لعل كلمات الذل والهوان والخضوع والاستكانة.. باتت من المصطلحات اللصيقة بواقع عربي يرثي حاله من غياب قيادات أبية في جبين الدهر. وحكام شمم في مستوى اللحظة التاريخية التي تمر منها الأمة العربية الإسلامية. دعنا من واقع الحال- فليس هاهنا مقام الحديث عنه- لنسأل أسئلة شغلت الألباب والعقول. نطرحها لعلنا نضع الضماد على الجرح الغائر في واقعنا العربي المغلوب على أمره.. فما الذي يجعل شخصا – حقيقيا أو معنويا- ذليلاً خاضعاً، مكسور الشوكة، مهيض الجناح، منكس الرأس.. حاكما كان، أو حكومة أو دولة أو شعبا ؟ أهو الطبع البشري في حب الحياة و الحرص عليها ؟

أرى كلَّنا يبغي الحياةَ لنفسه * * * * * حـريصاً عليها مستهاماً بها صباً

أم هي قابلية الخضوع التي تفُض العزائم وتفقد القدرة على الصمود والمقاومة… ولله در المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي الذي يقول: “ما استعمروك إلا وفيك قابلية للاستعمار”؟ أم هي الطبائع في اختلافها وتباينها فذاك أورثه طبْعُه الجبنَ والخوفَ، وهذا أورثه طبعُه الجرأة الإقدام والحزم..

فحبُّ الجبانِ النفس أورثه التقى * * * * * وحب الشجاع النفسَ أورثه الحربا

هذا البيت مع سابقه لشاعر الإباء والأنفة أبي الطيب المتنبي، وكلمة “التقى” فيه تعني : الخوف .. أم هل هي الرهبة، التي تَقعُد بأصحابها وتقوم، من مصير مَن سبق مِن تجارب التكالب العالمي على كل قضية أو شخصية حاكمة تروم التغريد خارج السرب أو تقترب من النصر؟ حقا إن من له أدنى دراية بالتاريخ الحديث يلمح هذا التواصي البغيض من لدن الأجهزة الصليبية واليهودية العالمية على من اشْتُمتْ منه رائحة الإباء والاستقلالية عن تلك الأجهزة الهدامة والماكرة.. وللتذكير، فقد أسقط المنتظم الدولي الماكر السلطان العثماني عبد الحميد بعد أن رفض الانصياع لأطماع اليهود في إيجاد وطن لهم بفلسطين. وعندما وقف الملك فيصل في وجه أمريكا، في أواخر أيامه، مستخدما سلاح النفط قتلوه.. وعندما رأت أمريكا “ضياء الحق” مؤيدا للمجاهدين الأفغان، خشيت أن يصل قادة الجهاد الأفغاني لإقامة حكم إسلامي في باكستان، إذ ذاك أحرقوا طائرته وضحوا بسفيرهم الذي يرافقه وأغدقوا الأموال الطائلة في الانتخابات هناك، وجاء “مورفي” مبعوث أمريكا للشرق ومكث أسبوعين فيها حتى ركز الأوضاع الجديدة ثم عاد..وهكذا فعلوا مع “أحمد أبيلو” رئيس وزراء نجيريا الأسبق الذي أسلم على يديه الالآف من الأفارقة ورفض أن يكون لليهود موطئ قدم عندها قتلوه وأحرقوا بيته على أسرته.. واللائحة من هذا القبيل طويلة.أم أن طنين قولة “جاك بوميل” الدبلوماسي الفرنسي بعد حرب الخليج الأولى لازالت تطن بها آذان حكامنا ودبلوماسيينا. إذ قال نقلا عن مقال للدكتور المهدي المنجرة بجريدة لوموند بتاريخ 1993/04/01 :” إن التهديدات التي تواجهنا تلك التي أظهرتها حرب الخليج )يقصد ظهور دولة كالعراق تخرج عن نغمة السرب الدولي(..إنه في مواجهة هذه المخاطر المتعددة أصبحت فرنسا وأوربا في حاجة إلى ثلاث وسائل أساسية هي: قوة تدخل قادرة على التدخل بأسرع وقت في أي منطقة، ونظام فضائي للمعلومات والمراقبة، ودرع لمواجهة أي قصف وحشي”.أم هل حقا في مصلحة الشعوب والحكام الانكفاء إلى زويا الذل والهوان خوفا من تدخل أجنبي مرتقب أو إعدام زعيم منتظر، أو محاكمة تردي صاحبها في زنزانة، ومحكمة بحارس وقاض أمريكيان ؟ أم هو التذرع بالظروف الدولية والإقليمية التي لا تسمح بالتغريد خارج السرب، وبعيدا عن النغمة الأمريكية الغربية المهيمنة والمالكة لصناعة القرار الدولي؟ أم هو الخوف من لامنطق : “إن لم تكن معنا فأنت ضدنا”؟ أم أن لسَانَ حالِ حكامنا ومقالِهم يردد مقولة العربي الذي قال لأخيه في مقام التخويف والتحذير: “أنج سَعْد فقد هلك سُعَيْد”..! قالها الزعيم “الأعظم” في نظر نفسه معمر القدافي، قالها حسا وقولا وعملا بعد أن رأى بأم عينه ما حدث لصدام العراق وعراق صدام. وقالها بقية من الحكام في صمت ينِم عن جواب بليغ مِلْؤه الذعرُ والخوف.. وقالها البعض الآخر بلا تردد في خطبهم وتصريحاتهم في معرض “النصح”عند اندلاع حرب الخليج الأولى والثانية… لم يكن ذلك في الحقيقة “نصحا” أملته مبادئ الوضوح والمصلحة الأخوية للرجل وشعب العراق الجريح، بل كان فضحا لخوف لم يَقْوَ أصحابه على كتمانه عن جماهير الرأي العام العربي والدولي.أما بعد: فمن خلال نقائص الخانعين والخائفين يتحكم فينا طواغيت العالم ومستكبريه. والحالة هذه فلا محيد لنا عن مسيرة التحرر من الظلم المصلت على الرقاب في بلاد المسلمين مقدمة بين يدي الاستقالة أمام التبعية الذيْلية للغرب أيا كانت وجهته.حتى نخرج من تحت نير الرضوخ، ونسترجع القدرة على المبادرة، ونحل وَثاق الهوان..