سادسا: من أمهات قواعد الدعوة إلى الله جل جلاله.

أ-معنى القاعدة الدعوية.

من مؤشرات عبقرية العقل الإسلامي، وإن في ظروف تاريخية صعبة، أن تفتق عن عملية صناعة القاعدة العلمية التخصصية لما لها من دور هام في بناء وتدقيق مسالك ومناهج الفهم والعمل والتفكير والاستنباط والتنزيل. فكانت القاعدة التفسيرية، نسبة إلى علوم القرآن الكريم، والقاعدة الحديثية، نسبة إلى علوم الحديث الشريف، والقاعدة السلوكية، نسبة إلى علم السلوك، والقاعدة الفقهية، والقاعدة الأصولية، والقاعدة المقاصدية، والقاعدة اللغوية، أي ما يتعلق بعلوم اللغة، بالإضافة إلى ما صيغ من قواعد تتعلق بعلم الكلام والجدل والمناظرة، وهكذا.

فالقاعدة في اللغة هي الأساس والأصل، سواء في الأمور الحسية كقواعد البيت، أو في الأمور المعنوية كقواعد الدين .

وأما في الاصطلاح فقد عرفها الجرجاني بأنها “قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها” .

وعرفها التهانوي بأنها “أمر كلي منطبق على جميع جزئياته عند تفرّع أحكامها منه…وأنه يظهر لمن تتبع موارد الاستعمالات أن القاعدة هي الكلية التي يسهل تعرف أحوال الجزئيات منها” وعرفها السبكي بأنها “أمر كلي ينطبق على جزئيات كثيرة، تفهم أحكامها منها” .

وعلى هذا المنوال صارت أغلب التعاريف للقاعدة حيث لا تخرج عن المعنى اللغوي وإن حصلت جل التعاريف في سياق بحث القاعدة الفقهية.

ولكن يمكن القول إن هناك فرقا بين تعريف القاعدة من حيث وظيفتها وبين تعريفها بما هي وعاء لمضمون علمي يراد من توظيفها تنزيله ليصير عملا جليا، سواء كان عملا معنويا أو عملا ماديا.

فالقاعدة تحوي مضمونا علميا معينا تكشف عنه ساعة إعمالها كأداة. وهذا ما يدقق مجال القاعدة ويميزها عن غيرها من القواعد التي تنتمي إلى مجال علمي آخر أو التي تحتضن جزئيات أخرى معينة.

وما ينبغي الإشارة إليه هنا، بين يدي التعاريف السابقة التي لم يخرج عنها جل الباحثين إلا لماما، أن صياغة القاعدة تعريفا وبناء حصل في واقع علمي تجزيئي، مما جعل القواعد لا تخرج عن طبيعة العلم الذي تنتمي إليه، في حين لم يحصل الانتباه إلى صياغة وبلورة القواعد الجامعة للفهم والسلوك بالمعنى الدعوي.

فلئن كانت بعض العلوم، كعلم الكلام وأصول الدين وعلم السلوك، جالت في هذا الميدان، فإن الواقع العلمي والمذهبي والسياسي والجغرافي الذي احتضنها لم يسمح لها بالشمولية والكلية اللازمتين لبناء عمل متكامل ومتطور في الواقع الإسلامي، بحيث كانت قواعد عقلية مجردة في غالب الأحيان. مع أن غياب مجالات عن التفكير أثناء صياغة القاعدة جعلها غير شاملة بالشكل المطلوب، وهو ما يبرهن على أن الانتباه إلى ضرورة توفر هذه الشمولية يعني ضرورة إعادة النظر في كثير من القواعد وفي الدلالات والعلاقات العلمية والعملية فيما بينها.

ويبدو أن من مهام عملية التجديد اليوم، الباعثة على الجمع على مستوى الفهم والإرادة والعمل والسياسة والجغرافيا، الاشتغال الكبير والواضح على تدقيق وصياغة هذا النوع من القواعد لتهيئ الشروط العلمية والعملية المناسبة لإحداث نهضة الأمة الشاملة للقيام بواجبها الدعوي الرسالي.

ومن هنا، فالقاعدة الدعوية تؤسس لعلم جامع وعمل شامل، فضلا عن وظيفتها التجديدية لإعادة صياغة كثير من العلوم وترتيبها وتدقيق العلاقة فيما بينها.

ولذلك فمصدر القاعدة الدعوية هي السيرة النبوية بما هي التجلي الوحيد الصحيح والشامل للقرآن الكريم على أرض الواقع، وكذا السيرة الصحابية بما هي النموذج البشري منظور إليه من خلال فهم جامع للسيرة النبوية المطهرة. وهذا، حتما، يتأسس على قراءة جديدة للسيرة النبوية تفضي إلى عرض جديد لها يستفيد من التراث العلمي لعلمائنا، رحمهم الله، عبر تاريخ المسلمين، لكن لا يحاكيه من أية جهة، إذ بناء المستقبل الإنساني في مرحلة إنسانية جديدة لن يحصل إلا من خلال هذه العملية التجديدية الشاملة التي تبني أمة جديدة وناهضة مباشرة بالتلمذة الكاملة على سيرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وبناء على هذا، فالقاعدة الدعوية: هي أساس علمي سلوكي كلي، تبنى عليه جزئيات علمية وسلوكية، مع تدقيق العلاقة بين العلمي والعملي على المستوى الفردي والجماعي في الفهم والسلوك خلال تنزيل المقتضيات العلمية للقاعدة واقعيا.

فالقاعدة الدعوية، بهذا، لا تفصل بين العلم والعمل وتجعل الأول إماما للثاني، كما لا تهتم بالمعاني الفردية في معزل عن الدلالات الجماعية، بحيث توفر إمكانية التدقيق في العلاقة بين المجالين علميا وعمليا حتى لا يحصل التعارض أثناء العمل، أو التجزيء المخل بالعمل من أساسه، كما تدرك مراتب المصالح وأعيانها وأولوياتها في العمل بمعناه الفردي والجماعي، وهذا يقارب، شيئاما ما سماه بعض العلماء بتحقيق المناط الخاص.

فلما يحصل استثمار القاعدة الدعوية في سياق تجديدي شامل، فإننا ندرك معناها العلمي وما يطلبه على المستوى السلوكي بمعناه الجهادي، المتحدث عنه في الحلقات السابقة من هذه السلسلة، حيث تظهر القاعدة أداة عملية جامعة ممتدة في المستقبل وفاعلة في الواقع المعيش.

وما ينبغي التنبيه إليه هنا أن صياغة قواعد تجديدية دعوية لا يعني إلغاء المجهود العلمي العظيم الذي تفضل به علماؤنا الأجلاء على الأمة والإنسانية، وإنما يعاد النظر في هذا المجهود الكبير ليستثمر في سياق عرض جديد للسيرة النبوية في كليتها وتنزيلها على أرض الواقع في صورة متكاملة وشاملة تستقيم بها الأفهام والأعمال، والعلاقات الفردية، وبين مكونات الأمة، ومع الإنسانية جمعاء.

فالقاعدة الدعوية بالقدر الذي تؤسس لدلالة علمية، فإنها تبني سلوكا مستقيما متوافقا مع مضمونها العلمي الجامع بين الدلالة الفردية والدلالة الجماعية على استقامة تامة، حيث في الوقت الذي يبنى بها سلوك الفرد يبنى بها واقع الأمة كما يبنى بها واقع إنساني، أي نظام عالمي مبني على أسس العدل والحرية والكرامة.

ب-أهم القواعد الدعوية التجديدية.

1 -العمل المستقيم يبنى على التكامل التربوي والتوازن العملي.

أولا: الدلالة العلمية.

إن الناظر في السيرة المطهرة والمتدبر للقرآن الكريم يكتشف أن رجال الله يمتازون بواقع تكاملي في التربية والسلوك.

ولعل الانحرافات التي أصابت المسلمين في حركتهم الكلية وما ترتب عليها على مستوى الأفراد والأفهام هي مصدر غياب واقع تكاملي جامع يحافظ على قوة الأمة بالحفاظ على كل مواصفات الشخصية المؤمنة المتكاملة الفاعلة في التاريخ المحافظة على قوة الأمة وعزتها وقيامها بدورها، وهو ما ترتب عليه بعثرة شديدة بين المسلمين في علومهم وأفهامهم وسياساتهم وأرضهم.

فهذه القاعدة تصوغ مضمونا علميا يصنع فهما مدققا في عمل الجوارح بعد التدقيق في موقعها في أخذ العلم وبناء العمل.

فالمطلوب شرعا الاستقامة؛ قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[الأحقاف:الآية 13]، وقال سبحانه وتعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً)[الجن:الآية 16]. والاستقامة هي القيام على الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، والفطرة أن تستعمل كل جارحة وكل أمر في مكانه الذي كان من أجله، بحيث إن توظيف الجارحة، أو أي وسيلة، في غير محلها المفطورة له يفضي إلى ارتباك شديد، أو فساد كبير، في حال الخطإ، وإلى ظلم فظيع في حال القصد. لذلك حرم الله الظلم والفساد. فالدين هو الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، قال تبارك وتعالى:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ((الروم: الآية 30).

ولهذا بعث الله الأنبياء والرسل عليهم السلام لبيان حقيقة الفطرة ووسائل الحفاظ عليها.

فالتربية الإسلامية متكاملة لأن مصدرها فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولذلك فهي، أي التربية الإسلامية، تحقق التكامل لأنها:

*تأخذ قلب الإنسان فتضع فيه رحمة.

*وتأخذ عقله فتضع فيه حكمة.

*وتأخذ جسمه فتضع فيه قوة.

ولذلك كانت جماعة المسلمين، التي بناها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، رحمة كلها وحكمة كلها وقوة كلها.

قال الله تبارك وتعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )[المائدة: الآية 54].

وقال جل وعلا: ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً )[الفتح: الآية 29].

احتارت العقول في تحقيق الحقيقة والظفر بها، وفي ذلك تنافس الفلاسفة والحكماء والمفكرون والكتاب والفنانون، وغيرهم كثير؛ فمنهم من قال إن الحقيقة تكتشف بالعقل، ومنهم من قال تكتشف بالقوة أو الحركة، ومنهم من قال تكتشف بالإرادة كأصحاب رياضات اليوكا وغيرها.

نعم، يمكن أن يظفر الإنسان عند إعماله وسيلة من هذه أو أكثر بشيء من تلك الحقيقة عند من يعتقد أن هناك حقيقة، أما من لم يسلم ابتداء بأن هناك حقيقة وجودية فقد استسلم وعاش العبثية ودعا إليها كحقيقة أمام جهله بالحقيقة.

أما بساطة وعمق التربية الإسلامية، فقد جعلا الأمر منسجما مع فطرة الإنسان حيث بينت النبوة أن التربية والتزكية، وهي وظيفة الأنبياء والرسل عليهم السلام، هي الطريق الذي فيه يظهر مكان القلب، ومكان العقل، ومكان الجسم.

فليس العقل هو مصدر المعرفة، وإنما هو مبين لها ومنظم ومفصل لها بعد أن تستقر في كليتها عبر حركة قلبية جامعة منجمعة في أحشاء القلب، ويتحرك الجسم، سواء كان جسم إنسان، أو تنظيما، لقيامها على أرض الواقع كما هي في أصلها.

عَنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:(وَأَهْوَى النّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إلَىَ أُذُنَيْهِ) إنّ الْحَلاَلَ بَيّنٌ وَإنّ الْحَرَامَ بَيّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، فَمَنِ اتّقَى الشّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرّاعِي يَرْعَىَ حَوْلَ الْحِمَىَ، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلاَ وَإنّ لِكُلّ مَلِكٍ حِمىً، أَلاَ وَإِنّ حِمَى اللّهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلّهُ وَإذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْب) [رواه البخاري ومسلم].

نفهم من هذا الحديث، ومن خلال السيرة النبوية المطهرة، أن الأصل هو امتلاك الرحمة القلبية. وإذا كانت عملية الامتلاك هذه على المنهاج النبوي، أي على الطريقة النبوية، فإنها تكون نورا يتجلى في حركة وفعل جميع الجوارح. ولذلك فالأصل في العمل الإسلامي هو التربية التي تزكي القلب حتى يتنور بنور القرآن الذي هو حقيقة النبوة المحمدية، وبهذا تكون عملية العقل حكمة، لأن الحكمة نور يؤتيه الله تعالى من يشاء من عباده. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ الْمُؤْمِنَ، إِذَا أَذْنَبَ، كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ. فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ فَلْبُهُ. فَإِنْ زَادَ زَادَتْ. فَذلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي كَتَابِه.”كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون”[المطففين:الآية:14]) [وراه: أحمد وابن ماجة والترمذي].

كان صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ولذلك فالرحمة النبوية طريقها تحقق الصحبة لهذه الرحمة المبعوثة للعالمين. فنرجع إلى أن الأصل في تعلم الدين والفقه فيه هو الصحبة، وبكمال الصحبة يكون كمال الدين .

ثانيا: الوظيفة السلوكية (العلمية).

ننظر إلى الوظيفة السلوكية لهذه القاعدة الذهبية من خلال تجليها في مستويين، وذلك بعد أن نقرر بناء على الدلالة العلمية أعلاه أن الأصل في الفعل لتغيير الواقع وصناعة التاريخ هو عمل القلب، لكن ليس بالمعنى العاطفي الساذج، وإنما المقصود القلب الذي ملأت أحشاءه أنوار النبوة وحقائق المعرفة الإلهية التي تسطع على الفكر فتصنع له قوة كبيرة في معالجة قضايا الناس، كما تظهر في الحركة قوة هادئة متئدة مغيرة.

أ-في تجليها على المستوى الفردي.

يقال إن الأمور تعرف بأضدادها. سنطبق هذا المعنى على قاعدتنا هذه، فنتصور، ولو افتراضا، أن العملية التربوية لم تكن متكاملة على صورة أن نجرد إنسانا من الرحمة القلبية التي مصدرها النبوة والوحي، فلن تكون قوته إلا عنفا لما تجرد من حقيقة الرحمة القلبية المترتبة على العلم بالله تعالى حق العلم المفضي إلى كمال العلم بحقيقة الإنسان. وهذا ليس افتراضا بل واقعا عند كثير من العاملين في حقل الدعوة أفرادا وتنظيمات، لأن مزاولة العنف المادي والقسوة القلبية أمر مخالف تماما لحقيقة الدعوة إلى الله جل جلاله.

كما في هذه الصورة لا تكتمل صورة الحكمة العقلية، لأن قاعدة النور الذي يغطيها فقدت بفقدان الرحمة القلبية الشاملة. وفي هذه الحال يكون فقدان الحكمة العقلية متجل في مجالين:

الأول: في مجال الاجتهاد الفكري، حيث تحصل كثير من الانحرافات والانزلاقات والاضطرابات في التعاطي مع القضايا الفكرية الكبرى التي تحتاج إلى عمق نظر مبني على اجتهاد فكري كبير. ولعل كثيرا من معاناة الإنسانية عبر تاريخها هو فقدان الحكمة التي ظلت ضالة الحكماء والفلاسفة وكبار المفكرين.

والثاني: في مجال الاجتهاد الاستنباطي، حيث يقع اختلال كبير في فقه مقاصد الشارع، والعلاقة بينها، وكيفيات تحديدها وتحقيقها والموازنة فيما بينها عند ضرورة الترجيح.

وإن كمال التربية يوفر إمكانية كبيرة للاجتهاد الموفق في المجالين.

هذا على مستوى المرشحين للاجتهاد، أما على مستوى عموم الناس، فإن كمال التربية يوفر نورا فاصلا بين الحق والباطل يؤدي إلى معرفة الحمى الإلهي واتقاء الشبهات، فضلا عن الصفات الخلقية التربوية الدعوية التي تترتب عن التكامل التربوي، ومنها:

-الرفق الكامل والحلم الشامل والابتسامة الدائمة: الرفض المطلق لكل صفات العنف والغلظة والقسوة والحرص على سيادة معاني المحبة في الله والبغض في الله.

-التواضع لله والذلة على المؤمنين والشدة على الظالمين المعتدين على خلقِ الله عيالِ الله.

ب-في تجليها على المستوى الجماعي.

ينظر إلى هذا المستوى من خلال ثلاثة مجالات:

الأول: مجال الجماعة المجاهدة، إذ هي قلب المجتمع الإسلامي النابض حين يرعاها التكامل التربوي للأفراد. فتكون القيادة إحسانية، ويكون التنظيم قويا ويكون اجتهاده الفكري الحركي السياسي مصيبا لكونه حكمة دائرة على قواعد المحبة والنصيحة والشورى والطاعة، ويحتضن كل ذلك عمق فكري كبير بحيث يترجم كل هذا إلى مشروع مجتمعي واضح وأصيل وعملي، يتحرك وفق خطة متئدة يميزها العلم بكل مرحلة وبوسائل العمل فيها. أي أن الأمة هي محتضنته وراعيته لأنه صار هو قضيتها.

الثاني: مجال الأمة. إن عمل الجماعة بالمعنى أعلاه الذي يعم واقع المجتمع ويغطي جميع مؤسساته، وترعاه ذمم المؤمنين المجاهدين الصابرين، يؤسس لبناء القواعد المعنوية والمادية التي تجعل الأمة مؤهلة لحمل الرسالة إلى العالمين؛ رسالة الرحمة والرفق والقوة الحامية للإنسانية من ظلم الظالمين والمفسدين.

الثالث: مجال الإنسانية. وتكون تلك الحماية متجلية في بناء نظام عالمي عادل وآمن ومستقر ومطمئن. إنه نظام الخلافة الراشدة.

فالخلافة الراشدة سعي إنساني حثيث لتحقيق التوافق بين قصد الله تعالى من كونه، وقصده من شريعته، وبين قصد المكلفين، وهو مقتضى:(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان)[النحل: الآية:90]، حيث قيام قواعد البناء الإنساني الأخوي التي تبحث عنها الإنسانية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فهذه القاعدة الذهبية من قواعد علم المنهاج النبوي في التربية والتعبئة والبناء تفتح أفقا تربويا أخلاقيا عاليا يبني عليه أفق اجتهادي فكري يفضي إلى عمل متكامل ومتوازن. إنها عملية صناعة الرجال والتاريخ، وهي عملية مخالفة تماما لعملية تكريس العجز الإرادي والعلمي، والسجن في دهاليز تاريخ منحرف وغير مستقيم على جميع المستويات.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

في الحلقة القادمة، بحول الله تعال، نعالج القاعدة الثانية وهي:

العمل المستقيم جامع بين معاني الطاعة الفردية والطاعة الجماعية.