كعادته يحاول المخزن تدشين حملة أخرى على جماعة العدل والإحسان من أجل تركيعها والنيل منها. لكنه أساء الاختيار، عندما انتقل من توقيف الأئمة، وتشميع البيوت إلى طرد الموظفين ومحاكمة المسئولين، وانتقل إلى الاعتداء على الفنانين. هذه المرة كان فريسته الفنان رشيد غلام.

حاول الأيادي الخبيثة “فبركة” كمين له من أجل النيل من شخصيته معنويا، وتكسير عطاءاته الفنية، التي تجاوزت حدود المغرب، لتصل إلى باقي الدول العربية والأوربية، خصوصا تألقه الأخير بـ”الأوبرا” في القاهرة. فعوض أن يحتفى به كصوت مغربي مثل المغرب في تظاهرات وأمسيات عالمية، كان فيها طائرا حرا، يشدو أنغاما نقية صافية، وألحانا عذبة قوية، يتغنى فيها بالجمال، بالحب، بالخير، بأسمى معاني الحياة، زج به في الاعتقال، بتهمة حبكها منفذوا “التعليمات”.

كان حضوره بالقاهرة ـ كما قالت إحدى الصحف ـ حضورا متميزا. إذ احتفي به وطلب منه الاستقرار بمصر، وطلب منه توظيف صوته أكثر من خمس عشرة سنة. يتقاضى على ذلك أجرا قد لا يحلم به، مع ذلك أبى ورجع إلى بلده، فرحا منتشيا، لعله يستقبل استقبالا يليق به.

فكان أول مؤشر على بداية “قهرته” وصوله إلى المطار راجعا من القاهرة، حيث ثم تفتيش كل ما يحمله من متاع كباقي الناس وزيادة. علم فيما بعد أن هذه الزيادة ليست “من راس لحمق”. و بقيت الأيادي الخبيثة تنتظر الفرصة المواتية لتنال منه، لأنه فنان، وعضو في جماعة العدل والإحسان، ولأن الانتماء لهذه الجماعة اليوم جريمة في القانون، عفوا بل عند من هم “فوق القانون”. قام المخزن بمسرحية فصولها محبوكة، لكن ينقصها الإخراج الفني السليم. فصل مثله “سريو” المخزن، وفصل مثله “صحافيو” المخزن “سلخوه اوعراوه من حوايجو وضربوه وداوه لدار الدعارة وقالوا خيانة زوجية”. هذا عمل يعرفه كثير ممن ذاقوا وبال المخزن، لكن الغريب هو إذاعة ذلك من طرف وكالة الأنباء للمغرب العربي، وتسويق هذه القصة من طرف إعلام قيل أنه مستقل. فقبل أن يأخذ القضاء مجراه حكمت “صحافة الرصاص” على إدانة الفنان، وأصدرت حكم الفساد عليه، وكان ذلك مادة خام للنيل من سمعته الوطنية والدولية، وسمعة الجماعة لأنه من أبنائها.

هذه الحادثة نسجلها للتاريخ، في حق صحافة “تمخزنت” فأصبحت ناطقة رسمية باسمه. أيكون الاختلاف في وجهات النظر وتقدير الواقع، وطرق معالجته مبررا لهذا الحقد الدفين، الذي لا يراعي خلقا ولا أدبا في رمي الآخر بالزنى أو الفساد. أي تحزب هذا؟ بل أي “تمخزن” هذا؟ وهنا أشد على أيادي رجال ونساء جريدة “المساء” الذين تعاملوا مع الحدث باحترافية ومهنية متجردة، جعلتهم ينالوا حظا من انتقاد “صحافة الرصاص”.

كنا نتساءل دائما لماذا رجال ونساء الفن بالمغرب يتمنون الهجرة إلى الشرق؟ ويتمنون الاستقرار بالقاهرة؟. أيبالغون في وصف هذه الحالة الفنية، التي يعرفها المغرب، عندما يذكرون، كثرة الوسطاء والدخلاء وقلة العقلاء، وعندما يذكرون رفع شأن أصوات وخفض آخرين. لم يبالغوا إذن، فعليك أن تنظر وتحصي عدد الفنانين الذين رحلوا بل “هربوا” إلى الشرق. العدد ليس بالقليل، فإما أن تغني “كلوا العام زين” أو تسقط فريسة للنوادي الليلية، أو تستقل بكرامتك، وتستقيل من مهنة حكم عليها بالضياع الاجتماعي والتمزق النفسي. فهذه صورة الفن ! وهكذا يحتفى بالفنانين عندنا!

فإما أن تعيش “القهرة” وأنت تتمنى العيش بالقاهرة، وإما أن تتألق بالقاهرة وترجع إلى بلد “القهرة”.

مراكش 31/03/2007