عرفت محاكمة السيد عمر محب يوم 17 أبريل 2007 أمام أنظار محكمة الاستئناف بفاس، لحظات مؤثرة، حيث حج لمؤازرته عدد كبير من المحامين من مختلف هيآت المغرب قاطبة، حضور كان ملفتا وحجة قوية على قناعة هؤلاء ببراءة مؤازرهم من المنسوب إليه، كما كانت مظاهر التضامن والاحتجاج تملأ المكان أمام ساحة المحكمة، تضامن من حبي عمر وإخوة دربه، نساء ورجالا، شبابا وأطفالا. احتجاج على سلوك المخزن الأرعن، الذي ما فتئ يتحين الفرص للإيقاع بمعارضيه، ممن رغبوا عن موائده وزهدوا في عطاياه، ونبذوا لعبة نفاقه، ورفضوا منطق كواليسه. رفضوا أن يطفؤوا جذوة الأمل الباقية للشعب، المبشرة بغد الانعتاق، غد الحرية والعدل والكرامة..

وفي المقابل، عسكرة واستنفار داخل صفوف المخزن، حيث جلب بجيله ورجله، عسى أن يرد الحاضرين عن قصدهم وغايتهم، أو يقذف في قلوبهم الرعب، فيتخلوا عن حِبهم ومُحبهم، وأنى له ذلك، فرجال الجماعة ونساؤها، جسم واحد متى اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، تضامن في الشارع حيث المواقف، وتضامن بالدعاء، حيث تتوجه القلوب إلى عدالة السماء، عدالة لا تخطئ قصدها ولا يظلم عندها أحد، تبشر المظلوم بنصره ولو بعد حين، إنها عدالة رب العالمين سبحانه، قاصم الجبارين وناصر المستضعفين، كيف لا يتحقق هذا القصد ومن الناس رجال لو أقسموا على الله لأبرهم، ولكن يملي سبحانه وتعالى للظالمين ليزدادوا إثما، وقد صدق الشاعر حين قال:

تنام عيناك والمظلوم منتبه***** يدعو عليك وعين الله لم تنم

أي جريمة أعظم وأكبر عند الله من قذف للمحصنين، أو اتهام للأبرياء، أو ترويع للآمنين، أو تشريد للنساء والأطفال والشيوخ، أو تشميع للبيوت، أو منع لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه، سعيا في خرابها، قال الله عز وجل: ” ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين..”

إن هذه التهم المعلبة، والمكائد الجاهزة، التي خرج بها المخزن القديم الجديد، على أبناء الجماعة، تنم على عقلية محنطة، سادرة في غيها، لا تقرأ التاريخ ولا تتعظ بما آل إليه مصير أعتى رجاله، وأقواهم مكرا، وأخبثهم طريقة وذكرا. فما أن يذكروا إلا وينكرهم الصديق قبل غيره، ويتبرأ منهم الجميع مخافة أن تطارده اللعنة التي حلت بهم، إنها عدالة رب العالمين، حيث الذنب لا يبلى، والدين لا ينسى، والديان لا يموت، افعل ما شئت كما تدين تدان.

المحاكمة العادلة في مهب الريح

بعد أن انتهى الدفاع من مرافعاته، في جلسة 17 أبريل 2007، ملتمسا الإفراج المؤقت على السيد عمر محب، وأن تتابع محاكمته في حالة سراح، بعدما بسط بين يدي المحكمة كافة الضمانات القانونية والمادية، التي سطرها المشرع نفسه، والتي في الغالب ما يستجاب لها، خصوصا وأن هذه قضية، تحوم حولها شبهات ومساحات فارغة تؤكد مظلومية السيد محب.

إلا أن المحكمة رفضت الاستجابة لهذا المطلب، واستبعدته، لتحدد يوم 29 ماي 2007 تاريخا لجلسة ثانية، ووثقت تلك الوقائع في محضر رسمي بالجلسة، إلا أن الدفاع وهو ينسق أعماله، ويستعد للحضور لهذه الجلسة، المدرجة بتاريخ 29 ماي 2007، يتفاجأ بتهريب تاريخها إلى يوم آخر، غير ما سجل في محضر الجلسة الرسمي، وغير ما دونه المحامون في مذكراتهم، حيث تم تقديمها بيوم وحدد التاريخ في 28 ماي 2007 عوضا عن اليوم المتفق عليه، والذي حددته المحكمة نفسها، وهو أمر يدعو للاستغراب، الشيء الذي يدفعنا لبسط بعض الملاحظات، واستنتاج بعض الخلاصات بناء على هذه الواقعة، خصوصا ونحن نحرص في هذا الملف على توفر ضمانات المحاكمة العادلة بعيدا عن الخلفيات السياسية الخطيرة المتحكمة فيه منذ البداية، حيث جاء في إطار الحملة التي دشنها المخزن على جماعة العدل والإحسان وأبنائها..:

– هذا الفعل دليل قوي على عدم احترام شروط وأصول المحاكمة العادلة، حيث حرم السيد عمر محب من حضور دفاعه لمؤازرته، خصوصا وأن القضية ليست بالهينة، والمتابعة تحوم حولها كثير من علامات الاستفهام..

– عدم إخبار دفاع السيد عمر محب بتغيير تاريخ الجلسة الثانية، ولهذا الأمر تأثير بالغ، ومس خطير بحقوق الدفاع.

– استبعاد المحاضر الرسمية الموثقة لما جرى بالجلسة الأولى، حيث حدد تاريخ الجلسة الثانية ليوم 29 ماي 2007، وهذه سابقة تعبر على أن التعامل مع هذا الملف استثنائي، الشيء الذي يجعل الدفاع ومعه السيد محب بصفته متهما يشك في إرادة توفير محاكمة عادلة.

– التعامل الاستثنائي مع الملف، من رفض لطلبات الإفراج المؤقت، رغم فراغ الملف مما يعضضه من وسائل الإثبات، وعدم وجود ما يمكن أن يعتمد قرائن للإدانة، إلا شهادة يتيمة متناقضة للحديوي الخمار موظف وزارة الداخلية بتاونات..؟ عبر فيها عن ارتباك و تناقض وسوء نية، بل هي قرائن قوية تدين صاحبها بتورطه في شهادة الزور المجرمة قانونا، الشيء الذي يصب في خانة التعاطي الاستثنائي مع الملف.

– العسكرة والإنزالات الأمنية التي تواكب المحاكمة، والأجواء المشحونة التي يحاول المخزن أن يفرضها، هي مس خطير بالحق في المحاكمة العادلة، بل وحرمان للرأي العام من متابعة أطوارها، وهذا انتهاك صارخ للحق في محاكمة عادلة وعلنية، يحضرها المهتمون والحقوقيون ورجال الإعلام، ليباشر الجميع رقابته على مجرياتها، الشيء الذي يطرح بقوة سؤال استقلالية القضاء، بل ويجعل الأجهزة الأمنية سلطة رئاسية فوق القضاء، بل ومتجرئة عليه، وتمارس صلاحيات هي من صميم اختصاصاته.

– أو إن عدم إمكانية جاهزية الأجهزة الأمنية وحرصها الشديد على استعراض قوتها في كل محاكمة- نظرا لتفرغها لمهام أخرى ذات أولوية- جعلها تقرر تغيير تاريخ الجلسة، حتى لا تفوت على نفسها هذه المهمة الجليلة…!!

كل هذا يجعلنا نخلص للمغزى من وراء هذا الفعل، وهو الحرص الشديد على استبعاد المتضامنين مع السيد عمر محب، من أبناء جماعة العدل والإحسان، أو المتعاطفين مع قضيته  خصوصا وأن هذا الموقف يمكن أن يشوش على صورة المغرب أمام ضيوفه، ويضرب مقولة واحة الديمقراطية وحقوق الإنسان عرض الحائط أو ينغص على البعض أجواء الاحتفالية والرفاه – اللذين أبانوا على روح عالية للتضامن، والرشد في المواقف، حيث كانت رسائلهم مدوية ومؤرقة لمن يهمه الأمر، بأن المحاكمات لا ترهب، وقد كانت قيادة الجماعة ومرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين أول من أدى الثمن، فما زادتهم الابتلاءات إلا رسوخا في الموقف، ويقينا مطلقا بأنها طريق الأنبياء والأصفياء، حيث الموكب النوراني ممتد في الزمان إلى يوم القيامة، وكفى به اصطفاء وانتقاء، ولكن كثيرا من الناس لا يعلمون.

وكان الدفاع في هذه القضية مستهدفا، وأي عمل أخطر من أن يحرم رجل بريء من مؤازرة دفاعه، خصوصا بعدما أبان على جدية ومهنية وكفاءة عالية، وصدق طالما افتقدته ساحات المحاكم المغربية.

كل هذا وغيره، يجعل المسؤولية على عاتق كل المعنيين بموضوع حقوق الإنسان وكرامته، ليقولوا كلمتهم، فلا مكان للحياد، ومذبحة حقوق الإنسان جارية، بطول البلاد وعرضها، فالأمر يدعو لمواقف رجولية و تضامن إنساني، بعيدا عن المواقف المسبقة، أو الاصطفافات السياسية المنحازة، أو الخصومة الأيديولوجية، فالكل معني، فإن كان اليوم مستثنى، فالغد مستهدف، فهذه عادة مخزنية راسخة وصناعة فريدة مسجلة له.

إن شعارات حقوق الإنسان، والسعي الحثيث للانضمام للمنظمات والهيئات الدولية المعنية بموضوعه، بل والعمل على ملاءمة قوانينه وترسانته التشريعية، وتفريغ الأقلام والنخب والإعلام، لهذه المهمة، مهمة التبشير بالعهد الجديد، عهد المصالحة وطي صفحة الماضي، حيث الحداثة والديمقراطية، لتدعو للإشفاق على قوم ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا بوق دعاية ، لا ينظرون إلى الواقع الكئيب، إلا بعدما يضعوا نظرات وردية، تظهره لهم بأبعاد ثلاثية أو رباعية أو خماسية. لست أدري..

وأكاد أجزم بأننا سوف نكون مضطرين لهيئة أخرى للحقيقة والمصالحة، ولا أقول الإنصاف، لأن في الأمر تحايل على الحقيقة واستبعاد لها، وعدم تحميل المسؤولية لأصحاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وبل ومكافأتهم، وتمكينهم من المناصب التي تخولهم الحصانة والقرار، والإمعان في إذلال الأحرار والشرفاء من خيرة أبناء هذا البلد ..

هذه السياسيات كانت وما تزال، لها تأثير على الواقع الذي آلت إليه البلاد، فالمنطق الكيسح للثعالب العجوزة، والعقلية المحنطة للدراري، والاستبداد، والتدبير غير الرشيد، وسيادة منطق الكاوبوى المستورد، والاستقواء على المستضعفين، كلها أدت إلى نتائج عصفت بالسياسة والاقتصاد، وأحالت الثقافة هيبهوبية، وجعلت المغرب تسير بأخباره الركبان، حيث أضحت التقارير الدولية تغني، وتدفع تهمة التشاؤم والرغبة في تهريب وتخريب البلد، فالخريطة السياسية أصبحت مبلقنة، والأحزاب السياسية أضحت دكاكين انتخابية، والديمقراطية عندهم لا تصلح إلا للديمقراطيين الحداثيين، ومقدرات الأمة غُنم لأعدائها، وبيعت خيراتها بأبخس الأثمان، و استبيحت الأعراض حتى أصبح المغرب وجهة للشواذ والسياحة الجنسية، فساد ورشوة واختلاسات بأرقام فلكية، ومحاكمات بالجملة للأحرار والشرفاء، وصدق من قال الاستبداد أصل لكل بلاء، ولعل الحكمة الخلدونية تصلح خاتمة لهذه المعادلة، الفساد إيدان بالخراب ونهاية العمران..

همسات في أذن من يهمه الأمر

أقول لعدالتنا الأيام دول، ومن سره زمن ساءته أزمان، وأطلب منها وهي تنظر في قضايا الشرفاء، أن تستحضر مواقف القضاء والقضاة في مصر، لما رفضوا أن يعطوا الشرعية لمن لا يملكها، وأبوا أن يكونوا شهود زور، فحيتهم الأمة لجميل صنيعهم، وسجل التاريخ مواقفهم بمداد الفخار، وصدق الإمام الشافعي رضي الله عنه حين قال :

وما من كاتب إلا سيفنــــى ***** ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بخطك غير شـــيء ***** يسرك في القيامة أن تـراه

أقول للمخزن، اقرأ التاريخ، ألم تسمع بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حي يأتي أمر الله أو تقوم الساعة”، فهذه الجماعة من تلك الكوكبة النورانية الصابرة المحتسبة، الصادقة مع أمتها، والمقتحمة في سبيل عزتها العقبات المظلمة، حتى ترسو بسفينتها بر الأمان، حيث تعرفها بحقيقة وجودها وسعيها في الأرض، بعد أن تداوي جراحاتها وما علق بها من آلام..

وأقول له إن مكر الليل والنهار، لن يزيد هذه الجماعة بإذن ربها سبحانه، إلا رسوخا وثباتا، قوة وانتشارا، فلقد من الله سبحانه وتعالى عليها، فجعلها قبلة تحج إليها الهمم والعزائم، وتهفو لها القلوب والأفئدة، وتسعى نحوها الإرادات المتوقدة، الطالبة لعبق الإحسان، والمقتفية لمدارج السالكين، والقاصدة لعدل مقسط يعيد موازين الحق لنصابها، همة عمادها رجال ونساء، لبوا داعي الله، صدقوا في نياتهم، وقصدوا في وجهتهم نصرة قضية المستضعفين، وحمل أمانة الدود على حمى دين الله سبحانه تعالى.

وأقول لأخي عمر محب و زوجه الكريمة، وأهله، وأحبته، ومن لحقت به مكائد الكائدين في هذه الحملة المخزنية اليائسة البائسة، صبرا آل ياسر فإن موعدكم الصبح، وكفى به شرفا، رضى المصحوب، ودعاء المومنين، وكفى به اجتباء الدخول في ثلة المبتلين، وكوكبة المنتخبين، سلسلة نورانية ممتدة إلى يوم القيامة.. ولينصرن الله من ينصره.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.