سقـف بيتي حديـد      *****     ركن بيتي حجـر

فاعصفي يا ريـاح      *****     وانتحب يا شجـر

واسبحي يا غيـوم      *****     واهطلي بالمطـر

واقصفي يا رعـود      *****     لست أخشى خطر

شعر لمخائيل نعيمة تغنى به يوما الملك الراحل الحسن الثاني ـ رحمه الله ـ مستشهدا به عن استقرار المغرب ومناعته ضد أي عدوان يستهدفه؛ لكن المتتبع للشأن العام للبلاد اليوم يرى العكس تماما، إذ تحول بيت الدولة المغربية إلى بيت عنكبوت، يستشعر القائمون عليه الخطر من أي موقف أو حركة مهما كانت بسيطة أو ذات طابع فردي، فغدا الهاجس”الأمني” متحكما في قرارات الدولة وتوجهاتها، بعيدا عن أية استراتيجية تنموية تنشد تحسين ظروف الحياة الكريمة للمواطن، وتضمن انخراطه في بناء كيان قوي وذي مناعة، ركنه من حجر، وسقفه من حديد، فلا يخشى عصف الرياح، ولا يتهدده قصف الرعود.

وتحريا للوضوح والقصد أسوق مثالين اثنين سارت بذكرهما الركبان في الآونة الأخيرة:

المثال الأول:قضية رقية أبو عالي

تلخص القضية في فضيحة أخلاقية تورط فيها بعض موظفي الدولة في جهازي القضاء والأمن، والأمر وما فيه يتطلب تحريا دقيقا يخلص لقرارين لا ثالث لهما: إما أن ما نشر كذب وبهتان، والأشرطة مفبركة، وهذا يترتب عليه متابعة من أنتج وروج لهذه الأقراص، وإما أن فضيحة أخلاقية وقعت، وهذا يعني أن المتورطين يجب أن يتابعوا وفق المساطر المعلومة، وليس في هذا أية إهانة للقضاء أو مس باستقرار البلاد، وإلا فالرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون توبع بملف تحرش جنسي، لم تستنفر خلاله الولايات المتحدة حاملات طائراتها في المحيط الهادي، مثلما استنفرت دولتنا الشيوخ والمقدمين والجمعيات المحنطة لتنظيم وقفات احتجاجية وجمع توقيعات ضد مواطنة تحولت بين عشية وضحاها إلى “غول” يقض مضجع الدولة، لتضطر إلى توظيف مخزونها الاستراتيجي من المتابعات القضائية، فنفض الغبار عن ملفات كانت قد طويت، ونقب على تهم لا تبلى، والتخريجات القانونية لا تعدم أهل الاختصاص، فيكفي الإشارة بالبنان،وتحديد المقاس، فإذا المطلوب جاهز،”وإنما الأعمال بالنيات”؛هكذا تصبح رقية أبو عالي محاطة بتهم ومتابعات. ومع ذلك يبقى السؤال مطروحا عن ضرورة تخليق الإدارة وأجهزة السلطة،حتى تحظى برضا وثقة المواطن اطمئنانا على مصالحه،وصونا لحقوقه وكرامته.

المثال الثاني:قضية الفنان رشيد غلام

تابع الرأي العام أطوار محاكمة شاب ذنبه أنه فنان يشق طريقه نحو المجد والنبوغ الفني رغم كل أشكال التضييق والاستنزاف والإقصاء،لا لأن أغانيه ثورية، بل لأنه استعصى عن التطويع والتدجين، واختار أن يكرس موهبته الفنية لمدح خير البرية وإمام الرسل وسند هذه الأمة سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه من خلال الانخراط في إطار دعوي وسياسي ارتضاه سبيلا هو جماعة العدل والإحسان، وحيث إن نجمه الفني سطع في أرض الكنانة، وهزت نبرات صوته الندي أهل الاختصاص في فضاء دار الأوبرا المصرية،ارتأت أجهزة الدولة أن تختطفه “وتكرمه” ـ بترقيق الراء ـ وتتابعه بتهمة التحريض على الفساد بعد أن سقطت في يدها تهمة الخيانة الزوجية، ليقضي الفنان رشيد غلام ثلاثين يوما في ضيافة الدولة بسجن الجديدة.

هل بلغ وهن الدولة هذا المبلغ، وضاق صدرها من كل صوت أو رأي؟ وكيف تفسر الحملة القديمة التي تجددت ضد جماعة العدل والإحسان قبيل أسابيع من ذكراها الأولى التي دشنتها السلطة يوم 24 ماي 2006، ووفرت لها تغطية إعلامية، تطوعت فيها أقلام مأجورة مرتزقة لتصفية حسابات سياسيوية ضيقة مع خصم سياسي عنيد.

حملة تتجدد لتتورط فيها رسميا أجهزة أمنية(DST)،بالتهديد بعد الترغيب، فمن تلميذ بتنغير إلى رجلي تعليم بزاكورة وأولاد تايمة،إلى صيدلاني بسلا،إلى طبيب وطالب باحث بالبيضاء،وما خفي أعظم…رسالة مضمونها واحد:”إما أن تتعاون مع أصحاب الحال،وإما لن يعجبك حال،وفضيحة رشيد غلام تغني عن كل مقال”.

عجيب غريب واقع الدولة، لو حدث هذا في بلد الحق والقانون صدقا وحقا لا زعما وادعاء لقامت قيامة، واستجوب أقوام،وتوبع كثيرون، واستقال رئيس هذا الجهاز الذي يصرف عليه من مال الشعب ليحميه في هويته، ويقيه غدر المتربصين به،لا ليرعب المواطنين، ويقض مضاجعهم، وينغص عليهم حياتهم، ومن خالف منهم القانون يتابع وفق المسطر من القوانين؛ أما أن تعمد الدولة بمختلف أجهزتها للتشويش ثم التهديد بالتشويه، تشويه شرف المواطن وسمعته، فهذه غاية الخسة والدناءة،وقمة الهزيمة أمام جماعة سلمية ترفض العنف، وتستعصي على الاستدراج إليه.وخير ما نختم به أبيات شعر يقول فيها الناظم(*):

إن أوهـى النسج نسج العنكبوت      *****     تـخـذت مسـكـنها بين البيـوت

وكـذاك الظـلم فـيمـا بيـننا      *****     يتـلاشـى إن نهـضنا لـنمـوت

أو نـقـيم العـدل فـي دولـته      *****     رافعين الصوت في وسط الصموت

ــــــــــــــــــــــــ

(*) ديوان “شذرات” للأستاذ عبد السلام ياسين ص:39و40.