استبـداد السلطـة الوصية :

الجماعات المحلية تعاني من سلبيات عديدة انطلاقا من التقطيع الترابي ومركزية القرارات والوصاية والرقابة المفروضة عليها، مرورا بضعف الإمكانات، وانتهاء بسوء التسيير والتدبير ونهب المال العام، حيث راكمت التمثيليات الحزبية أخطاءها وهزائمها السياسية على أنقاض مصالح الساكنة والشغيلة الجماعية على حد سواء، أما مسؤولوا السلطة الوصية فيستغلون جميع الفرص ابتداء بصناعة الخريطة الجماعية، ومرورا بإعداد اللوائح الانتخابية، والتحكم في توجيه الناخبين وغض الطرف عن ممارسات بعض المرشحين، وانتهاءا بإعلان النتائج التي تكون موجهة لجعل مسؤولي الجماعات المحلية رهن إشارة السلطات الوصية وفي خدمتهم، فالجماعة القروية هي خاضعة وبشكل مباشر للعامل وبالرغم من كل القوانين فكل الاختصاصات لا تباشر إلا بموافقته، أما العمالات والأقاليم فحدث ولا حرج فموقع العامل يفرغ هذه الاختصاصات من أي قيمة ويحولها لأجهزة صورية لتبقى السلطة هي الآمر والناهي والمجالس مواكبة مادامت مصالحها محفوظة.

حكامة رشيدة أم بليدة :

لا أحد ينكر ما للجماعة المحلية من أهمية اقتصادية فهي العصب الحيوي للتنمية لكنها وللأسف تحولت إلى جهاز هضمي لكل ناهب للمال العام كما أصبحت في ظل سياسة الفساد والإفساد مركز حيوي لتزوير المعطيات وإتلاف الحقائق وفبركة الميزانيات وقمع الأغلبية لصالح الأقلية الحاكمة في غياب أي رقابة شعبية أو حصانة جماهيرية لأملاكها، الأمر الذي يزيد من إلحاحية الرقابة الحقيقية والشفافة على ضبط وصرف الموارد الجماعية خصوصا وان المجلس الأعلى للحسابات غير مستقل عن الحكومة وهو يشرعن النهب وتواطئ المجالس مع السلطات الوصية.

ورغم كل الشعارات المرفوعة من قبيل إدارة فعالة، خدومة، منفتحة، مواطنة وقريبة من انشغالات المواطنين … فواقع الجماعات المحلية يؤكد عكس ذلك ويظهر للجميع عجزها وفشلها في تحقيق كل مهامها اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا بل فشلت حتى في تدبير مرافقها العمومية وفوتتها للخواص ضاربة بعرض الحائط البعد الاجتماعي ولم تبال بالزيادات الإضافية في أسعار خدمات عمومية حيوية بعد خوصصتها، الشيء الذي يؤكد مزيد من ضعف الأداء وعدم القدرة على استثمار امثل لمهارة حل المشكلات وترشيد الموارد والإمكانات المادية والبشرية.

صعوبة العمل النقابي داخل قطاع الجماعات المحلية :

نستحضر البيئة المريضة والغير الطبيعية لجماعات المحلية حيث الفساد والإفساد ضرب أطنابه ولا حق لمن يعترض، فكلنا نعلم الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها سلطة الوصاية والإدارة الجماعية في التضييق على الفعل النقابي الجاد حيث ثقافة التسلط واستبداد رجال السلطة المرتبطة بسياسة الحكم في البلاد تجعل العمل النقابي شبه مستحيلا ولها من الإمكانات القمعية المتطورة ما تستأصل به إن وجد مقابل قوانين هشة لا تحمي الموظف الجماعي من بطشهم حتى أن العديد من الموظفين يختار الطريق السهل فيتلون باللون الحزبي المسيطر ويصبح خادما مطيعا للرئيس الذي هو بدوره خادما مطيعا للعامل أو الوالي.

نحن إذن أمام واقع يتسم بثغرات في إطاره القانوني وفي جميع مجالات تسييره ويمتاز بتركيبة جد معقدة، واقع لا يعفي في الحقيقة الموظف من أوزار التسيير المختل بالرغم من بنيويته واعتباره نتيجة اختيارات سياسية فوقية، كما لا يعفي النقابات من القيام بدورها. فلا مجال للمقارنة بين المكاسب المحققة إن كانت هناك مكاتب والقدرات والطاقات الهائلة المعطلة داخل جسم هذا القطاع (150.000 موظف جماعي).

عود على بـدء :

إن الهيكل التنظيمي للجماعة المحلية وتنظيمها المالي يساهم في الاختلالات المذكورة ويصعب على أي منتخب أن يقاوم تأثيرها عليه مهما كان صلبا، مما يؤكد قناعة العمل من خارج مؤسسات الدولة بضغط سياسي وإعلامي …

لتجاوز هذه الوضعية الكارثية للجماعات المحلية لابد من أولويات، من أهمها:

 إيجاد فضاء للتشاور يشمل المنتخبين وممثلي الجمعيات ومختلف الفاعلين .

 تأهيل الجماعات المحلية وهيآت المجتمع المدني والسياسي.

 تأهيل الموارد البشرية وإعادة تكوينهم.

 إعادة النظر في الميثاق الجماعي وسن قوانين جديرة بضبط أداء المنتخبين وبالتحديد :

 نزع اختصاصات رئيس المجلس الجماعي في ما يتعلق بالتسيير الإداري.

 بسط يد المجلس الجماعي بأكمله ومراقبته لشؤون الجماعة.

 الحد من سلطة الوصاية وتدخلها.

وقبل كل هذا وذاك لابد من إرادة سياسية حقيقية للتغيير في هذا البلد حيث أن التدبير المحلي جزء لا يتجزأ من الكل.