يبتغي هذا المقال الإسهام في النقاش الدائر حول الحركة الطلابية المغربية ومستقبل عملها. وهي مساهمة في التحديد الدقيق للأزمة قبل الشروع في رصد معالم الإصلاح. وهي بهذا وجهة نظر مفتوحة ألح علي لكتابتها ما عرفته العديد من الجامعات من تطاحن دموي بين فصائل طلابية معروفة.

شهدت العديد من الجامعات المغربية (أكاد ير. مراكش. البيضاء. تازة….) خلال الأسابيع القليلة المنصرمة أحداث عنف بين فصائل طلابية ( فصيل الطلبة القاعديين وفصيل الطلبة الأمازيغيين), وقد راح ضحية هذه المواجهات العديد من الطلبة والطالبات، حيث أدت الجماهير الطلابية ضريبة هذا العنف بأن حرمت من حصص الدروس والأشغال التوجيهية والتطبيقية. كما عرفت بعض الجامعات الأخرى حرمان الطلبة من اجتياز الامتحانات نظرا لاستثنائية الوضع الجامعي. ومما زاد الوضع كارثية، ما عرفته كلية العلوم والتقنيات بالراشدية وبعض أحياء المدينة من مواجهات دامية، كانت حصيلتها الأولى وفاة الطالب عبد الرحيم حسناوي وإصابة ستة طلبة آخرين بجروح بالغة الخطورة.

من محاسن الأقدار أن تتزامن هذه المواجهات مع تطور فصول المحاكمة الماراطونية للمناضل السابق في أوطم عمر محب على خلفية وفاة أحد الطلبة القاعديين بداية التسعينات.

إنها حقا محاسن الأقدار لأن الظروف التي فتح فيها هذا الملف بداية التسعينات لم تكن تسمح لعموم أبناء شعبنا بالإطلاع على حقيقة ما جرى وذلك راجع لعدة أسباب لا يتسع المجال لتوضيحها في هذا المقال.

إن هذه الأحداث تجعلنا أمام خيار واحد، والمتمثل بالأساس في إعادة الاعتبار لأبناء شعبنا وذلك بإطلاعهم على تفاصيل وحقيقة ما جرى بداية التسعينيات وما يجري الآن، وتجاوز احتكار أجهزة الدولة للمعطيات وإلزام الجميع بتبني منهجية تحليل واحدة، وتداول معطيات واحدة وهي المعطيات الرسمية.

كما أننا لا نرى اكتمالا لهذا الخيار إلا بمبادرتين اثنتين:

1- الحركة الطلابية و أولوية المرحلة:

إن التعاطي مع راهن الحركة الطلابية المغربية اليوم بحاجة إلى مقاربة جريئة ما دام الوقت مناسبا لكي تتدخل الحركة، هياكلا وجماهيرا بمسؤولية تاريخية ملزمة الجميع، فصائلا ومكونات بإعلان مبادئ طلابي متفق بشأنه، يساهم فيه الجميع دون إقصاء، وتكون فيه الجماهير الطلابية المرجع والحكم، حتى لا يتسنى لأحد ولا يسمح له بممارسة مشينة باسم الحركة والمنظمة. وبهذا الصدد أقترح مشروعا ذا مسارين اثنين، يتعامل بوضوح وبشكل مباشر، من جهة مع فصائل الاتحاد، كما مع جماهير الحركة والغيورين عليها بشأن مختلف القضايا التي تخص العلاقات الفصائلية ومستقبل الاتحاد.

” في شأن الجماهير:

لا يختلف اثنان في كون العمل النقابي الطلابي يكتسب شرعيته من جماهيريته و ديمقراطيته، المعطى غير المتوفر لدى حركتنا الطلابية، لذلك فالوضع الطلابي المغربي مدعو إلى التصحيح، وبداية هذا التصحيح هو الفصل الواضح بين حق المكونات الطلابية في ممارسة سياسية ونقابية حسب المتاح من هامش إيجابي في التعاطي مع الحركة الشعبية للجماهير من ناحية، وحق الجماهير الطلابية من ناحية ثانية في قبول أو رفض اختيار سياسي معين حسب ما تراه ينسج في حبل تحصين المكتسبات وتقوية قدرة الحركة على لعب دورها الرئيس في بناء مجتمع حر وكريم.

” في شأن الفصائل:

من الواضح أن العديد من الفصائل خصوصا التاريخية منها كما تسمى، تنتهج سياسة خاطئة في تعاملها مع باقي المكونات، و يبدو ذلك واضحا من خلال الرفض المطلق للآخر خصوصا إذا كان هذا الآخر إسلاميا، لذلك فإنه من بين المداخل الحقيقية لتسوية فصائلية شاملة، لا يتأتى إلا بإعادة النظر وتغيير جدري في هذه المقاربة في أفق حوار طلابي جاد مسقوف بمصلحة الطلاب على أرضية برنامجية واضحة بقيادة أوطامية أثبتت إلى حد الآن أهليتها للعب دور الوسيط الطلابي من جهة، والحامي لمصالح الحركة من جهة ثانية، والممثل الأمثل لعموم الطلاب من جهة ثالثة.

2- ملحاحية المطالبة بإطلاق سراح أو إعادة محاكمة معتقلي الحركة الطلابية، وإسقاط متابعة المناضل عمر محب:

إذا كانت أحداث اليوم أبانت بوضوح تورط فصائل بعينها في القتل، من بينها فصيل مدان كطرف في أحداث التسعينات، فإنه بالمقابل:

” إلى حدود الآن لم تستطع الدولة المغربية، إثبات تهمة العنف في حق معتقلي الحركة، كما أن أجهزة الدولة نفسها تعلم بالجزم، أن فصيل طلبة العدل والإحسان لم يمارس قط عنفا رغم الانتهاكات المتكررة في حقه، وفي هذا الصدد نذكر أجيال الحركة بفترة تنزيل المذكرة الثلاثية المشئومة التي ما تركت مناضلا ولا مناضلة من أبناء العدل والإحسان إلا ونالت من جسمه وعرضه. ولا تزال إلى حدود الآن أجساد مناضلي تلك المرحلة تحمل عاهات مستديمة شاهدة على ظلم الظالمين وجبروتهم.

” لم تستطع الدولة إلى حد الآن أن تأتي بدليل يدين أحد المعتقلين، ومما يثير الاستغراب والإشفاق على تدني قضائنا وارتهانه بتعليمات أصحاب القرار، اكتفاؤه في إدانة و محاكمة المناضل عمر محب بشاهد إثبات واحد الأصل فيه الإدانة ما دام طرفا في النزاع بل الأكثر من ذلك أن الإدانة تستمد شرعيتها من انتمائه الإيديولوجي إلى أحد الأطراف المتورطة في المواجهات الأخيرة بتهمة القتل.

يضاف إلى ذلك ما يتعرض له مناضلو العدل والإحسان من عنف متكرر من طرف هذه التيارات بكل من فاس ومكناس (انظر بيانات الفصيل) على مرأى ومسمع من أجهزة الأمن دون تحريك ساكن، مع العلم أنه في بعض الحالات تكون الإصابات بالغة الخطورة ( حالة الأخ حسن الطاهري بمكناس ). و مما يثير الخجل حقا ما سرح به مدير الحي الجامعي بالراشيدية السيد زين الدين الجو يري على خلفية أحداث العنف “أن الملاحظة التي يتم تسجيلها في كل مرة هي أن الضحايا لا يقومون بالتبليغ عما يتعرضون له رغم معرفتهم بالجاني” (انظر جريدة المساء العدد 204 ) ونحن بهذه المناسبة ندعو السيد الجويري ومن خلاله كل من يهمه الأمر إلى الاطلاع على رسائل التظلم التي بعث بها المناضلون ليس فقط إلى الأجهزة المعنية للدولة ولكن إلى كل مؤسسات المجتمع المدني والفضلاء والشرفاء من أبناء هذا البلد لكن للأسف انتصرت إرادة المخزن فكانت النتيجة ما يزيد على قرن من الزمن سجنا نافذا في حق اثنا عشر مناضلا..

ختاما نعيد التذكير، أنه إذا كانت الفرصة سانحة الآن رغم صعوبة الموقف لنقاش تأسيسي من أجل حركة طلابية راشدة، فإنه كذلك وبحدة أكبر فرصة تاريخية لأصحاب القرار أن يصححوا إحدى أخطائهم القاتلة في حق الحركة الطلابية، وذلك بإطلاق سراح أو إعادة محاكمة معتقلي الحركة في أجواء تنتصر للعدالة في ضوء الأحداث والمستجدات الآنية، وإلا فالواجب يلح على كل الشرفاء الدعوة إلى إعادة ملف الاعتقال السياسي إلى الواجهة، طبعا بكل جرأة مع تحديد المدانين الحقيقيين قبل فوات الأوان.