بالطبع لا شكر على المنع، ولا شكر على القمع، ولا شكر على الحصار. فالمنع والقمع والحصار، وهي أدوات لعقلية الاستبداد، منبوذة لذاتها ومستهجنة في أصلها. وإنما الشكر على أثر المنع، ونتائج الحصار، ودلالات القمع.

1- سياق القمع ونتيجة المنع

تابع الرأي العام الوطني والدولي، الإعلامي والسياسي والحقوقي منه خاصة، حدث منع السلطات المغربية جماعة العدل والإحسان من تنظيم ندوة صحفية بمقر نادي المحامين بالرباط يوم الخميس 24 ماي 2007.

الندوة أتت بعد بداية سنة على ما عرف ب”الحملة المخزنية” أو الحصار الجديد القديم على جماعة العدل والإحسان، وقد كانت بحق حملة مميزة عن سابقاتها من حيث حجمها وامتدادها الجغرافي والزمني وتعدد أساليبها ودناءة وسائلها وتنوع المستهدفين منها وتطاول أصحابها على عدد من قيادات الجماعة.

فمنذ 24 ماي 2006 وجماعة العدل والإحسان تعاني من حصار شامل على كل المستويات، منع لحقها القانوني في الاجتماع السلمي من خلال منع مجالس النصيحة والتربية ولقاءاتها التنظيمية والسياسية، اعتقالات بالجملة لأعضائها في مختلف المدن والقرى، محاكمات صورية للمئات من المواطنين والمواطنات بتهم واهية وهمية تجاوزتها أحكام القضاء بسنوات، تشميع للبيوت وتشريد لأسر بأكملها في عتمة الليل المظلم وشدة البرد القارص لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة والطفل، طرد من الوظائف وغلق للمحال التجارية ومحاولات للتشهير وتهديدات عبر الهواتف وتكسير لزجاج بعض السيارات واعتداءات في الشارع العام، اختطافات وتعذيب وتهديد وتضييق وحصار وحملة شاملة…

إنها انتهاكات صارخة فاضحة لأبسط حقوق الإنسان، تعبر بجلاء عن العقلية المخزنية السلطوية التي تخرق ما سطرته أيديها الآثمة، ولا تحترم إنسانية الإنسان ولا قيمته ولا التكريم الإلهي له.

ولأنه لا حدود لقمع السلطة ومنعها ولا يملأ جوف النظام المخزني إلا التراب، توجت السلطة سنتها السوداء هذه بمنع الندوة الصحفية المركزية، التي كان الجميع قد علم بها وهيَّئت لها القنوات كاميراتها والجرائد أقلامها ومصوراتها، متجاوزة بذلك كل الأعراف السلطوية القمعية لصديقاتها من السلط المستبدة في كل الأوطان.

وتزامنت الندوة أيضا مع واقع سياسي يتهيأ لاستقبال انتخابات تشريعية قريبة، في ظل سيادة مطلقة للمؤسسة الملكية وتحكمها الكلي في تفاصيل الحياة العامة للبلد. وأظن أن قراءة العدل والإحسان لهذا المشهد لها من القدرة على إثارة النقاش الجوهري بغية إعادة ترتيب المشهد السياسي المغربي بما يتلاءم مع العمل السياسي الجاد والأهداف المجتمعية المتوخاة. بل إن للعدل والإحسان رؤية وموقفا من شأنهما أن يعيدا طرح النقاش التأسيسي والمصيري حول مسار المجتمع وطبيعة الدولة الخادمة له وتركيبة النظام السياسي المنسجم مع ذلك، والمدخل الجماعي إلى المغرب المنشود. لذلك عَنونة قيادة الجماعة الندوة ب”الراهن السياسي”.

لكن.. هل استطاعت السلطة أن تمنع تواصل العدل والإحسان مع محيطها توضيحا للمظلومية وبسطا للتصور؟

لا أظن ذلك، فالجماعة استطاعت أن تثبت، بل أثبت لها المخزن بالحجة والدليل، أنها محاصرة في حركتها ونشاطها وعملها وممنوعة من التواصل مع الآخرين وتبليغ وجهات نظرها ورؤيتها للقضايا المطروحة والتحديات المرفوعة في وجه هذا الشعب.

وأثبت المخزن المغربي، مشكورا، وعلى الهواء مباشرة لكل الحاضرين، وأغلبهم إعلاميين وصحفيين وحقوقيين، بأن ما قالته الجماعة طيلة هذه السنة كان صادقا ودقيقا. وشاهد الحضور بأم أعينهم ما كانوا يسمعونه بآذانهم، وصورت الكاميرات ونقلت الأقلام حدث الحصار في أقوى لحظاته السياسية، وأصبح الخبر عيانا.

وفوق هذا، عملت الجماعة من خلال أطرها على التواصل مع الإعلاميين والصحفيين وأمدتهم بملف صحفي جامع، فيه من الوثائق ما يدفع كل منصف إلى التعاطف مع الجماعة ونصرتها في مظلوميتها وإثبات حقها الطبيعي في الوجود والعمل والحركة.

كما أن موقف الجماعة، الثابت والمعروف، من الراهن السياسي يمكن لها أن تصرفه عبر بلاغاتها وبياناتها وتصريحات قياداتها، بل أعتبره قد بلغ ووصل. فما كانت السلطة إلا أن تمنع وتقمع من يحمل تصورات مناقضة لمصالحها، ومخالفة لمبناها القمعي ومعناها السلطوي.

أراد المخزن وفكر ودبر وقدر، فقتل كيف قدر، وأصيب في مقتله حينما كان المنع رغما عن إرادته طريقا للمنح، فكان التواصل وبلغت الرسالة. و”ما تشاؤون إلا أن يشاء الله”.

2- هجانة الأسلوب وتجدر المنطق المخزني

كنتُ ممن تيسر له الحضور إلى الطريق المؤدي إلى مكان عقد الندوة، وشاهدتُ طوقا أمنيا يحول دون الوصول إلى مقر نادي المحامين بالرباط. لم أستغرب، كغيري ممن خبروا عقلية السلطة المخزنية، قرار المنع الذي برره “المسؤول الأمني” بالتعليمات، فهذا هو الحال للأسف مع الحركات الصادقة والأنشطة الجادة. لكن ما أثارني وشدني أسلوب التعنيف الذي استعمله رجال السلطة، وهو ما استهجنه جل الحاضرين.

إنه أسلوب تعنيفي قمعي، لم يحترم أصحابُه منظمي الندوة حتى إخبار الإعلام والصحافة بالمنع، وامتد الأسلوب ليعم كل الحاضرين والواقفين فالكل معرض لأن يدفع ويطرد من المكان، بل وصل الأمر إلى حد دفع وضرب بعض الكاميرات حتى لا تلتقط صورا حية ل”صحاب الحال” أثناء تنفيذ المهمة. ولعل مقطع الفيديو الموجود على موقع جماعة العدل والإحسان مجسد لهذه الصورة وفاضح للأسلوب المخزني الهجين.

غير أن أكثر شيء يثير الاستغراب، ولعله يشير إلى قدرة الله الغالبة في خذلان الظالمين وفقدانهم لأي منطق وقدرة على تقدير ووزن الأمور، هو جراءة السلطة المغربية وإقدامها على منع الندوة في مقر وناد للمحامين بالعاصمة الرباط.

نعم، سلطات المغرب، الذي قطع أشواطا كبيرة في حقوق الإنسان وقعد لها من خلال خطوات مؤسسية وتشريعية جبارة جعلته يتبوأ الصدارة على المستوى القاري والعربي!، قمعت الحرية وداست حقوق الإنسان في أكثر الأمكنة ارتباطا بالحرية والدفاع عن حقوق الإنسان. لم تراع السلطة المخذولة إلا ولا ذمة، ولم تقدر عواقب خسرانها الحقوقي والسياسي، وأقدمت على فعلتها الشنيعة في وصاية، نادرة في عالم الاستبداد، على أصحاب الدار وإكراه غريب لطرف أساسي في معادلة حقوق الإنسان وقمع حريته في استقبال ضيوفه.

فكما هو معلوم جاءت الندوة بعد أن وافقت هيأة المحامين بمدينة الرباط على أن يحتضن مقرهم الكائن بحي بئر قاسم ندوة لمكون أصيل من مكونات الشعب المغربي وفاعل دعوي وسياسي بامتياز، ولم تجد نقابة المحامين المعنية أي غضاضة بل رحبت بذلك، غير أن السلطة، التي ترى أنها المالك الوحيد لكل الفضاءات العامة والخاصة، وضدا على إرادة هيأة المحامين كان لها رأي آخر ينسجم مع طبيعتها وعقليتها.

إن ما حدث عشية الخميس 24 ماي 2007 يؤكد، من جديد، أن العقلية المخزنية السلطوية القمعية متجدرة في النظام السياسي المغربي، ومتحكمة في مسارات الأحداث واختيارات المواقف والاستراتيجيات. وهي عقلية تتجدد أشكالها وأساليبها ورجالاتها أما منطقها المخزني فمقيم لا يتزحزح، لأنه من طبيعتها وتركيبتها.

مقابل هذا الأسلوب القمعي الهجين والمنطق المخزني المستبد، كان أداء العدل والإحسان رفيقا وقاصدا وبليغا ينهل من مبادئها المسطرة ويمتح من منهاج النبوة الموجه. فمن رأى كيف تعاملت قيادة العدل والإحسان مع الموقف حينها، وكيف تواصل أطرها مع الصحافة والحاضرين، يترسخ لديه بأن المنطق الأخلاقي والقوة الحجية يضفيان على العمل السياسي والحركة الميدانية لمسة قوية وهيبة أخاذة ومنطقا مقنعا. وهذا أحد الأرباح الأخرى، بل العطايا والمنح الإلهية، التي تسترعي النظر.

ففي الوقت الذي تطرد السلطة بأسلوب تعنيفي قمعي ومنطق مخزني نخبة من الإعلاميين والصحفيين، ترحب العدل والإحسان بصدر رحب ووفق أسلوب رفيق ومنطق أخلاقي وسياسي طليق. وإن كنت- بالنظر لقوالب وأنماط تعاملية تحكم الناس اليوم- متأكدا أن مثل هذه المعاني لن تحضر في التغطيات الإعلامية، فإنها-يقينا- تلج القلوب بسلاسة وتحاكي العقول بحجة. وهذا بناء قوي لحاضر ومستقبل الجماعة.

3- الإرادات.. سبحان الله

سطرت العدل والإحسان يوم الخميس 24 ماي 2007 صفحة جديدة في مسارها الدعوي والسياسي المتصاعد نحو التمكين بإذن الله، صفحة مضيئة بأسلوب محكم ومشرقة بحوهر مؤثر.

وسطر المخزن، في ذات اليوم، صفحة أخرى في سجله الكالح السائر بعون الله نحو دفته الأخيرة ليغلق، صفحة زاد سوادها بأسلوبه القمعي ومنطقه الاستبدادي.

وما بين الصفحتين حضرت عناية الله التي تشد أود الحق وتقوي عضد رجاله فكانت الصفحة المضيئة المشرقة، وتجلى مكر الله بالظالمين حين حاق المكر السيئ بأهله فكانت الصفحة السوداء الكالحة.

وسبحان الله المتصرف.. يسدد إرادة ويخذل أخرى.

أرادت العدل والإحسان أن تتواصل مع عموم الإعلاميين والصحفيين والمهتمين لتوضيح مظلوميتها وبسط رؤيتها المجتمعية وموقفها السياسي، وأرادت السلطة المغربية منع هذا الصوت الحر الأبي من التواصل وتبليغ رؤيته، وأرادت مشيئة الله أن يتحقق للعدل والإحسان مبتغاها على يد المخزن وعن طريق منعه.

فكانت إرادة الله، وفعلا إن الله ينصر دينه بالرجل الفاجر، وبتخبط النظام السياسي الفاسد أيضا.

ولأنه لولا خبل السلطة المخزنية وسوء حسابها وسوءة فعلها لما كان الذي كان، لذلك وجب شكرها.. شكرا للسلطة!!.