تعني المشاركة السياسية في النظم الديمقراطية توسيع مجال المشاركة الجماهيرية في صنع القرار، لذا تتسابق القوى السياسية في صياغة برامج تنال رضى الناخب، وفي حال تحول بوصلة الناس عن إحدى القُوى السياسية إلى نقيضتها، فإن ذلك يحدث في أحايين كثيرة تحولا عميقا في مسار النظام السياسي، وهو ما نجد مثاله اليوم في الانتخابات التي جرت في عدة دول من أمريكا الجنوبية، والتي حملت قوى اليسار إلى سدة الحكم، وما عنى ذلك من إعادة رسم الخارطة السياسية، وتغيير في موازين التحالفات الخارجية، وتحول في كيفية التعاطي مع الثروات الوطنية.

    إن إدارة المعارك السياسية على قاعدة البرنامج، والسعي لإحداث التحولات المعتبرة من خلال المشاركة السياسية تحصل فعلا بحضور شرطها الأولي، وهو امتلاك الحزب المنتخب السلطة الفعلية التي منحه إياه الشعب الذي صوت لصالح برنامجه في نظام ديمقراطي. وهذه كلها أمور تغيب في المنطقة العربية، والمغرب لا يشكل استثناء في هذه المنظومة، إذ أن السلطة الحقيقية تبقى خارج المنافسة الانتخابية.

    لا يختلف أحد في المغرب في أن السلطة الحقيقية في المغرب تبقى خارج اللعبة السياسية، وتظل سلطة مطلقة بيد المؤسسة الملكية التي تمنح الدستور للمواطنين وتعلو عليه، ويظل شخص الملك شخصا مقدسا، وخطاباته لا تناقش، كما تظل الأسئلة الكبرى في المغرب أمرا موكولا إدارته إلى الملكية التي تمتلك بنص الدستور وبوقائع التاريخ الحديث باسم الإسلام، وتدبير قضية الوحدة الترابية، ناهيك عن الانفراد بالأوراش الكبرى في المغرب: التعديل الدستوري، ومسألة التنمية، وقضية المرأة، والإعلام، والقضية الأمازيغية، وطي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المغربي، وورش التعليم، والإشراف على المنافسة لتنظيم كأس العالم…

    إنه لا يمكن أيضا الحديث بتاتا عن سلط مفصولة عن بعضها البعض في النسق السياسي المغربي، أو الحديث عن مفهوم الحكم والمعارضة، وإذا عد النواب أنفسهم ممثلين للأمة بفضل انتخابهم، فإن الملك يظل دائما الممثل الأسمى للأمة بنص الدستور، وشرعيته لا يمكن بتاتا أن تكون محل نقاش، كما أن أفعاله تظل خارج أي محاسبة. هذا، ويظل من اختصاصات الملك تعيين السلطة التنفيذية، كما يعد الممثل الأسمى للمجلس الأعلى للقضاء.

    إن برامج الأحزاب المعروضة على الناخب لا يمكن أن تكون بتاتا جسرا يمررون من خلاله تصوراتهم، بقدر ما يعد عملا تواصليا موسميا مع الجماهير، يجدد للنسق السياسي المخزني حيوته، بمنحه مسحة ديمقراطية متكلفة، ويظل أي فائز في الانتخابات أداة تنفيذية للسياسات التي تحددها خطابات الملك وتوجيهاته وتعليماته، وذلك بنص الدستور أو بما استقرت عليه القوانين المكتوبة والعرفية في حياتنا السياسية.

    إن كل ما سبقت الإشارة إليه لا يغيب عن القوى السياسية الخائضة في اللعبة السياسية بشروطها المعروفة، بل كانت السبب الرئيس في إحجام العديد منها في الخوض فيها في تاريخ مضى، وكان الشرط إذاك وجوب إجراء تعديلات دستورية جوهرية تكون مقدمة أولية لتنقية الأجواء. لكن، جرت تحت الجسر مياه دولية وإقليمية وقطرية كثيرة سارت ضد التيار، إلى أن تم الاستسلام نهائيا بعقد شبه إجماع على دستور 1996.

    إجماع أبقى على كل المضامين المخزنية لنظامنا السياسي، لكن في طبعة جديدة؛ منقحة ومزيدة.