اعتدنا عند كل مرحلة نكون فيها على أبواب خوض “معارك انتخابية” أن تطلق الأعنة للنقاشات الواسعة، حول طبيعة هذه الانتخابات، أولوياتها والرهانات الوطنية والدولية الكبرى التي نستقبلها في قابل الأيام، قد يخيل للبعض أن هذه النقاشات تتضارب في طرق مشاركتها وتناولها لهذا الموضوع، لكنها في حقيقتها تتكامل وتتناسق لترسم للبعض أنه أمام مؤسسة ديمقراطية متزنة، حيث تتفتق ألباب البعض عن عناوين كبيرة وعريضة، إشارة على أن المغرب اليوم على موعد مع استحقاقات كبرى، تتطلب توحيد الصف ولم الشعت، والوقوف على شفا واحد للعمل الجاد، ولاستكمال البناء الديمقراطي لشتى هياكل الدولة، والرقي بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية. في حين يذهب البعض إلى التذكير بالشعارات الرنانة التي اعتاد النظام أن يشدو على أوتارها من قبيل: الإنصاف والمصالحة، والانتقال الديمقراطي، والحق والقانون، في محاولة منه لتلميع الصورة.

ويضطر البعض إلى الإشارة لبعض الخروقات اللامسؤولة والممارسات اللاقانونية، لبعض المكونات الحكومية والبرلمانية، محاولا استكمال مشهد ديمقراطي شكلي، من خلال صنع معارضة ضد الحكومة في نسق مسرحي مفضوح.

كل هذه ليست إلا ضربا من الشعارات الزائفة لاستمالة ثقة الشعب في هذه المنظومة الانتخابية، وهذا النظام المصطلح عليه ” بالتناوب التوافقي”، بعد أن مر عليه عقد كامل من الزمن، والذي يصور لنا على شكل قواعد مبدؤها ومنتهاها التنافس المشروع والشفاف، وإعطاء الفرص لأغلب الأحزاب لإبداء حسن نيتها وتصرفها، لكنه يغطي حقيقة مرة وهي اقتسام المغانم التي تذرها عليهم هذه الصفقة المربحة، وكذا اقتسام الملامة والمساءلة التاريخية عن الأضرار التي تلحق بالشعب المغلوب على أمره، الذي يستفيق عند نهاية كل موسم انتخابي من التخدير الذي تبثه فيه الدعاية الانتخابية، وبرامج الوعود الهلامية التي تقدمها الأحزاب في كساء يصور للمشاهد أنه على موعد مع الفردوس..! (ولا عجب فالمغرب اليوم أصبح آلة نموذجية في صناعة الآمال الكاذبة) على الواقع المر، وهو أن دار لقمان لا زالت على حالها، وبأنه كان ضحية لمؤامرة دبرت بليل، أبطالها وجوه قديمة وأخرى جديدة.

الحق المحمول:

وردت حكمة بليغة في تاريخ الصراع الأزلي بين الحق والباطل مفادها: ” أنهما كانا يجريان في سكة واحدة، يتسارعان ويتسابقان نحو نقطة الوصول، أصابهما التعب من شدة الجري، فقال الباطل للحق انحن حتى أركب عليك، انزعج الحق وانتفض وقال: كيف يركبني الباطل وأنا الحق، وافقه الجمهور وصفق لانتفاضته، ثم انحنى الباطل ليمتطيه الحق، ومن تم والحق هو الراكب لكن الباطل هو الذي يمشي ويوجه ويتوجه، وبقي الحق محمولا لا حول له ولا قوة “.

لا أريد أن أكون سوداويا، ولا أن أضع القارئ الكريم في إطار مظلم، يخبو معه أي بصيص للأمل من داخله، فوسط هذا الزخم من السياسيين الوصوليين، هناك فضلاء، منهم من اختار الابتعاد عن هذه “اللعبة”، ومنهم من انغمس في وحلها، ظنا منه أن المشاركة الانتخابية والتمثيلية البرلمانية ستفتح لهم أبواب ليسمع لهم صوت، لكن مجموعة من العوائق والحجب تحول دون ذلك، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

– بقاء الدستور على هيأته الحالية، الذي يظهر وبجلاء مقدار التقزيم الذي تعرفه اختصاصات البرلمان والحجم المتاح الذي يوصف بالضعف في أحسن أحواله: خضوعه التام للحكومة واستئثار الملك بجل المناصب الحساسة وغير الحساسة وجعل الدستور تابعا له وبالتالي تبعية جميع مؤسسات الدولة…

– ترقيعه بكل الأطياف السياسية يمينا ويسارا ووسطا إلى غير ذلك من التوجهات التي يصعب تصنيفهاوعدم توحدها على أرضية واحدة يجعل العائق الأكبر من داخل هذه المؤسسة.

– هذه العملية الانتخابية في حد ذاتها، التي تعرف فسادا حقيقيا في جميع مستوياتها، وتلاعبا ملحوظا في طرق تسييرها وحتى في أرقامها.

واللائحة طويلة. مما يفقد هذه المؤسسات مصداقيتها، أما هذه الوعود المغلظة بنزاهة الانتخابات المقبلة، فما هي إلا تنويم سياسي رفضه جسم الشعب، من خلال امتناعه عن التسجيل في اللوائح الانتخابية.

فأي صوت سيسمع لبرلمانيينا وكل هذه الحجب مضروبة عليه، لكن إصرارها على المشاركة الانتخابية في ظل المعطيات السالفة الذكر، يفتح الباب على مصراعيه للشك في مصداقية ونزاهة هذه الأحزاب، وفي رغبتها الحقيقية في تمثيل الشعب وخدمة مصالحه.

وفي الختام أقول: بأن الانتخابات في غياب رؤية واضحة، وثقة متبادلة بين هذه المنظومة الحزبية وبين الشعب بمختلف شرائحه، وغياب رؤية للمستقبل تنطلق من الواقع الملموس المتردي، تبقى مجرد لعبة لا يتقنها الجميع، وليس هناك مصلحة عامة في تعلمها، إنما يتقنها من كانت له نية مبيتة لإرضاء مصالحه الخاصة أو الحزبية الضيقة، والرابح فيها من اكتسب لغة التدجين وصناعة الآمال، ومن انسجم مع الوظيفة التي خلق من أجلها، -أعوذ بالله أسس من أجلها لأن الخلق من صفة الله سبحانه- وهي كونه بوقا من أبواق النظام.

أما هذه الدعايات الكاذبة والمحاولات الترقيعية الفاشلة:

– إنشاء جمعيات للترويج للانتخابات أبرزها “جمعية 2007 دابا” والتي أغدق عليها أموالا طائلة، وأصبحت مثل سمسار يروج لبضاعة فاسدة.

– إنشاء موقع إلكتروني للتعريف بالانتخابات وتيسير المشاركة فيها.

– طبع مئات الآلاف من الكتيبات التي تعطي دراسة مفصلة عن الأحزاب،  وفي جملتها أحزاب قديمة جدا ولكنها بقيت غريبة عن جسم الشعب-.

ما هي إلا مساحيق ومراهم، تغطي شيخوخة هذا النظام وعجزه عن تقريب الهوة التي لا تزيد يوما بعد يوم إلا بعدا وسحقا بينه وبين الشعب. فلست أجد له وصفا خير من قول الشاعر:

وعجوز ترجى أن تكون فتية * * * * * وقد يبس الجنبان واحدودب الظهر

تدس إلى العطار سلعة أهلها * * * * * وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر.