“الشباب ثروة بلادنا” شعار يقوم بتسويقه في أيامنا هذه على شاشات التلفاز سماسرة الانتخابات يحتالون بذلك على رغبة شباب آيس قامت شواهد الحق من واقعه الممزق كل ممزق على يأسه وبؤسه وضيعته، ليستميلوه إلى تجارة سياسوية  بتعبير السياسة-فيها ربح البائع والمشتري والسمسار..ولا ربح له فيها إلا أنه رأسمالها المستغل فيها.

ثروة وسماسرة وتسويق.. مصطلحات منسجمة بعضها من بعض, فكلها ينتمي إلى عالم السوق وينحدر من قاموس الاتجار ويصل بسبب إلى قانون العرض والطلب.

“الشباب ثروة”: هذه كلمة حق وصدق, أصاب وأحسن من وضع التعبير وأضاف فيه الصفة إلى الموصوف، فاتسق.

ثروة ثمينة غالية عزيزة هم شبابنا. فأي شيء فعل دهاقنة السوق وسماسرته في ثروتنا وهي رأسمال مجتمعنا,، وهي وقود اقتصادنا ومحرك سياستنا، وهي قوة تعليمنا، وهي معيار رقينا وانحطاطنا؟

كيف تعامل الدهاقنة والسماسرة مع هذه الثروة؟ لعلهم حفظوها واستغرقوا الجهد في إنمائها وحسن توظيفها بما يعود بالربح على اقتصاد بلادنا وسياستنا؟

أم لعلهم احتكروا السوق واستغلوا الثروة ونهبوها وأضاعوها وأسرفوا في تبذيرها؟

الشعار شعار حق وصدق لولا أن الكثير من الساسة-التجار الانتهازيين استعملوا الشباب  الثروة كأخس ما يكون الاستعمال فيما يرجع بالنفع على مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم -ومنها الوصول إلى مراكز القرار المفرغة من واجبها تجاه المواطنين- وهم في ذلك بعيدون كل البعد عن هموم وآلام الشعب المسكين المفقر المجهل، وهم ضائقة حويصلات مسؤوليتهم عما يقاسيه في يوميات معاشه.

فكان الشباب في بلادنا، مدة عقود من الزمن، مجرد رأسمال يبذر تبذيرا وينهك ويستثمر أسوأ استثمار ليتحقق لبعض المنتفعين المسيطرين على السوق بما فيه رفاه في العيش ووسع في المعاش ويسر وتقلب في النعمة مع الفوز-بعد إقامة سوق الانتخابات الموسمية ومشاركة الشباب- بواجهة سياسية “مشرفة” تحفظ ماء الوجه السياسي في الداخل وفي ساحة الدبلوماسية العالمية، وتخفي هشاشة الوضع وتلبسه زورا لبوس الرشاد، ثم لتؤول الثروة بعد سوء الاستثمار وبعد الإفساد فيه كأنها هباء تناثر أو كأنها بقايا هشيم تطاير.

أليست الانتخابات في بلدنا سوقا تباع فيه الذمم وأصوات الناس وتشترى؟ بل وتباع فيه حتى البرامج السياسية وتستنسخ استنساخا هو أشبه شيء بال”إيميتاسيون” الذي تشهده أسواق البضائع؟

أليست الانتخابات سوقا موسمية وهي يحمي وطيسها عند إقامتها فإذا قامت فعلى دعامات التزوير والغش والكذب والنفاق السياسي….ثم إذا هي انطوت أيامها وطويت صفقاتها وظفر بالغنم مروّجوها ذهبت معها في غياهب النسيان وعودها وتغيرها ومشاريعها وبرامجها، وأقبر في أجداث الإهمال والحرمان شبابها& ورجالها ونساؤها؟ ثم لتعود في الموسم القابل يحمي من جديد وطيسها  على نفس النهج-و يتأجج سعيرها؟.

ففيم التحايل على رصيد الأمة أو المراهنة على ثروة البلاد؟..وإن الشباب لحقا رصيدها وإنهم لحقا ثروتها.

تعددت مواسم الانتخابات في مغربنا الكليم بجراحه، جيلا بعد جيل منذ عهد “الاحتقلال” لم نر حال الشباب، المطلوب مشاركته المراود على أصواته لإنعاش سوق بدا للبادي والحاضر بوارها، ازداد معها إلا تدهورا إلى القهقرى وإغراقا في الانحراف والدعارة وفساد الأخلاق, وهروبا إلى مجاهل “الحريك” في قوارب الموت وتعاطي كل أنواع المخدرات، قبل أن يطلع علينا بوجهه المظلم المتجهم اختيار الانفجار الانتحاري, الشباب هم الجناة فيه لكن هم أيضا ضحاياه، يفعلون ذلك ثورة -هي انطماس الفهم وضلال الاجتهاد- ضد واقع فاسد يكرهونه ومجتمع متفكك يجافونه ويطلبون بذلك إصلاحا في زعمهم وليس ذلك بمصلح من فساد الواقع وتفكك المجتمع شيئا.

إنما يأتي الإصلاح والتغيير على حسب صفاء القلوب وزكاة النفوس وطهارة الأرواح عند الشباب والرجال والنساء، بالتوبة إلى الله تعالى، والهبة الإيمانية، واليقظة الإحسانية، وهزة الشوق إلى لقاء الله تعالى، وإيثار ما يبقى على ما يفنى، مع الانتظام في صف الجهاد كما ينبغي أن يكون الجهاد قوة وفاعلية ورحمة وحكمة وتدرجا وسلما لا خبط عشواء، لإحقاق الحق وإقامة العدل والنصفة بين الخلق.

إنما يأتي الازدهار والرقي بتعليم متحرر من الاستعمار الثقافي المذل المخل, راسخ المبادئ واضح الأهداف سديد البرامج, قريب من الشباب مقبل إليهم غير مدبر عنهم, واقتصاد مستقل، لا تابع مشدود إلى عجلة دوائر الاقتصاد العالمي المستكبر تدور به حيث شاءت وتطحنه تحت كلكلها..اقتصادٍ أساسه التوزيع العادل للثروات وإرجاع الحقوق المالية إلى أصحابها بدل احتكار الثروات الذي يزيد غنى الأقلية تفاحشا، ويركن في حمأة الفقر المذقع غالب الناس، ولا يكون ذلك في غير ممارسة سياسية ديمقراطية من حيث وسائلها لا من حيث روحها اللائكية اللادينية، تقوم الانتخابات فيها على قدم الشفافية والنزاهة، ودعامة الجد والحزم, ويسندها دستور مختار لا ممنوح، تتفتق عنه إرادة الشعب ورضاه واختياره لا فرض الحاكم وإكراهه.

الخلاصة: في مغربنا ترتفع أسعار”الشباب-الثروة” وتلتهب عند حلول مواسم الانتخابات, فإذا ولت وأدبرت رخص رخصا مهينا ثمنه.