خصت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 1993 يوم 03 ماي يوما عالميا لحرية الصحافة للفت الأنظار إلى أهميتها والمخاطر التي يتعرض لها الصحفيون لنقل الخبر والبحث عن الحقيقة وخدمة القارئ؛ ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا اليوم مناسبة لإصدار تقارير عن حصيلة حرية الصحافة في العديد من الدول وفرصة لتقييمها وتقويمها وقوفا على الإنجازات والتعثرات والإكراهات.

وفي المغرب شكلت المناسبة، هذه السنة، فرصة أخرى للوقوف على حقيقة خطابات المسؤولين المتشدقة بهامش الحرية الذي يتسع يوما بعد آخر، فقد صنف تقرير لجنة حماية الصحفيين بلادنا ضمن الدول التي شهدت تراجعا شديدا في حرية الصحافة خلال الخمس سنوات الأخيرة، بل إنه قارنها بتونس في مجال سجن الصحفيين.

والواقع أن التقرير لم ينقل إلا جزءا من الحقيقة، فالصحافة اليوم تعاني أكثر من أي وقت مضى لأسباب عديدة منها:

1- أنها لم تكن تجد في الماضي صعوبة لإقناع الرأي العام بالتضييق الذي يطالها والقمع الذي يلحق الصحفيين لأن وسائل التضييق كانت أنذاك بدائية ومكشوفة.

2- المهام الملقاة على عاتقها اليوم صارت ثقيلة، فقد تحولت الصحافة، بدون إرادتها، إلى صف معارضة الفساد وفتح ملفات الماضي واقتحام بعض الخطوط الحمراء، وساهم في هذا التميز الفراغ السياسي الحاصل وانبطاح أغلب الفاعلين السياسيين.

3- أصبحت الصحافة اليوم وحيدة في الميدان دون حماية من السياسيين الذين أصبحت لهم حسابات خاصة، إن لم نقل أنهم باتوا يضيقون ذرعا بعملها وجرأتها.

لقد كان المغرب سباقا لسن قانون منفتح ومتطور للصحافة منذ 15 نونبر 1958 ولكنه ظل متخلفا في الممارسة حيث لم يحل النص القانوني دون التضييق العملي، ثم ما لبث أن ضاق ذرعا بهذا النص كذلك فأخضعه لمجموعة مراجعات شكلت تراجعا عن مجموعة من المكتسبات. وهكذا لم يساهم القانون في ضمان حرية الصحافة وحمايتها، ويبدو أن الترسانة القانونية ليست كفيلة وحدها بضمان حرية الصحافة في دولة لا تعطي السيادة إلا للتعليمات وتكيف القانون على هوى الحاكم. ولا نفتأ نؤكد بأن اختزال حرية الصحافة في نص قانوني جيد مقاربة تبسيطية وتسطيحية لن تؤتي أكلها ما لم يرافق ذلك قضاء مستقل وسلطة محايدة تحترم القانون نصا وروحا. لكن المثير في الآونة الأخيرة هو لجوء المسؤولين إلى أساليب جديدة للتضببق على حرية الصحافة، وسبب ذلك خوف من التقارير والحملات الخارجية التي باتت تشوه سمعة بلاد ينفق المسؤولون الملايير من أجل تحسينها.

هناك اليوم تطور وإبداع في التضييق على حرية الصحافة، وهذه بعض الأمثلة:

1 -سلاح الدعم: فالدولة تقدم دعما لبعض الصحف على أسس غير موضوعية، وتتخذ منه وسيلة للتحكم في خطها التحريري ومكافأة المقربين منها والانتقام ممن يرفض أن يكون بوقا دعائيا لها. ونظرة بسيطة على المبالغ المنشورة في المجال تزكي هذا الاقتناع.

2 -التحكم في سوق الإشهار: وهو كذلك لا يخضع لمعايير موضوعية ومنطق مقبول، مثل حجم الانتشار أو التوزيع أو التخصص، فهناك صحف تستفيد من مداخيل خيالية رغم محدودية انتشارها، مقابل صحف محرومة منه رغم سعة الانتشار. بل هناك ضغط على بعض رجال الأعمال حتى لا يتعاملوا مع جرائد بعينها. وليست هناك حاجة للتأكيد بأن مداخيل الإشهار صارت تشكل موردا مهما لاستمرار الجريدة الورقية في زمن الفضائيات والأنترنت والجرائد المجانية.

3 -توظيف القضاء: يلاحظ في الآونة الأخيرة استغلال القضاء في التضييق على حرية الصحافة من خلال المبالغة في مبالغ الغرامات التي صار هدفها إعدام الجريدة وليس رد الاعتبار. وهناك أكثر من سابقة في هذا الباب تؤكد أن الأمر مرتبط بخطة ومنهجية وليست مجرد مصادفة.

4 – الحق في الخبر: حيث تتعامل مؤسسات الدولة بانتقائية مع وسائل الإعلام على أساس الولاء، فتمكن صحفا مقربة منها من المعلومة وتزودها بالأخبار وتمنحها سبقا وانفرادا، وتمتنع بالمقابل عن تزويد باقي الصحف بالأخبار؛ بل إنها في أحيان كثيرة تمارس عليها أنواعا من الضغط والتعتيم، والتضييق والتهديد ضد كل من يتعامل معها من الموظفين وما شابه ذلك.

5 -الانتقائية: حتى الهامش الضيق الذي استطاع مناضلون انتزاعه بعد تضحيات جسام لا يستفيد منه الجميع على قدم المساواة، فهناك نفس الرأي يغض الطرف عنه في جريدة مقربة من السلطة وتحاسب عنه جريدة أخرى ترى فيها السلطة خصما. وهناك سوابق في هذا المجال.

6 -الدعاوي القضائية الفردية: منذ القرار المشؤوم الذي كان أصدره الوزير الأول آنذاك عبد الرحمن اليوسفي بإيقاف ثلاث جرائد دفعة واحدة وما رافق ذلك من حملة ضد المغرب بدأت السلطة تنهج خيارا آخر حيث تقف على الحياد، ما أمكنها، وتدعم في الخفاء أشخاصا لرفع دعاوي ضد جرائد مزعجة بسبب جرأتها، ثم يكمل القضاء المهمة بإنزال أقصى العقوبة على الجريدة. وهذا ما يصعب المهمة على الهيئات الحقوقية وخاصة حين تدعي السلطة أن النزاع بين أشخاص ولا دخل لها فيه وأن الحكم صادر عن جهاز القضاء الذي يجب احترام استقلاليته!!!.

7 – المكافأة التلفزية: وهي الحلقة الأخرى لمسلسل التضييق، حيث هناك تحكم في الوجوه الصحفية المدعوة للبرامج الحوارية، وهناك تضخم في الدعاية لمنابر بعينها وتشويه أو اختزال لمضامين صحف أخرى أو تهميش لها.

والأدهى والأمر هو التحكم في ضيوف البرامج التلفزية حيث ما زالت المكالمات الهاتفية سيدة الموقف في اختيار هذا الموضوع وتفضيل هذا الضيف على ذاك، ويتعامل مع الصحفي المنشط كأجير ليس له إلا السمع والطاعة. ولهذا فالتلفزة إلى اليوم محرمة على بعض الوجوه، ومنهم ساسة ومثقفون وفنانون وصحفيون… والمواطن، وهو ممول هذه التلفزة، ممنوع من مشاهدة ما يريد.

بل إن التحكم اتسع ليشمل قنوات أجنبية تهدد بالمنع من البث إن لم تتراجع عن الموضوع الفلاني أو تلغي دعوة فلان، أو تستبدل فقرة بأخرى. وكل هذا يجعل التحرير المتحدث عنه للقطاع السمعي البصري فارغا من أي مضمون ومحتوى. وقد ذاق كاتب هذه السطور بعضا من هذا.

8 – إغراء الصحفيين: وهذا أسلوب تلجأ إليه أحيانا حيث يتم إغراء صحفيين بمؤسسات بعينها ووعدهم بامتيازات أكثر وأجور أعلى للتأثير على أداء هذه الصحف، وجعلها تتخبط دائما في بدايات التأسيس.

9 – تشتيت الجسم الصحفي: وذلك بتسليط الصحفيين بعضهم على بعض لتنفير القارئ وتسطيح الأداء المهني للصحف، وتقف السلطة موقف المتفرج.

هذه بعض من إبداعات العهد الجديد للحد من حرية الصحافة بأقل الخسائر مع التحايل على المنظمات الدولية. وبالطبع فمن لم تنفع معه هذه الوسائل الحديثة فالقديم منها موعده. ونعني بها الحجز والإيقاف والسجن وتهديد المطابع وشركات التوزيع وغير ذلك من الوسائل الممجوجة. لذلك لا نستغرب تشبث واضعي المشروع الجديد لقانون الصحافة بالعقوبات السالبة للحربة وللحجز الإداري للصحف لأنه سلاح يحتاجونه بين الفينة والأخرى، فالطبع يغلب التطبع ومن شب على شيء شاب عليه والأساليب الملتوية سرعان ما تنكشف، وحينها لا يصح في الباب إلا المنع والسجن والحجز و…

ولكن المطمئن هو خط الاستمرارية الذي يطبع مسار العديد من الصحف والصحفيين الأوفياء لمبادئهم والمخلصين لمبادئ مهنتهم، وكذا تجاوب القراء مع هذه الصحف. هذا ما يبشر بخير. لكل هؤلاء، صحفا وصحفيين وقراء وممولين، تحية احترام ودعاء بالثبات والنبات حتى تنفرج غمة الاستبداد. أليس الصبح بقريب.. كل آت قريب.