يبدو أن الفقر المدقع مضرب أطنابه في النسيج الاجتماعي المغربي فوق كل التصورات، معشش في أعماق المجتمع وفاتك بأفراده وأسره إلى الحد الذي يصبح معه السكن في المراحيض حلا قهريا مستساغا بل وأحد “مميزات” العهد الجديد.

فبعد أن صدم المغاربة بخبر سكن عائلة بأكملها في مرحاض سيدي حجي بسلا وإقرار المصالح الأمنية والإدارية لها بهذا “المحل السكني”، هاهي عائلة أخرى لا تجد غير المرحاض لتتخذه مسكنا يأويها من عري الشوارع وسكن الأزقة.

   فقد ذكرت جريدة المساء، التي أوردت الخبر مشكورة، في عددها ليوم الثلاثاء 15 ماي 2007 أن أسرة السيد محمد هرموم تقيم فيما يشبه “غرفة” بمسجد السعادة بالجديدة مفتوحة على المكان المخصص للوضوء، كتب عليها صاحبها “ممنوع الدخول” تفاديا لاشتباه الأمر على المتوضئين!!.

   وقالت الجريدة بأن هذه الأسرة، التي تتكون من السيد محمد هرموم وزوجته وطفل يبلغ من العمر 14 سنة يدرس بالإعدادي، تقيم في هذا المسكن لأكثر من سنتين.

واستفاد هرموم من السكن بهذه الغرفة وسط مرحاض مسجد السعادة مقابل اعتنائه بمراحيض المسجد وتسخين الماء للمتوضئين. والغريب في الأمر أن السيد محمد هرموم مازال ينتظر مساعدة المحسنين وتفهم الجهات المعنية، ليس ليتخذ له مسكنا جديدا لائقا بكرامة الإنسان فهذا أصبح حلما في مغرب “التنمية البشرية”، بل لشق باب ينفتح مباشرة على الزقاق الجانبي للمسجد دون المرور عبر مرحاض الوضوء قصد الدخول إلى الغرفة !!

   في أقل من أسبوع إذا تكتشف أسرتان تعيشان في مراحيض المغرب. 8 أفراد، منهم خمسة أبناء أغلبهم يعيش مرحلة الطفولة دون أن يعيشها، يقتاتون على ما فضل من أكل الناس ولباسهم ونقودهم. داخل “مسكنهم” في زاوية ضيقة من المرحاض يزدحم الجميع الأب والأم والأبناء، وفي “مسكنهم” بالمرحاض ينبغي أن يحافظوا على صحتهم ونظافتهم ورشاقة أبنائهم، وفي هذا “المسكن” على الزوجة أن تشعر بالأمان والطمأنينة والأريحية فهي “مَلكة” في “مِلك” زوجها، وفي هذه “الدار” عليهم أن يستقبلوا الضيوف والزوار بل والوثائق الإدارية والمدرسية والمراسلات كما في مرحاض سيدي أحمد حجي بمدينة سلا، وفي هذه “الشقة” على الوالدين أن يربوا أبناءهم على حب الوطن والوفاء للدولة واحترام البلد، وعلى الأبناء/التلاميذ أن يتحسسوا معاني المواطنة والقومية والشعور بالانتماء لبلدهم حين يرددوا كل صباح النشيد الوطني الخالد، وعلى الوالدين أن يصدقوا ما يسمعونه ويشاهدونه في نشرة الأخبار عن بلدهم المتقدم والديمقراطي والمحترم لحقوق الإنسان والذي يشيد حكَّامه أسبوعيا المشاريع التنموية والإقامات السكنية لإيواء الضعفاء والمشردين !!

أي قسوة هذه وأية مسؤولية وأية إنسانية؟

   لا نعلم بالضبط عدد سكان المراحيض في المغرب، إذ المندوبية السامية للتخطيط لم تقدم لنا في إحصائها الأخير معلومات عن ذلك، ولا ندري إن كانت وزارة الإسكان والتعمير ستدرج “منازلهم” هذه ضمن السكن العشوائي الذي يفرخ “الإرهابيين” أم أنها تستجيب لمعايير البناء والسكن اللائق للعيش، أم أن الأمر “نازلة اجتماعية” جديدة تستدعي تدخل “سلطات فوق دستورية” لتشكيل لجنة متخصصة لدراسة الأمر والخروج بالخلاصات التاريخية وفق الرؤية الإستراتيجية المغربية الفريدة ؟!!.

   أحيانا يشعر المرء أن حكام المغرب ضاقت بهم جنبات البلد وضجت بهم مساحاته الشاسعة لكثرة سكانه وتعدد مطالبه وتكلفة المسؤولية عليه، ولولا هذه الضرورة التي أملتها السنن الكونية القاضية بوجود محكومين لينتصب حكام، وألزمها الفكر السياسي القاضي بضرورة وجود شعب إلى جانب حكومة ليأخذ الإقليم صفة دولة، لاكتفى “أصحابنا” الحكام بالعيش وحدهم على هذه المساحة الواسعة التي تسمى “المغرب” وهجروا المغاربة إلى “مرحاض كبير” خارج الحدود يسكن فيه الجميع.

   كثيرا ما تحدث المعنيون بالمسألة الاجتماعية عن درجات المواطنة، ومفاضلة جهاز الحكم في المغرب بين أبناء البلد الواحد في حقوق الموطنة فيقدم الامتيازات لهذا ويمنعها عن ذاك، في إشارة إلى الفروق الشاسعة في مستويات العيش بين الفئات الشعبية المستضعفة والطغمة الحاكمة والطبقة الاقتصادية المهيمنة، غير أن أحدا لم يكن يظن بأن يتدحرج الفرق ببعض فئات الشعب المغربي المفقر إلى ما تحت التصنيف.

   فاليوم يحق لنا -عندما يصبح المواطن مقيما بمراحيض المملكة الشريفة- ألا نستغرب عيش مغاربة تحت “خط الفقر” بل أن نستغرب وجود مغاربة تحت “درجة المواطنة”.

   في المملكة المغربية، تعيش فئات مهمة من الشعب تحت درجة المواطنة. ينظر إليها على أنها “أشياء” وجدت من بين أشياء كثيرة في هذا البلد، ومن تم فالتعامل معها-وفق منطق الدولة- لا يتجاوز نظرة “الشيئية”. والأشياء بطبيعتها دون الإنسان وتحت المواطنة. إنه، يا للحسرة، منطق الحكم الأرعن.