لست هنا بصدد تسويد وجه بني ملال المتلألئ في سماء الطبيعة الخلابة التي تتزين أرضها للناظرين، وتتبرج في غير ربيعها وعلى مدار الحَوْل.. والضاربة جذورها في عمق التاريخ المغربي المجيد، والشاهدة معالمها على صفحات خالدة من تاريخ بلدنا الحبيب.. فضلا عما حبا الله هذه المدينة الخضراء من جبال ذات فجاج، وعين جارية صوتُها أشبه بالأمواج. وحقول وبساتين خصبة أسفرت عن وجه بهيج.. وسكان تعددت مجالات أفضالهم، وبصَمَتْ تاريخَ النضالِ والمقاومةِ آثارُهم.. وهلم جرا. لكن مدينتها القديمة- أسَفا- أضحى عمرانها يُطْوى، وخرابها يَدِب، قد قَضَّتِ الكهوفُ مضاجعَ أهلها، وأنهكت حيطانَها، التي أمست ما بين قائم وقاعد، وراكع وساجد.. سقوفُ بَعْضِ بيوتِها أرْضُ، وأرْضُ بعضها أنقاض، وباطنها أعماق.. والحال بدون سؤال يُغني عن المقال.

– المدينة القديمة لبني ملال في سطور:

تبلغ مساحة المدينة القديمة أو ما يعرف تاريخيا وحاليا “بالقصبة” 35.52 هكتارا. تتوزع عبرها كثافة سكانية كبيرة، وحركة تجارية متميزة ومتنوعة بتنوع محلاتها، وتشقها عدة شوارع عمومية تتوزع عبرها حركة سير نشيطة. وتستقطب يوميا – صباح مساء- الآلاف من المارة والباعة والمتجولين والغادين والرائحين والزائرين.. هذا الجانب الحيوي والحساس والمترامي الأطراف داخل مدينة بني ملال يئن فوق الكهوف، ويبكي حظه العاثر من سياسة اللامبالاة رغم فداحة الأمر وارتباطه المباشر بأرواح المواطنين المغلوبين على أمرهم. وللاقتراب أكثر من هذه المدينة القديمة ذات “الوضع الاستثنائي بتفرده وندرته وطنيا” نضع بين يديك  عزيزي القارئ- البطاقة التقنية التالية لهذه المدينة:

* المساحة الإجمالية 35.52 هكتارا. 26.06 منها تشكل المنطقة ذات الخطورة البالغة.

* عدد البنايات 2781 ذات طابق سفلي فقط.

* عدد المساكن: 3363.

* حالة البنايات: 1064 متلاشية. 140 مهددة بالانهيار. 68 منهارة.

* عدد البنايات المشيدة فوق كهوف:1675، أي ما يعادل: 23.60 % من مجموع بنايات المدينة القديمة.

* التطهير السائل: 392 بناية موصولة بشبكة بالتطهير السائل.

* الأنشطة التجارية: تشمل 33.63% من مجموع البنايات.

*البنايات السكنية تمثل 59.32 من مجموع البنايات.

* عدد الأسر 3993. عدد السكان: 7952 فردا. منها 951 أسرة تقطن في بنايات متلاشية.

و91 أسرة تقطن ببنايات مهددة بالانهيار. و92 أسرة تقطن ببنايات منهارة.

* الأنشطة المهنية للساكنة: 1218 رب أسرة. الإدارة:581. الفلاحة 44. الخدمات 65.آخرون: 356. عير مصرح به : 1056.

* توزيع الأسر حسب الدخل: الدخل المتوسط للأسر داخل المدينة القديمة هو 2766 شهريا.91.45% يحصلون على دخل يفوق 1000.00 درهم شهريا.

صفة استغلال البنايات: 63.11 يقطنون على وجه الكراء. و 29.65 من الأسر يقطنون على سبيل الملك.

* البنايات الفارغة: 445. أي ما يعادل:12% من مجموع البنايات المحصاة.) ملفات تادلة ع97 (.

– حصاد الوضع الكارثي للمدينة القديمة:

لن نستطيع في هذا المقال استقصاء التاريخ الكارثي لمعاناة السكان الملاليين مع هذه الكهوف، لكن تكفي هذه الإشارات التي تغني عن التفصيل:

– هشاشة البنية التحتية لهذه المدينة وتلاشي العديد من بيوتاتها.

– شقوق ورضوض تَعَايَشَ معها السكان حيثُ لا ملجأ ولا مفر ولا حل. وهي بادية للعيان من داخل البيوت وخارجها تصيب الناظرين بالرهبة والخوف بَلْهَ المتلفعين بلحافها.

– انهيارات بالجملة وبشكل متزايد، تجاوزت الثلاثين منزلا حسب بعض المصادر الصحفية. ) 1967 عرفت سقوط أول الكهوف بزنقة “الحطابة” حسب بعض سكان المدينة القديمة. (

– مراسلة مواطني المنطقة) ما يفوق 120 مسكنا ( من لدن الجهات الرسمية بالإخلاء الفوري لمحلات سكناهم درءا للخطر الذي يتهددها، وتنصلا من مسؤولية ما يمكن أن يلحق ساكنيها من ضرر.

– 27 يناير2006 انهيار منزل من طابق واحد. الحادث خلف وفاة صاحبة المنزل ) 57 سنة(، بالإضافة إلى ابنتها بالتبني ) 14 سنة(. مع سقوط ضحيتين في حال الخطر نقلتا إلى المستشفى الجهوي في حالة استعجال.

– عيش السكان حالة رعب جماعي وقلق دائم خوفا على حياتهم وعلى مصائرهم، ومصائر أبنائهم بالنظر لما يعيشونه من أوضاع اجتماعية مزرية وكالحة لا تسمح مطلقا بانتظار وقوع كارثة أخرى قد تعصف  لا قدر  بمزيد من الأرواح. مع ما تهدد به من خسائر جسيمة التي قد تفتح الأفق على تشريد المزيد.) نداء استغاثة من ساكنة المدينة القديمة بتصرف (.

– إخلاء العديد من المنازل أو قُلْْ إجلاء سكانها، وبصمها بعلامة حمراء ) x ( دلالة على الخطر، أو أن الموت قَدْ مَر من هنا.

– مبادرات المجتمع المدني :

يعتبر العمل الجمعوي واجهة أساسية في النهوض بهموم المواطنين، وركيزة محورية لتحسين الشروط الاجتماعية والتربوية والاقتصادية للمجتمع في إطار من الشراكة بين الفاعلين المجتمعيين. وهو بهذا يُعد “أسمى تنظيم حضاري توصل إليه الإنسان، ويتجلى سمو هذا العمل في تطوع أعضائه” ) مجلة التواصل ع: 4 (.

وفي هذا الإطار جاء تأسيس “جمعية المدينة القديمة” بوصفها إحدى مبادرات المجتمع المدني الهادفة بالأساس إلى الدفاع عن مطالب ساكنة هذه المدينة المشروعة وحقوقها في الحياة والكرامة والسكن، على قاعدة انطلاق حملة تحسيسية تعبوية واسعة في صفوفها. وفي هذا الصدد جعلت من مهامها الأساسية الدفع بفتح حوار جاد وشفاف ومسؤول يضع السلطات أمام مسؤولياتها لحل الإشكالات الأكثر استعجالا ) العوز والموت(، والملف الذي هم بصدد الذود عنه كليا على المدى المنظور. وذلك عبر طرح بدائل عملية عدا تخيير الساكنة بين الموت الجماعي أو النزوح الجماعي. هذا بالإضافة إلى دعوتها إلى اعتبار الوضع بالمدينة القديمة استثنائيا ومتفردا ونادرا في ربوع الوطن ) مدينة فوق الكهوف(. أضف إلى ذلك رد الاعتبار للمدينة القديمة بصون الذاكرة الجماعية والموروث التاريخي والثقافي الأصيل.

وكذا جعل ساكنة المدينة القديمة ينخرطون في تنمية أواصر التضامن الاجتماعي وتعزيز روابط التآزر بين الجمعية كإطار قانوني معبر عن مطالبها المشروعة من خلال تنظيم الجهر بالاحتجاج السلمي الحضاري ضد كل أشكال التهميش والإقصاء. كل ذلك من أجل صون حياة المواطن واستعادة كرامته.

ومن جهتها لم تأل الصحافة الجهوية بالمدينة جهدا على صفحات أعدادها بين الفينة والأخرى في التحسيس والتنبيه إلى الكارثة الكبرى التي تهدد المدينة القديمة من خلال مقالات مطولة وأخرى مقتضبة. وكذا استطلاعات ميدانية مع تتبع حثيث للوضع الذي ينذر بالشر لا قدر الله إن لم يجد طريقه إلى الحل، والذي يتطلب تدخلا عاجلا من طرف الدولة وعلى مستوى عال جدا. لكن:

قد ناديت لو أسمعت حيا** ولكن لا حياة لمن تنادي

ويبقى هذا المقال صيحة أخرى تُضَاف إلى تلك الصيحات الملتاعة.. فهل يسمع المسؤولون؟

– مبادرات الجهات الرسمية:

نص “المشروع الحضري” لمدينة بني ملال في طياته على مسألة رد الاعتبار للمدينة القديمة من خلال إعادة إسكان قاطني الدور المهددة بالانهيار. وبَشَّرَ المشروع أن الأشغال في هذا الإطار هي في طور الإنجاز. كما أخذ على عاتقه إنجاز دراسة جيوفيزيائية وجيوتقنية لشبكة الكهوف التي تقض مضجع ساكنة المدينة القديمة خاصة والساكنة الملالية عامة، وذلك في غضون خمسة عشر شهرا. وحدد هذا المشروع حلول سنة 2007 باعتبارها المرحلة الأخيرة لإنجاز كل برامجه في هذا الصدد.

ومع مطلع سنة2006 تم التوقيع في افتتاح المجلس الإداري للوكالة الحضرية على اتفاقية شراكة بينها وبين كلية العلوم والتقنيات ببني ملال تتعلق بإنجاز دراسة جيوتقنية وجيوفيزيائية للكهوف الموجودة بالمدينة القديمة للإسهام في إيجاد حل لهذه المعضلة التي أتعبت الجميع.

ولنا أن نتساءل إن كان مصير هذه الدراسة الجيوتيقنية والجيوفيزيائية سيؤول إلى ما آلت إليه الدراسة التي قام بها أحد مكاتب الدراسات الألمانية سنة 1978 تحت إشراف المجلس البلدي وقتذاك. والتي صنفت كهوف المدينة إلى ما يمكن توظيفه مقوما من المقومات السياحية بها. ومنها ما يستحق الردم لتقام على أرضيته حدائق فوقية، ومنها ما يمكن ردمه مع إمكانية بناء سكنيات ومحلات تجارية فوقه.

وإلى حين أن يفي “عُرْقوبُ” مرة أخرى بوعده نضع الأيدي على الذقون، والأكف على القلوب، ونرفع الدعاء إلى علام الغيوب أن يحفظ ساكني “القصبة” من البلاء، قبل أن “تبتلع الكهوف الديار” وتحيل أصحابها إلى أشلاء- لا قدر الله – حينها يفوت الأوان، وتفوت معها ساعة الندم والتدارك. أم أن سكان المدينة القديمة لا بَوَاكِيَ لهم، ولا من يرفع عقيرته لينصفهم؟؟