لا يماري منصف في كون الإسلام دينا واقعيا، وأن الواقعية صفة تحلت بها أحكامه ورسختها تجربته التاريخية.ولا تقتصر هذه الصفة على مجال دون آخر بل تطول كل التشريعات والتعاليم الإسلامية. ولعل أبرز مجال تتجسد فيه الواقعية هو المجال السياسي.

   تقتضي الواقعية السياسية في الإسلام تقدير المصلحة وتمييزها عن المفسدة، وتحديد أيهما أسبق، وحجم كل منهما مقارنة بالأخرى، ثم التخطيط الدقيق للسلوك السياسي الكفيل بجلب المصلحة ودرء المفسدة. كما تقتضي الواقعية التقدير الحقيقي لمختلف الظروف من خلال التشخيص والدراسة وليس بمجرد الاعتماد على الانطباعات أو الاستسلام للرغبات والميول. و تفرض الواقعية أيضا التحلي بالمرونة اللازمة للتعاطي مع الواقع المتغير والمتقلب. غير أنه يجب التمييز بين المرونة في تصريف المبادئ والمرونة في اعتمادها. فالحالة الأولى مطلوبة لما يترتب عليها من انتقاء الوسائل الملائمة ومراعاة الظروف في ترتيب الأولويات والتدرج الحكيم، وهذه مبادئ دينية لاغبار عليها، بل مأمور بها شرعا وعقلا. أما في الحالة الأخرى فالمرونة تفرض التخلي عن المبدإ حين لايتسع الواقع لاستيعابه أو تطبيقه، ومن هنا يصبح من المشروع الانقلاب عليه واستبداله بما يقبله هذا الظرف أو يرتضيه. يقول العلامة حسين فضل الله:”إن واقعية الحركة ليست في انسجامها مع الأطروحات المتحركة في الساحة، بل في الوسائل العملية والمراحل المتعددة والظروف الموضوعية التي تتكامل بأجمعها من أجل الوصول إلى الهدف الذي يحمل في داخله بوادر التغيير”.هناك إذا فرق بين مراعاة الواقع والرضوخ لإكراهاته والاستسلام لها، خاصة إذا كان هذا الواقع فاسدا وفاقدا لشرعية الوجود ومشروعية الاستمرار.

   فهل ينبغي باسم الواقعية الانغماس في اللعبة السياسية المحددة قواعدها خارج إرادة الفاعلين السياسيين، والانجرار وراء رهاناتها وحساباتها دون الوعي بمخاطر ذلك والتي قد تصل ـ كما هو الشأن في كثير من الأحوال ـ إلى مناقضة الذات وإعادة إنتاج السلوك السياسي للخصم بحلة إسلامية أو تحت لافتة إسلامية، مما يهدد بالذوبان وفقدان المصداقية والرصيد الاجتماعي، فضلا عن استقلالية القرار والخيارات السياسية. فالفاعل السياسي الإسلامي يكون مطالبا باستمرار بإثبات حسن النية للسلطة مما يترجَم في الواقع بقبول تنازلات، والسكوت عن تجاوزات، وخفض سقف التدخل المعارض .ولعل مجال المشاركة السياسية في مؤسسات الدولة تعتبر أكبر تجلّ للتعاطي مع هذا المفهوم.بدءا من المشاركة في الانتخابات وصولا إلى تولي مهمات التسيير أو المناصب الحكومية. فباسم الواقعية السياسية وضرورة التدافع الواقعي ومزاحمة المشاريع السياسية الخصم، يتم حصر نطاق هذه المشاركة في الدخول في اللعبة السياسي واتباع المسار الذي تفرزه. قد يكون هذا السلوك منطقيا ومنسجما مع التصور الإسلامي للفعل السياسي على المستوى النظري، غير أن واقع الحال في هذا البلد ينبئ بغير ذلك، فالانتخابات، منذ الاستقلال السياسي، لم تخرج عن نطاق كونها مهرجانا لتوزيع الأوهام وتسويق الوعود الكاذبة وتعميق اللاوعي وإفساد الذمم وخدمة الاستبداد بكل أبعاده. فما تفرزه الانتخابات من مؤسسات لاتتعدى فعاليتهاـ على قلتهاـ التصويت على قوانين يقترحها(يقررها) المجلس الوزاري، أو عقد جلسات جوفاء للإجابة عن أسئلة بعيدة عن حقيقة ما يعاني منه المواطن، والأمثلة أكثر من أن تحصى. ألا تقتضي الواقعية السياسية في هذه الحالة العمل على إيقاف هذا العبث بدءا بمقاطعته والتميز عنه، ثم جمع الجهود المخلصة لدرء المفسدة العظمى التي هي الفساد والاستبداد، وإحلال المصلحة العظمى: العدل والشورى؟