الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلف عباده فيها لينظر كيف يعملون، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ الشمس: 7-10] ، والمسلم قد فهم طريقه وحدد غايته وهدفه، وعمل على إحياء قلبه فعمل منذ الوهلة الأولى على أن يكون” قوي الجسم, متين الخُلُق, مثقَّف الفكر, قادرًا على الكسب, سليم العقيدة, صحيح العبادة, مجاهدًا لنفسه, حريصًا على وقته, منظَّمًا في شئونه, نافعًا لغيره”. غير أن كثيرا من المسلمين لم يصلوا إلى هذه الدرجة لعدم وجود من يعينهم على الحق.

قال الإمام الشهيد حسن البنا: “إذا لامست معرفة الله قلب الإنسان تحول من حال إلى حال، وإذا تحول القلب تحول الفرد، وإذا تحول الفرد تحولت الأسرة، وإذا تحولت الأسرة تحولت الأمة، وما الأمة إلا مجموعة من أسر وأفراد”.” كل مسافر في طريق ما لابد من التزود بكل ما يحتاجه على طريقه بما يهىء له أسباب السير وتحقيق الغاية، وطريق الدعوة- وهو كل شىء فى حياة الداعي إلى الله- أولى الطرق بالاهتمام بما يلزم من زاد” كما قال الأستاذ مصطفى مشهور.

لقد جمع الإسلام بين جنباته أفضل الوسائل لتهذيب النفس، وتجديد الروح، وتزكية الأخلاق، وعلى المسلم العمل على إحياء قلبه قبل توقفه للأبد، والتزود ببعض معينات الطريق التى تساعد على اجتياز عقبة الدنيا.

أولا: الشعور بالحاجة إلى الله.

إن محبة الله عز وجل والقرب الدائم منه هى الحياة الحقيقية للقلوب، من تذوقها فقد فاز بنعيم الدنيا والآخرة.

قال أبو الفتح البستي:

يا خادِمَ الجِسم كمْ تشقى بخِدْمَ * * * * * لِتطلُبَ الرَّبحَ في ما فيه خُسْرانُ

أقبِلْ على النَّفسِ فاستكمِلْ فضائلَها * * * * * فأنتَ بالنَّفسِ لابالجِسمِ إنسانُ

فلنستشعر حاجتنا إلى الله فى سجود الليل وركوعه، وقرآن الفجر ودموعه، وذكر الموت وأخباره، حتى تحيا قلوبنا، ولنظهر الذلة والخضوع دائما إلى الله ولنشعر أنفسنا أننا فى أشد الحاجة إليه سبحانه، يذكر الدكتور رمضان البوطى أن أحد الناس ذهب إليه يشتكى له حالة وأسكب الدمع بين يديه، فقال له: لوأنك وقفت هذه الوقفة بين يدي الله فأسكبت هذه الدمعات لكان هو أرحم بك منى”، فمن منا غنى عن الله ؟!!! ومن منا لا يشعر بحاجته إليه؟!! فلما التأخر فى اللجوء إليه، ولما التردد فى عمل الصالحات وإخلاص النيات ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ

فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[هود: 14-15].

ثانيا: قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف

إن الصلاة مصدر أساس ودائم ومتجدد، تزكى القلب وتسمو به عن جواذب الأرض وتعين على تخطى العقبات، فالصلاة صلة وقرب من الله، وما أحوجنا إلى هذا القرب نشكو له ضعفنا، ونتجرد من حولنا وقوتنا لنحيا فى كنف حوله وقوته، ولنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم الأسوة فقد كان إذا حزبه أمر قال:” أرحنا بها يابلال” .( رواه أبو داو( .

وندعو الله أن يزيل هم قلوبنا، فالصلاة للمؤمن كالواحة الفيحاء وسط صحراء الحياة وقسوتها، فمع صوت كل نداء حي على الصلاة تهفو القلوب، وتسكن الروح، وتعلو الهمة، وتسارع الأجساد للوقوف بين يدي الله وتكون القلوب أقرب إلى ربها فى سجودها، فما أحوجنا لهذه الوقفات، وما أحوجنا للوقوف في صلاة الفجر، نسمع الله شكوانا، فصلاة الفجر أصبحت تشكو إلى الله قلة زوراها، قال”(ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها” (رواه مسلم: عن أمنا عائشة رضي الله عنها)، وقال صلى الله عليه وسلم (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، و لو يعلمون ما فيهما لأتوهما و لو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً يصلى بالناس، ثم أنطلق معى برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ) [أخرجه البخاري ( 1/170 )، ومسلم ( 2/123 )

والسياق له]، وقال: “من صلى أربعين يوما الصلوات في جماعة لا تفوته فيها تكبيرة الإحرام كتب الله له براءتين: براءة من النفاق وبراءة من النار” أخرجه الترمذي من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات.

فهيا ننفض غيار النوم عنا، فنتطهر ونسارع الخطى إلى المساجد نستمد الزاد منها، ولنجتهد في أخذ المعينات لنيل هذا الشرف، مثل النوم على وضوء، والتبكير في النوم مالم يكن أمر مهم، ومحاولة اقتناء منبه أو الاستيقاظ عن طريق صديق، ولنضع بعض التعزيرات لأنفسنا في حالة تخلفنا عن الصلاة كأن أصوم اليوم الذي لا أصلى فيه الفجر في جماعة، أو أحرم نفسي من شيء حبيب إلى قلبي في حالة التخلف عن الصلاة، لكي يحيى القلب قال تعالى:﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[السجدة:16

ثالثا: إحياء سنة

لقد أصبحنا فى زمن ضاعت فيه الفرائض قبل السنن، وأصبح المنكر معروفا، والمعروف منكرا، وأصبح المسلم يأتي الفرائض بشق الأنفس وقد نسى قوله صلى الله عليه وسلم

“من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من

أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة فعمل بها كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من

أوزار من عمل بها شيئا .” [رواه ابن ماجه، وقال الألباني: “صحيح بما قبله (

يقول الأستاذ مصطفى مشهور:” إن إتباعنا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل أمور حياتنا يجعلنا نحيا دائماً في حال من الوعي الداخلي و اليقظة الشديدة وضبط النفس ، فيصبح كل شيء نفعله أو نقوله مقدوراً بإرادتنا خاضعاً لمراقبتنا الروحية ، نحاسب أنفسنا عليه قبل أن نحاسب يوم القيامة”، فصلاة الضحى تساعد على حياة القلوب، والذكر يساعد على حياة القلوب، وقضاء وقتك وأنت على وضوء دائم يحيى القلوب، وإتباع سنته في المأكل والمشرب والملبس والنوم واليقظة والتعامل مع الآخرين حياة للقلوب.

رابعا: التخلق بالأخلاق الحسنة

قال الإمام الغزالي في تعريف الخلق إنه: ” هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية” والأخلاق الحميدة تأخذ صورا عديدة وسلوكيات متنوعة جاءت يبعضها نصوص قرآنية ووردت أخرى في السنة النبوية، مثل: بر الوالدين، وصلة الرحم، والأخوة، والرحمة، والبذل، والرفق، وغيرها. وإذا ما تأملنا قيمة هذه الأخلاق الكريمة في ديننا الحنيف فإننا سنجد أن الرسالة المحمدية قد أعطت للخلق الحسن قيمة كبيرة، حيث مجدت صاحب الخلق الحسن تمجيدا، وذمت ذا الخلق السيئ ذما.

فعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء” سنن الترمذي.

وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس” مسند الإمام أحمد: 1/415.

إن التخلق بالخلق الحسن والتجمل بكريم الآداب ومحاسن الأخلاق في التعامل مع سائر خلق الله، يجعل العبد المؤمن ينال من الدرجة والمنزلة ما لا يناله بغيره من الأعمال والعبادات، ويساعد على حياة القلب. ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ

كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام 122.