسطين والقدس، إذ وصل مجموعهم في القدس العام 1931 حوالي 51.2 ألف يهودي أي نحو 56.6 في المئة من إجمالي مجموع سكان المدينة، ووصل مجموع اليهود في القدس في نهاية العام 1947 حوالي 99400 يهودي أي نحو 60.4 في المئة من إجمالي سكان المدينة والبالغ في نهاية العام المذكور 164500نسمة.

انقسام القدس :

وفي 15 آيار 1948 حين إنشئت الدولة العبرية، كانت مساحة القدس 21.1 كيلومتر مربع، منها 20 كيلومتراً مربعاً هي مساحة القدس الجديدة، وانقسمت القدس بعد هذا التاريخ واتفاقية الهدنة في العام 1949 إلى المناطق التالية:

أولاً: المنطقة العربية وتشمل 2.4 كيلومتر مربع أي 11.48 في المئة من مساحة القدس.

ثانياً: المنطقة التي احتلها الإسرائىليون 17.7 كيلومتر مربع أي 84.03 في المئة من مساحة القدس.

ثالثاً: منطقة الأمم المحدة كيلومتر مربع واحد أي 4.39 في المئة.

لم تكتف السلطات الإسرائيلية باتخاذ القدس الجديدة عاصمة لها بعد العام 1948، بل أعلنت ضم القدس الشرقية إلى القدس الجديدة بعيد احتلالها للضفة وقطاع غزة العام 1967، وقد أعلن الضم الإسرائيلي للقدس بتاريخ 30 / 7/ 1980 ومنذ العام المذكور بدأت مخططات الاستيطان بشأن تهويد القسم الشرقي، واستطاعت السلطات الإسرائيلية عبر إجراءاتها التعسفية طرد جزء كبير من العرب، وامتلاك عقارات عديدة، كما استطاعت حتى أوائل 1997 إقامة عشرة أحياء استيطانية يهودية تلف المدينة وتحيطها من كل اتجاه، وتحول من دون تواصلها الديموغرافي مع باقي مدن الضفة الفلسطينية، وقد استطاعت السلطات الإسرائيلية جذب نحو 170 ألف مستوطن يهودي إلى تلك الأحياء حتى التاريخ المذكور، وفي المقابل وبالرغم من السياسات السكانية الإسرائيلية تجاه العرب في المدينة لا يزال هناك نحو 190 ألف عربي في بداية العام 1997 يشكلون إحدى ركائز المواجهة مع المشروع الاستيطاني، هذا فضلاً عن وجود خمسين مؤسسة فلسطينية أهمها بيت الشرق الذي زاره أكثر من مسؤول أوروبي.

وبشكل عام بات يوجد في «القدس الموحدة» التي تحاول إسرائىل الإبقاء عليها كعاصمة أبدية للدولة العبرية، أكثر من 700 ألف نسمة بينهم أكثر من 73 في المئة من اليهود وهناك مخططات استيطانية إسرائيلية لبناء 153 ألف وحدة سكنية حتى العام 2010 بحيث يصل مجموع سكان المدينة في العام المذكور 817 ألف نسمة أكثريتهم من اليهود، على أن تبدأ المرحلة الأولى من المخططات الإسرائيلية من الآن وحتى العام 2000.

استباق الحل النهائي:

وتعتبر عملية البدء في بناء مستوطنة يهودية في جبل أبو غنيم في القدس بداية تغير الخريطة العربية والإسلامية للمدينة، إذ يستهدف توسع المدينة شرقاً وشمالاً وجنوباً وتضم مزيداً من أراضي الضفة الفلسطينية وضمها للقدس الكبرى حتي تصل مساحتها إلى أكثر من ربع مساحة الضفة الفلسطينية البالغة 5800 كيلومتر مربع، وذلك قبل البدء في مفاوضات الحل النهائي التي تشمل قضايا أساسية «القدس، اللاجئون، المستوطنات، الحدود، السيادة، المياه».

ويمكن استيضاح أهمية القدس في المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية منذ العام 1948 مروراً بالعام 1967، وحتى الآن منتصف 1998 من خلال مجموع سكانها اليهود الآخذ بالنمو لتحقيق أهداف سياسية وديموغرافية في الوقت نفسه، فمن جهة بات مجموع المستوطنين اليهود في مدينة القدس الشرقية يشكلون نحو 53.3 في المئة من إجمالي مجموع المستوطنين في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، إذ يصل مجموعهم 145 ألف مستوطن في الضفة 170 ألفاً في القدس 4 آلاف في قطاع غزة.

صراع ديموغرافي:

وفي الاتجاه الآخر، بات مجموع السكان اليهود في القدس الكبرى يشكلون نحو 11.1 في المئة من إجمالي مجموع اليهود في الدولة العبرية والأراضي العربية المحتلة، والبالغ في بداية العام 1998 حوالي 4.8 مليون يهودي.

والصراع الديموغرافي في القدس، والذي أخذ طابع التخطيط الرسمي الصهيوني منذ انعقاد مؤتمر بال في سويسرا العام 1897 هو جزء من صراع ديموغرافي بين العرب واليهود في فلسطين، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن للقدس مكانة مهمة في مخططات التهويد والاستيطان الصهيوني والإسرائىلي لفرض التفوق الديموغرافي لليهود على العرب.

ويمكن التأكيد بأن جذب اليهود إلى القدس وغيرها من المدن الفلسطينية إضافة إلى مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات والسيطرة على عقارات فلسطينية بكافة السبل المادية والمعنوية يعتبر إحدى ركائز المشروع الصهيوني في فلسطين الذي لم تكتمل فصوله حتى العام الحالي 1997.

تهويد المعالم العربية:

وهذا الزحف الاستيطاني في المدينة المقدسة لجهة تهويد معالمها العربية والإسلامية والمسيحية والذي يمول مباشرة من الحكومة الإسرائيلية ومن الأثرياء اليهود في العالم، بات يتطلب جهوداً عربية وإسلامية ودولية حيثة لوقفه حتى لا تفرض وقائع جديدة على الأراضي يصعب الانفكاك عنها، ويجب إقامة صندوق عربي إسلامي لتمويل صمود أهالي المدينة من العرب في منازلهم وأراضيهم في القدس الشرقية، فضلاً عن حثهم بعدم بيع عقاراته ليهود أو وسطاء لهم في المدينة المقدسة.

وعلى الرغم من النجاحات التي حققها المشروع الصهيوني في مدينة القدس خلال مئة عام من الصراع 1897، 1997 فإن هناك ثمة أسباب قوة للطرف الفلسطيني ومن خلفه العرب والمسلمين في الصراع في القدس وحولها، في مقدمة ذلك، قرارات الشرعية الدولية التي مازالت تعتبر القدس جزءاً من الأراضي المحتلة في مقدمتها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 للعام 1980، ناهيك عن وجود مادي عربي في المدينة يتمثل بوجود نحو 190 ألف عربي، كما يستند الفلسطينيون إلى وجود مؤسسات فلسطينية يصل عددها إلى خمسين مؤسسة.

عن المركز الفلسطيني الإعلام.