لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم – [email protected]

فِيكُمْ مَنْ رَأَى..؟ فيكم من صَحِبَ..؟

ما صدق مُحِبٌّ في حبٍّ إلا مُلِئَ سمعُه بِرَنِيمِ غُنَّةِ محبوبه فلا يسمع إلاَّ نِدَاءَه في جَوْفِ روحه وصداه، وانْحَجَبَ بصرُه بِطَيْفِ ظلِّه فلا يرى في الخلق سواه، وانشغل فؤادُه بِمُحَلَّى ذكراه، وسُبِىَ لُبُّهُ بِجميلِ صورتِه ولَطِيفِ معناه، واسْتُعْمِرَ قلبُه بنديِّ زهره فَضَاعَ (تَعَطَّرَ) روحُه بزكِيِّ شذاه.

يالمحبة الحبيب صلى الله عليه وسلم!

كيف يصبر المحب عن رؤية المحبوب صلى الله عليه وسلم؟ كيف وما رأى رَاءٍ آيةً من آيات الله وما تَلاَ تالٍ من كتاب الله إلاَّ وَدَّ لو يُقَبِّلُ الأرض بين يدي من جاءنا بنورهما وبفلاحهما من عند ربه؟ وأنَّى يتحمل ما لا يُحْتَمَلُ وما من حديث نبوي إلاَّ وهو مَزِيدُ وقودٍ في تَنُّور الشوق إلى النور الكامل صلى الله عليه وسلم.

أَفَلِهَذَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ لِي حُبّاً قَوْمٌ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأََهْلِهِ وَمَالِهِ” ؟!

ما أعظمك وما أحلمك وما أرحمك يا رسول الله.. صلى الله عليك وسلم..

تُخَفِّف من لوعات مُحِبِّيك بِذِكْرِكَ معرفتَكَ بشدةِ تعلقهم بك وعِلْمَكَ بقوةِ استعدادهم لبذل كل النفس وكل الأهل وكل المال لقاءَ نظرة واحدة فيك ومنك صلى الله عليك وسلم!

نظرةٌ فيك تُشْبِع ببركتها جَوْعَاتِ قلوبِهم وتُرَوِّي بِنَدَاهَا ظَمَأَ أرواحِهم. ونظرةٌ منك يتعرضون بها لإشعاعات نورانيتك تَنْفُضُ بِنَافُوضِهَا كيانَهم فتشفي بِتِرْيَاقِهَا أَدْوَاءَهم.

فكيف يفعل من فَاتَهُ فَضْلُ الصُّحْبَة وحُرِمَ بركات الرُّؤْيَة؟

بل كيف يتحقق خَتْمُ النبوة وخُلُودُ الرسالة المحمدية إن ذَهَبَ أهلُ السبق من الصحابة بالفضل كله وحُرِمَ “إخوان” النبي صلى الله عليه وسلم صحبتَه ورؤيتَه والتربُّعَ بين يديه لدى عتبات منبره والمسيرَ في ركبه والجهادَ تحت لوائه والاستظلالَ بظله صلى الله عليه وسلم وشهودَ لحظاتِ الوحي وتَنَزُّلَه غضّاً طريّاً في آنِِهِ وأوانِه إلى آخر الزمان؟

كيف؟

قال النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ (جَمَاعَةٌ) مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ”.

جماعةٌ من الناس يَسْتَفْتِحُونَ بصحبتهم لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَيُفْتَحُ لهم.. وجماعةٌ يستفتحون برؤيتهم مَنْ صَحِبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَيُفْتَحُ لهم.. وجماعةٌ يستفتحون برؤيتهم مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَيُفْتَحُ لهم!!!

الكل يَسْتَفْتِحُ والكل يُفْتَحُ له، وكَلِمَتَا السرِّ في هذا الاستفتاح هما: “صَحِبَ” و”رَأَى”، ومَجَالُ هذا الاستفتاح وعُمُرُهُ ومداه هو مجال وعُمُرُ ومدى الرسالة الخالدة من مَهْدِ النبوة المحمدية إلى قيام الساعة.

والكل على قدم المساواة وعلى المسافة ذاتِها من خط الانطلاق والتسابق في مضمار الاستفتاح وعلى مدارجه؛ مع ميزةِ “وِسَامِ الأُخُوَّة” الذي وَشَّحَ به صلى الله عليه وسلم صدرَ كلِّ مَنْ آمن به ولم يره ممن يأتي مِنْ بَعْدِهِ صلى الله عليه وسلم.

وبهذا “السَّنَدِ”: “رُؤْيَةِ مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ” وبهذه “الْعَنْعَنَة” يتحقق خَتْمُ “مَتْنِ” الرسالة المحمدية وخلودُه.

فطُوبَى لِمَن اسْتَطَبَّ بترياق محبته صلى الله عليه وسلم تحت عَيْنَيْ “مَنْ رَأَى”، وبشرى لمن شرب من إزاءِ حوضه فارتوى لِظَمَإِ قيامته بِيَدِ “مَنْ صَحِبَ”، ويا سعادة من تدثَّر ببردةِ خُلُقِه و”كان خلقُه القرآنَ” ، والفوزُ المبينُ لِمَنْ استظل بظل إِسْوَتِه “لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً” ، وكُلُّ النعيم لمن أَنِسَ في قربه بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فـ”مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً” ، وليطمئِنَّ من احتمى بحصن شرعه وشريعته فـ”لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً” ، ولْيَصْدُقْ ولْيَثْبُتْ من سار في إثر نوره صلى الله عليه وسلم، “فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” ، وهنيئاً لِمَنْ قصد في مَشْيِهِ إلى منتهى غايته “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ” ، وَلِمَنْ غَضَّ من هَمْسِ خواطره في حضرته، “إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ” .

لو كان للحب مرادف أقوى في التعبير عن نسبة المحب الْوَلِه إلى ثمرة القلب ومهوى الفؤاد، ولو كان بمقدور مَنْ أخْرَسَه جلال العظمة المبثوثُ في شخص بشرٍ يوحى إليه أن ينطق بما يُفْهَمُ، ولو كُتِبَ لمن حَجَبَتْهُ سجوف نفسه أن يخرقها إلى ما وراء المشهود من المغيَّب من كرامة خير الخلق عند ربه وأحبِّهِم إليه… ولكن… ولكن ما يفعل محبٌّ تعلَّق قلبه برحمة العالمين ونورِ السالكين، وهَفَتْ روحُه إلى أنيسِ المستوحشين ودليلِ الحائرين، وهامَتْ نفسه في راحةِ الْوَانِينَ ومطلوبِ القاصدين وشفيعِ اليائسين إلا من رحمة الله فاحتار بين يَدَيْ سيدِه ومولاه ومَمْدوحِه وحالُه كمن ينطق بغير لسان ويُفصح بغير بيان؟

المحبون الأُوَل

أمل واحد يعيش له المحب: رؤيةُ من يحب ولُقْيَاه.

لَمَّا احْتُضِرَ بلال رضي الله عنه نادت امرأتُه: وَاحُزْنَاهُ؛ فقال: “واطَرَبَاهُ، غَداً نلقى الأحبة محمداً وحِزْبَه” .

وعن عَبْدَةَ بنتِ خالد بن مَعْدَانَ قالت: ما كان خالد يأوي إلى فراش إلاَّ وهو يذكر مِنْ شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يُسَمِّيهِمْ ويقول: “هُمْ أَصْلِي وَفَصْلِي، وإليهم يَحِنُّ قلبي، طال شوقي إليهم، فَعَجِّلْ رَبِّ قَبْضِي إليك”، حتى يغلبه النوم .

شوقٌ وحنين واستعجال للقاء الأحبة.

“يُسَمِّيهِمْ”! يذكر كلَّ واحد منهم باسمه كأنه عِقْدٌ نُورَانِيٌّ نَظَمَ فيه -إلى وَاسِطَتِهِ صلى الله عليه وسلم- كلَّ أحبابه حَبَّةً حَبَّةً، يتقرَّبُ بمحبتهم إلى ربه ويستأنس بأرواحهم في وحدته ويدعو لهم ويستغفر. لَكَأَنَّهَا رابطةٌ رَبَطَ بِمَتِينِ حبالِها قلبَه إلى جُذُوعِ أرواحِهِم يستدبر دنيا الناس ويستقبل دار أحبته حيث النعيم المقيم. وما زاد شوقُه إليهم وحنينُه إلا بكثرة ما كان يدعو لهم كل ليلة لا يُسْكِتُ لسانَه الرَّطْبَ بذكرهم في حضرة المولى تعالى ولا يَغْلِبُهُ إلاَّ النومُ!

وهذا زيد بن الدَّثِنَة حين قُدِّمَ للقتل قال له أبو سفيان بن حرب: أَنْشُدُكَ اللهَ يا زيد، أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟

فأجاب السيدُ جوابَ الواثق من حبه:

“وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّداً الآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنِّي جَالِسٌ فِي أَهْلِي”!

فقال أبو سفيان: “ما رأيت في الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً” . وقتلوه رحمه الله ورضي عنه وهو على عهد المحبة ثابت لم يتزعزع.

أي كلام عن المحبة أبْلَغُ بعد كلام زيد بن الدّثنة؟ بل أي كلام أَفْصَحُ من دمه المهراق على مذبح الشهادة؟

أي كلام بَعْدُ؟!!!