“لا أريد أن أكيفكم”عبارة مشهورة علق بها الملك الراحل الحسن الثاني ـ رحمه الله ـ وهو يحدد مفهوم معتقل الرأي أثناء الخطاب التأسيسي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان يوم 8 ماي 1990،بعد أن حصر المحددات في ثلاثة عناصر:الإسلام والملكية والوحدة الترابية، فمن لا يقل بأحدها لا يعتبر معتقل رأي.هكذا ينضاف مقدس جديد إلى قائمة المقدسات، وتنتفي على الكاتب العام يومها للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الرحيم بوعبيد صفة المعتقل السياسي ولو بأثر رجعي، إذ سبق أن أدين وقضى سنتين سجنا نافذا لمجرد أنه أدلى برأيه في الاستفتاء الذي أعلن الملك الحسن الثاني من نيروبي استعداد المغرب تنظيمه لحل نزاع الصحراء خلال مؤتمر الوحدة الإفريقية سنة 1981؛وللتذكير كان رأي عبد الرحيم بوعبيد وهو زعيم قطب المعارضة يقوم وببساطة على أن فكرة الاستفتاء لا تبدو مقبولة،ما دامت محكمة العدل والمجتمع الدولي أقر بمغربية الصحراء، والمغرب كما كان يردد الملك الراحل في صحرائه وعلى أرضه،فلماذا يعطي الدنية من نفسه؟

يروم هذا المقال كشف التحول الجذري الذي عرفه ملف الوحدة الترابية خلال ثلاثة عقود،وهي مدة كافية لإزالة صفة السرية على أي ملف مهما كانت حساسيته، وكما هو متعارف عليه عالميا،استجلاء لحقيقة موضوع كلف الشعب المغربي الشيء الكثير وفي جميع المناحي.

تعبأ المغرب على سائر الجبهات لاستكمال وحدته الترابية دون الحديث عن الثغرين السليبين سبتة ومليلية، فوجه كل جهوده وإمكانياته المادية والمعنوية نحو أقاليمنا الجنوبية، ولم تُسْـتـثـن فئة من الشعب من المشاركة في هذه التعبئة، فمن اقتطاعات أجور أيام للموظفين،إلى فرض مساعدات “سمتها السلطة معاونات”على التجار وعموم الشعب،إلى زيادة ساعات عمل مجانية على رجال التعليم(أربع ساعات في الإعدادي،وساعتان في الثانوي ما زالت سارية حتى الآن،ولم تجرُؤ أية نقابة للمطالبة بإلغائها رغم انقضاء المدة التي حددت لها،ربما لأن لها علاقة بمقدس الوحدة الترابية)،إلى استنفار المغنيين والمغنيات لإنتاج الأغاني الوطنية من قبيل”لعيون عيني والساقية الحمراء لي،والواد وادي ياسيدي”.

توجهت جهود الدولة لبناء وتأهيل الأقاليم الجنوبية،التي استفادت من نظام خاص: تخفيض أسعار كل المواد الاستهلاكية ومضاعفة الأجور،حتى غدت مركز استقطاب لفئات عريضة من المغاربة يقصدونها لتسوية وضعياتهم المادية،دون أن ننسى ما ترتب على ذلك من استغلال لحساسية المرحلة من طرف السلطة التي اعتبرت المغرب في حالة استثنائية تقتضي الانخراط في مسلسل الوحدة الترابية،هذه الأخيرة التي تحولت إلى سيف ترفعه السلطة في وجه أي معارض أو خصم سياسي.

في كلمة واحدة ضحى الشعب بـأبنائه الذين استشهدوا في ساحة الشرف دفاعا عن الوطن، مثلما ضحى بفرص وافرة للتنمية من أجل إعادة تأهيل الأقاليم الجنوبية، ففتحت أوراش ضخمة سخرت لها مؤهلات البلد؛بيد أن تدبير هذا الملف على مستوى السياسة الخارجية بقي حكرا على السلطة العليا في البلاد وبامتياز،فلم يسمح لأي مكون مهما كان بما فيهم زعماء الأحزاب،بل والحكومة ذاتها أن يستفسر أو يلتمس مجرد معلومات عن مستجدات قضية يعتبر المغاربة أنفسهم أدوا واجبهم الوطني فيها بما يمليه الواجب؛ولعل أبرز مثال هو مقترح الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب أسلوبا للتسوية،مقترح جاب به الوفد المغربي أصقاع العالم قبل أن يعرف المغاربة عليه أية فكرة،وبعد وضعه بين يدي الأمين العام للأمم المتحدة عرض على زعماء الأحزاب في خطوطه الكبرى،دون تمكينهم من نسخة من المقترح ليطلعوا عليه كعموم الشعب المغربي بعد ذلك في الصحف الوطنية.والمعمول به كونيا أن مقترحا في موضوع مصيري كهذا أن يعرض على الشعب،ويكون مادة تعبوية،تشارك فيها حشود من الألوف المؤلفة من الشعب،يرفعون شعارات مغربية صحرائهم،ويعبرون عن استعدادهم ـ كما كانوا ـ للتضحية من أجل وحدتهم الترابية،وهذا من شأنه أن يحقق أهدافا تعبوية داخلية،ويوجه رسائل لصناع القرار الدولي تعطي شحنة قوية للمقترح،أم تراه الهاجس الأمني يطارد السلطة ويدفعها لتجنب أي تجمع جماهيري ولو من أجل القضية الوطنية الأولى.

ودون استغراق الوقت والجهد في التفاصيل نتساءل اليوم بعد ثلاثين سنة من اندلاع ما سمي في هيئة الأمم المتحدة بالنزاع حول الصحراء الغربية عن حجم النجاح ومستوى الإخفاق في تدبير هذا الملف الحيوي،والذي راهن عليه الملك الراحل الحسن الثاني لتقديم صورة مثالية في أسلوب الحوار وفض النزاعات سلميا تأكيدا على حنكته السياسية بدءً بالمسيرة الخضراء وانتهاءً بالتفاوض المباشر الذي تقرر إجراؤه بين طرفي النزاع خلال الأسبوعين الأوليين من شهر يونيو 2007 تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة.

لا يسع أي متتبع لهذا الملف إلا أن يسجل استنتاجين متناقضين:أولهما التحول الخطير في موقف المغرب،فمن “المغرب في صحرائه وعلى أرضه”،والتي تعبر عنها إحدى الأغاني الوطنية يومها:”لا،لا، لن نسامح بشبر من الصحراء”،إلى اقتراح مشروع للحكم الذاتي،إلى القبول بالتفاوض المباشر ودون شروط مع الطرف الثاني الذي تحول في خطاب إعلامنا الرسمي من جبهة ما يسمى البوليساريو إلى جبهة البوليساريو وهو ما يعني ضمنا الاعتراف بكيان كان يعتبر وهميا إلى عهد قريب.

وثانيهما التطور في اكتساح ما كان يسمى جبهة البوليساريو للمواقع على حساب المغرب،فكيف يعقل أن ينتقل هذا الكيان من مستوى الوهم إلى حقيقة ذات هيئات تمثيلية،فمن انتزاع العضوية في منظمة الوحدة الإفريقية في عهد شيخ الديبلوماسية المغربية زعيم حزب الاستقلال وقتها الأستاذ آمحمد بوستة ،إلى التمثيلية في هيئة الأمم،مرورا باعتراف العديد من الدول،دون أن ننسى التعاطف الواسع لمكونات المجتمع المدني الأوروبي والإسباني على وجه الخصوص،وانتهاءً باعتبار ما كان يسمى جبهة البوليساريو المزعومة طرفا رئيسيا إلى جانب المغرب في نزاع الصحراء كما ورد في قرار مجلس الأمن نهايةشهرأبريل2007.

كيف وقع ما وقع؟كيف فشل المغرب في معالجة هذا الملف بإمكانياته وشبكة حلفائه وأصدقائه دائمي العضوية في مجلس الأمن؟وما جدوى الاتفاقيات التي أبرمت مع الولايات المتحدة في شكل صفقات سياسية،فمن التبادل الحر،إلى تزويد المغرب بالطاقة الكهربائية بأثمنة خيالية،إلى الانخراط في محاربة الإرهاب الذي جر على المغرب الويلات،طمعا في الدعم الأمريكي لقضية وحدتنا الترابية. دعم جاء واضحا وسريعا على لسان السفير الأمريكي قبل أسابيع حيث اعترف بالبوليساريو ممثلا للشعب الصحراوي، دون أن تفكر وزارة الخارجية المغربية في استدعاء السفير الأمريكي أو استفساره.وما الفائدة من صرف أموال باهظة في مجال السياسة الخارجية؟ وما حقيقة سحب الكثير من دول المعمور اعترافها بالجمهورية الصحراوية الوهمية التي هلل لـه الإعلام الرسمي،واعتبره مؤشرات نجاح نهج تدبير ملف وحدتنا الترابية؟

يبدو أن على المغاربة شعبا وأحزابا وهيئات نقابية وحقوقية ومنظمات مدنية أن يسارعوا لتصحيح الموقف مما كان يسمى جبهة البوليساريو،ولعل الإعلام الرسمي ـ قناة وزير الاتصال نموذجا ـ بدأ يوجه إشارات ورسائل في الموضوع من خلال برنامج “مباشرة معكم”الذي تناول مشروع الحكم الذاتي حيث كان الإصرار واضحا على التطبيع مع ما كان يسمى جبهة البوليساريو،فقدم إحدى المشاركات في البرنامج باسم: ” قيادية سابقة في البوليساريو”،وفي ذلك أكثر من رسالة،وقبله تصريح مستشار الملك في الندوة الصحفية بقطر خلال زيارته بالخليج لعرض مقترح الحكم الذاتي على حكام الخليج،حيث أعلن أن ما كان يسمى جبهة البوليساريو يعتبر حزبا سياسيا ينشط خارج التراب الوطني،ولا حرج للمغرب في التفاوض معه،وهذه سابقة سياسية.

إن الواجب يفرض على الدولة أن تنور الرأي الوطني بما يعنيه التفاوض المباشر ودون شروط،من خلال ندوات يستدعى لها أهل الاختصاص من أكاديميين وسياسيين،توضيحا وتصحيحا للأفهام ودفعا لحيرة الشعب في قضية اعتبرت لعقود أم القضايا،وتحديدا لنوع الخطاب الذي “يسمح” بتداوله في الحقلين الإعلامي والسياسي،لا سيما والبرامج والشعارات الانتخابية في طور الإنجاز.