من أتيحت له مشاهدة عرض الفنان الساخر أحمد السنوسي “بزيز” أثناء حفل افتتاح مؤتمر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان يخرج بانطباع واحد لا ثاني له، وهو عدم جدوى أسلوب الحصار وفشل سياسة المنع الذي تعرض له منذ سنين في عزله عن جمهوره، والحد من إشعاعه، وثنيه عن التصريح بما يعتقده وما يؤمن به من مبادئ وما يعتنقه من مواقف.

    من تتبع العرض يرى كيف كان “بزيز” واثقا من نفسه، متمكنا من مادته، حيويا في حركته، متجاوبا مع جمهوره. هذا على المستوى الفني والنفسي.

    أما على مستوى المبادئ والأفكار والمواقف فمضمون العرض يؤكد أنه مازال متشبثا بما ظل يدافع عنه ويدعو إليه.

    وتجاوب القاعة، التي غصت عن آخرها بما في ذلك الممرات، معه يؤكد أنه فنان مرغوب فيه، وبضاعته مطلوبة، وله عشاقه وجمهوره، وحجبه عنهم تعسف على حقهم في مشاهدة ما يحبون.

    أمام كل ما سبق لا يسعنا إلا الاستغراب والاندهاش للمنطق الذي لا زال يحكم أصحاب قرارات المنع هاته. من المستفيد منها؟ ومن المتضرر؟ وما الهدف؟

    لو كانوا منطقيين مع أنفسهم لراجعوا سياساتهم هاته لأنها فشلت في تحقيق هدفها، إن لم نقل حققت أهدافا عكسية. وهذا يتكرر مع أكثر من شخص وحالة.

    بالأمس اعتقل الصحافي علي المرابط وسجن وأضرب عن الطعام حتى كادت روحه تفارق الحياة، ثم صدر في حقه الحكم الغريب: المنع من ممارسة مهنة الصحافة لمدة عشر سنوات. فماذا كانت النتيجة؟ هل تراجع عن مبادئه؟ هل خضع لتعليمات مانعيه؟ لا…

    وبالأمس القريب تم الضغط على صحافي آخر، هو بوبكر الجامعي، لجعله يتراجع عن مواقفه ويغير من الخط التحريري لمجلته، ومرة أخرى يوظف القضاء لتصفية حسابات كان الأولى أن يقف فيها على الحياد. فماذا كانت النتيجة؟

    غادر لمرابط والجامعي المغرب مكرهين وبقيا وفيين لما دافعا عنه وهما بداخله، وخسر المغرب سمعته وشوه صورته التي يبذر الملايير لتلميعها، وسود المانعون صفحات من سجلهم الذي ظلوا يفتخرون به. ونفس الأمر فيما يخص قضايا أخرى كثيرة: ندية ياسين، رشيد غلام….

    وحبذا لو راجع المانعون أنفسهم، فالمنع والقمع ليسا السلاح الأنسب لمحاربة أصحاب الفكرة والكلمة والقلم والنغم. وهاهو ذا “بزيز” في عرضه الأخير يؤكد ذلك، فهو مازال، رغم ما يقارب عقدين من المنع، متهمما بقضايا أمته، ومتجاوبا مع نبض الشارع، وقادرا على التقاط تفاصيل الحياة اليومية معلقا عليها بسخرية هادفة ودلالات عميقة وموقف ثابت وزاوية نظر شعبية ومنهجية متكاملة. وهذا ما يعطيه قبولا بين الناس وحبهم وثقتهم وتقديرهم. وأنعم بها من نتيجة تجعل صاحبها مرتاح البال والضمير والنفس.

    أما المانع فحتما سيتعب لأنه يدرك بعد كل هذه السنين أنه نمر من ورق وصيحاته لا تخيف إلا أمثاله وأغلاله لا تكبل إلا ضعاف النفوس وعديمي الإرادة، والأكيد أنه يستحيي من نفسه في لحظات الخلوة والصفاء مع الذات. وما أسوأ تعذيب الضمير وازدواج الشخصية.