مستقبل الحركة الإسلامية :

يرى الباحث الفرنسي أوليفر روي أن الحركة الإسلامية إلى الباب المسدود ، وجسدت عمليا إفلاس الاتجاه الذي تمثله ، وضحالة الفكر الذي قام عليه الذي يتمثل في انعدام البرامج والحلول العصرية لمشكلات الناس ، فهي لا تزيد على كونها طوائف جديدة تلتجئ إلى مغارات التراث وكهوفه هربا من عالم الحداثة الذي تراه بكامله رجسا من عمل الشيطان ، وهي على كل حال تتعلق بهدف مستحيل التحقيق يمثل في حد ذاته تناقضا ، إذ تجعل هذه الحركات هدفها إقامة الدولة الإسلامية التي دونها لا يكون المجتمع فاضلا ، ولكنها في الوقت نفسه تقول إن الدولة الإسلامية لن تتحقق إلا بوجود المجتمع الفاضل ، فنحن هتا أمام دوران في حلقة مفرغة، بحث عن المجتمع الفاضل الذي دونه لن تكون دولة فاضلة والعكس بالعكس .

إن مقولة أوليفر روي عن الإفلاس الفكري لحركات الإصلاح الإسلامي أقرب إلى تكرار حرفي لحكم هاملتون جيب على حركات الإصلاح الإسلامي في الأربعينات ، وأحكام مالكولم كير المشابهة في الستينات من القرن الماضي ، ومرة بعد مرة يصدر فيها حكم كهذا بنهاية الإسلام السياسي وسيادة العلمانية وتظهر أحداث جسام تبين العكس ، فمثلا ، أصدر أحد كبار المنظرين الأمريكيين عام 1983 كتابا أكد فيه أن الجزائر هي البلد الإسلامي الوحيد الذي تجاوز مرحلة هيمنة الشريعة الإسلامية ودخل مرحلة العلمانية الكاملة إلى غير رجعة بخلاف كل الدول الإسلامية الأخرى،لكن تأكد فيما بعد أن حكمه كان بعيدا عن الحقيقة …ولهذا تواجه مثل هؤلاء المحللين مفاجاءات عند كل منعطف حين يكتشفون تزايد نفوذ هذه الحركات ، فلأحزاب السياسية الإسلامية – مهما كانت نقائصها وعيوبها حتى  تحتل اليوم موقع حركة المعارضة الأقوى في معظم بلدان العالم الإسلامي رغم أنها محظورة في جل البلدان الإسلامية وتواجه عداء سافرا ، وحين تحقق هذه الحركات نتائج باهرة في الانتخابات وتفشل الأحزاب المدعومة من الدولة رغم الضغوطات والمناورات والتحايل والموارد غير المحدودة التي تحت تصرفها ، فان الحديث عن الفشل والإفلاس يجب أن يوجه إلى هؤلاء الخاسرين لا إلى الحركات الإسلامية ، ويمكن القول إن الإشكال عند خصوم الحركة الإسلامية ليس هو اندثارها أو أفول نجمها ، بل هو أنها تزداد قوة رغم الهجمة المحلية والدولية ضدها . من جهة أخرى فان فشل الأحزاب الإسلامية أو على الأصح إفشالها ، هو تعبير آخر عنالنجاح ، ففي كثير من البلدان الإسلامية صار فكر هذه الجماعات هو المهيمن اجتماعيا ، فعلى سبيل المثال ، قرار تطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان عام 1977 والسودان عام 1983 ونيجيريا عام 2000 ، وقبل ذلك تضمين الشريعة مصدرا أساسيا للتشريع في الدستور المصري ، تمت كلها في غيبة الحركة الإسلامية , وأحيانا في ظل معارضة منها ، وأحيانا في ظل حيرة وارتباك إزائها ، كما نجد المشاعر والمطالب الإسلامية تتفجر أحيانا في شكل انتفاضات تتجاوز الحركات الإسلامية نفسها كما هي حال تطبيق الشريعة الإسلامية في نيجيريا ، والتي فاجأت الحركات الإسلامية هناك قبل غيرها .

إن النعوت والأوصاف التي يطلقها خصوم الحركة الإسلامية في الخارج مثل أوليفر روي وهنتنجتون وميللر على الإسلام وكل الإسلاميين تجد لها آذانا صاغية في الداخل ، فصفات مثل الإرهاب والعنف ورفض الآخر قد تنطبق على زمرة قليلة وليس على كل الإسلاميين أو الإسلام نفسه ، فتوظيف بعض جماعات العنف في البلدان الإسلامية من لدن هؤلاء الدارسين بهدف تعميمها على جميع الإسلاميين هو خطأ منهجي مقصود يخفي تحيزا دينيا وثقافيا أو قوميا علمانيا ، حيث أن هناك ظواهر مسيحية ويهودية أصولية متشددة إلا أنها لا تعالج بالشكل السلبي الذي تعالج به الظواهر الإسلامية . ففي العالم الإسلامي سبق عنف الإسلاميين الذين ينتهجونه سبيلا للتغيير عنف الدولة القطرية ، فكان العنف الديني الشعبي الموجه إلى العنف العلماني المتمثل في الدولة وهو عنف موجه إلى الأنظمة وهو في حقيقته رد فعل على عنف الدولة واستمرارها .

في مقابل هذا . نجد أن التيار الإسلامي المعتدل ، وهو الأقوى حجما وعددا وعدة منهجية وفكرية يحدد أصل العنف و الإرهاب في غياب المؤسسات الديمقراطية والمجتمع التعددي ، بيد أن الدولة القطرية التي أضحت ضد الأمة  بتعبير الكاتب اللبناني وليد نويهض  ما فتئت تحاول تهميش هذا التيار و إدخاله عنوة في دائرة العنف ، ولا تريد الدولة التمييز بين معتدل ومتشدد لأنها لا تريد أي مشاركة شعبية سواء كانت إسلامية أم علمانية في السلطة في سبيل المحافظة على مصالحها ، ومصالح نخبتها التي علمتها ثقافة سياسية استبدادية لا تحترم المواطن ، ولا تقيم اعتبارا لغير رجال الثروة والسلطة ، وعممت الدولة هذه الثقافة الفاسدة على المجتمع .

فالإسلاميون لا يرفضون المشاركة السياسية، ولا ينظرون إلى الغرب نظرة عدائية، بحيث أنهم التيار الوحيد في العالم العربي والإسلامي الذي استفاد من الحداثة الغربية في التنظيم والتأطير والتعبئة واليات التفكير على حد قول المفكر المصري المستشار طارق البشري ، مع أنهم يختلفون مع الغرب في قضية الكيل بمكيالين على الصعيد السياسي المتمثل في السيطرة على أنظمة الحكم في المنطقة والانحياز السافر للكيان الصهيوني الغاصب لأرض العرب والمسلمين ومقدسا تهم ، وهي خلافات قابلة للحل وليست عدا وات أبدية .

إن تطوير الإسلاميين لنظام إسلامي سياسي استيعابي ، منوط بتوسيع الدولة القطرية مساحة الحريات العامة والفضاء السياسي ، بحيث تتمكن الأحزاب الإسلامية والعلمانية من التنافس الشريف الحر والوصول إلى السلطة ، فالإسلاميون ليسوا سببا في عدم الاستقرار كما يشاع وينشر ، والدليل على هذا أن الفترة التي عرفت ضمور الحركة الإسلامية لم تؤسس فيه الدولة القطرية لمناهج ديمقراطية وفكر استيعابي ، ومنعت التعددية وانتهكت حقوق الإنسان , وكان أغلبية الإسلاميين في تلك المرحلة في المعتقلات والسجون والمنافي ، ومازالوا . وما بدلوا تبديلا في المطالبة بدولة الشعب بتعبير راشد الغنوشي المتمثلة في ” رفع القيود عن الصحافة وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات ، واستقلال القضاء ، واحترام إرادة الشعب في اختيار برلمانه وحكامه ، وإطلاق سراح المساجين والامتناع المطلق عن التعذيب ، وحياد الإدارة والتخلص من ازدواجية الخطاب الرئاسي من الفئوية بين ” رئيس الحزب ” والوطنية ” رئيس الدولة ” ، وإطلاق طاقات الإبداع والمبادرة في كل الميادين ، وتوفير الضمان الاجتماعي ، واحترام إرادة الشعب في سن السياسات العامة كالسياسة التعليمية والاقتصادية …كل ذلك مجرد وسائل للوصول إلى التغيير موازين القوى لصالح الشعب ، ولن تتحقق في شكلها الأمثل إلا تتويجا لتراكم كبير يجعل الشعب قادرا على تحرير إرادته ن وامتلاك زمام أمره ، وإخضاع سلطته لارادته حتى تكون بلا أدنى غش واستنكاف ، إلى مجرد خادم له ، عندها فقط نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق دولة الشعب ، طريق الحضارة والكرامة “(8).والتي تمر عبر تعاقد على مشروع مجتمعي يشارك فيه الجميع وعلى مرأى ومسمع من هذا الشعب وصولا إلى الاعتراف بالحق في السلطة على قاعدة الإدراك العميق بأنه حق عام من حيث هي ملكية عمومية ، وليس مجرد إجراءات تحسينية لتنفيس احتقان اجتماعي ، أو امتصاص ضغط خارجي على شاكلة ما هو عليه أمرها في بلادنا العربية . ودون إغفال الهوية المطلقة للأمة ـ أي الإسلام ـ ، لأن غيابها أو تغييبها ” يطرح مخاطر كبيرة لما في ذلك من خروج عن طبيعة الوجود الإنساني ، فغياب الانتماء المطلق يعني غياب الهوية وغياب الانتماءات النسبية يعني التطرف والاستبداد ” (9).

إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية حرمت من الحوار نصف قرن تقريبا من النقاش والتداول في أمورها العامة بسبب أنظمة القمع والرقابة وإلغاء حرية التعبير أو تقييدها ” وهو بحاجة كي يطور أفكاره ويبلور صورة المستقبل ويوحد تفكيره ورؤيته إلى تواصل حقيقي لا يحصل من دون الحوار . وإذا أردنا تكوين رأي عام ديمقراطي فلا بد من ضمان إمكانية التواصل والحوار والنقاش بين أبناء المجتمع “(10) .

بالحوار ، وحده ، ولا شيء غيره نستطيع التواصل والتعارف ، وتوسيع العقل وتعميق مداركه والنظر في الأشياء ، كل الأشياء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية …. بهدف إسقاط الحواجز , وتتجه إلى التواصل والتعارف ،أينما وجد الحوار فثم شرع الله ، لأنه ـ أقصد الحوار ـ غدا المرادف الطبيعي للشورى والديمقراطية والحرية وكل القيم الإنسانية والروحية ” ومن يمت هذه الروح يسد المسالك التي تنقل إليه العمل المشترك ، فيحرم من نفسه من تقويم أفعاله ، وتهذيب أخلاقه ، فتقوى دواعي الاستئثار في نفسه وتضعف دواعي التعاون فيها ، وحينئذ لا يصلحه عمله وان توهم انه يصلح به ، ولا بالأولى يصلح غيره ، بل يفسده ويفسد غيره “(11) والعياذ بالله . إن مسالة الحوار والدعوة إليه ” ليست ترفا فكريا أو ، مزايدة سياسية لأغراض هابطة ، بل المسالة جد ، إنها مسؤولية سامية دينية أولا وحضارية ثانيا . دينية لأن الحوار استجابة للنداء الرباني والأمر النبوي بالسعي إلي خيار الناس ومحاورتهم بالتي هي أحسن . حضارية لأ نه المخرج من هذه الأزمة الخانقة المتفاقمة ، ودون نجاحه لن يكون لهذه الأمة وجود في حسابات هذا الزمان ” (12) . و سواء اختلفنا أم ائتلفنا ، فلا بد أن نعيش معا أو نهلك معا ، كما كان يقول الزعيم السوفياتي ميخائيل كوربا تشوف .

الهوامش:

8- راشد الغنوشي : مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني ” المركز المغاربي للبحوث والترجمة ، لندن ، ص :171

9- إدريس أو هلال : “ضرورة البناء الجماعي للمستقبل ” مجلة نوافذ ع: 12/13 ، 2001 ، ص : 104.

10- برهان غليون : ” العرب وتحولات العالم  من سقوط جدار برلين إلي سقوط بغداد “المركز الثقافي العربي ، ط :الأولى ، 2003 ،ص:246

11– طه عبد الرحمن : ” حوارات من أجل المستقبل ” منشورات الزمن ، 13 ، 2000 ، ص :7 .

12  د. سعد الصديقي في تقديمه لكتاب : “الميثاق  الإسلاميون والحوار الوطني ” للباحث زكرياء السرتي ،مطبوعات الهلال وجدة 2004 ص 5 .