حُكم العقل

على العقلاء في كل زمان أن يعترضوا على سفسطة الظالم الغشيم ببديهيات الحس السليم، و أن يدفعوا منطق الحَجَّاجِ بحُجة المنطق، وأن يدحضوا إرهاب السلطة ببرهان العقل، وأن يصدعوا بكلمة الحق عند صولة الباطل. لكن العقل -في زمن الديكتاتوريات العربية- صار أسير أهواءٍ براجماتية تستغله شر استغلال، ترقص على جراح الأطفال الجياع والنساء الأرامل والشبان العاطلين والعُمال الكادحين والفلاَّحين البؤساء. فلا تكاد تجد من مثقفي أمتنا وعلماءِ بلاطاتِ حُكامها من يُعرف معروفا أو يُنكر منكرا. انتشر الفساد الأخلاقي والإداري والمالي، وعمَّ الفقر والجهل والظلم والاستبداد بتخطيط مُحكم من طرف جوقة الحكم الجبري، الجاثمة على الصدور، المنتهكة للحُرَم، المشجعة للرذيلة، المقصية للفضيلة.

فلا يغترن مغربي واحد بصياح جوقة الفشل التي تروج لبهرجة الانتقال، ولا بنُباح سماسرة السراب الذين باعوا عقولهم لحامل السيف بأبخس الأثمان. لأن الصياح والنباح من أخلاق الضعفاء، وأمثال هؤلاء لا يعول عليهم في رفع ظلم إذا وقع، وإنما يدورون مع السلطان والشيطان حتى يلُفهم القدر إذا نزل.

للمخزن فنه

دولة المخزن تِنِّين وقِح وقذر  حسب تعبير توماس هوبز- أينما تململ أفسد، وكلما دخل إلى قرية إلا وقال له الفساد خُذني معك. أفسد التعليم والإعلام والقضاء والصحة والمال والسياسة والرياضة والمسجد والبادية والمدينة… وكذلك الفن. حيث ما وُجد فساد منظم وخطير إلا ووراءه تخطيط وتخبط للمخزن. هذا من الثوابت الوثنية. وتذكَّر إن شئت من يحمي حِمى المخدرات والخمور والدعارة، ومن يُحصِّن المافيات وعصابات الاختطاف والتعذيب والقتل! وتفكَّر فيمن مكَّن المجرمين الكبار من مؤسسات الشَّعب حتى قتلوا فيها روح النزاهة والجدية والمروءة والوطنية! وانظر ما فُعِل بالنقابات والجمعيات والأحزاب كيف أُفرغت من جوهرها لتُمسي بوقا للتضليل! واقرأ ما نُشِر حول تمويل سهرات العبث والمجون من مال الشعب المُفَقَّر، “حيث كانت ميزانية هذه الأفراح تقتطع من الأموال المرصودة أصلا لتوفر بها الجماعات المحلية حاجيات السكان الأساسية” (1) ، لترى حكام المغرب يصرفون أموال المسلمين بالباطل في شراء ذمم الفنانين والشعراء والمثقفين ليمدحوهم ويطرونهم بالألقاب الكبيرة ويروجوا السفالة في صورة البطولة.

هذا هو فن المخزن الأصيل، أما ما تبقى من الفنون من غناء ومسرح وتشكيل فهي في نظره مواد لتسويق الاستبداد، وأوهام صالحة للاستعمال حسب الحاجة إليها، وتتفاضل بتفاضل أدائها للدور المحدَّد من طرف مهندسي الصورة الإعلامية، فقد تكون عيَْطة البلاط مفضلة بالأمس وقد يصبح “الرَّايْ” و”الرُّوك” هو الأفضل اليوم.

أما الفن الحر، الفن الرِّسالي، الفن النقي، الذي يُذكِّر بالله ويتغنى بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الفن الذي لا يُقَوْلَبْ في قالب مخزني وخاصة إذا أعلن رفضه لعملية القولبة والتكيف المرَضي فهو محارَب ومتهَم ومهمَّش.

فن الغلام

هذا ما وقع للفنان العالمي رشيد غلام منذ اليوم الذي امتنع فيه أن يشتغل “خَمَّاساً” عند الحُكام وصرَّح بضرورة تعالي الفن عن رغبات السلطة بقوله :”ففنِّي يخلو من السياسة ومن الخطاب الإيديولوجي، والفن أرقى من المتغيرات السياسية ويرتبط بصيرورة البشرية عموما. أنا أتكلم فقط في الحب الإلهي والحب النبوي” (2)، إذ يتعرض لتضييق منقطع النظير؛ محاصرة بيته، مراقبة تحركاته الصغيرة والكبيرة، التصنت على مكالماته، مساومته من طرف كبار المسؤولين في البلاد، تهديده بالاغتيال، عرقلة أشغاله…وأخيرا تم اختطافه من وسط مدينة البيضاء يوم الأحد 25 مارس2007، وتعذيبه بطرائق مختلفة و جد قاسية بإحدى الغابات، بعدما جُرِّد من جميع ملابسه، ولما بلغ منه الجهد حمله الذين تصالحت معهم لجنة “الإنصاف والمصالحة” مُسرِعين حتى رموه في “شقة مُعدة للدعارة” بمدينة الجديدة! ولفقوا سيناريو التضليل وبيتوا التهمة بليل، وقالوا: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}الشعراء19 بنِعَم المخزن. وقدموه للمحاكمة يوم الجمعة 30 مارس 2007 لتحكم عليه ابتدائية الجديدة في منتصف الليل بالسجن شهرا نافذا بتهمة التحريض على الفساد!!

فهل يملك بقية من عقلٍ من يصدِّق هذه الحكاية الغريبة والبليدة في نفس الوقت؟ أو قل بعبارة مختصرة: الحكاية المخْزَنية.

وإلا كيف أن الأستاذ رشيد غلام خرج من بيته بالبيضاء متوجها إلى بيت أصهاره الذين كانوا في انتظاره، فإذا به فجأة يترك سيارته ملقاة في الطريق ويخرج إلى الغابة؟؟

وهل جرَّد نفسه بنفسه من جميع ثيابه (كيوم ولدته أمه) وأخذ يُعذِّب نفسه بنفسه ويستنطقها ويوجه اللكمات العنيفة والضربات الموجعة إلى جميع أنحاء جسده؟؟

وهل اضطره الأمر إلى استعمال الصعق الكهربائي في مناطق حساسة من جسمه؟؟ و…..و…….؟؟؟؟؟

أليسوا هم أنفسهم الذين يخطفون الناس من بيوتهم ويدفنوهم أحياء تحت الأرض أو يرمونهم في معتقلات تازمامرت وقلعة مكونة ودار المقري…؟؟

أليس من يُنكر اليوم هو من أنكر البارحة وجود أية معتقلات سرية في المغرب؟؟

وهل بقي للظالم من احتيال بعد المساومة إلا التخويف والتعنيف؟ فالتخويف من السلطان والتحزين من الشيطان. وبعضهم أولياء بعض.

كيف أنه غادر الغابة عريانا دون أن يراه أحد حتى دخل على حينِ غفلةٍ من أهل الجديدة فوجد بيتا لبيع الأعراض بالتقسيط، فدخله صُدفة ووجد فيه امرأة؟؟؟

كيف حضرت السلطة بسرعة البرق الخاطف إلى عين المكان وهي التي لا تكاد تتململ حتى ولو وقع زلزال في الحسيمة أو مات عشرات الأطفال في خنيفرة؟

وبأمر من النيابة العامة!!!

كيف يرتمي التقي النقي العفيف  بشهادة الجميع- في مزبلةٍ قدرةٍ لا يرتادها إلا “الحثالة”؟ وإن كانت تحميها السلطات.

كيف يسرع القضاء في الحكم؟ ويرفض إجراء حتى الخبرة الطبية أو المتابعة في حالة سراح؟؟

وكيف تُكيف التهمة وتُغير لألا يُكَذَب المجرمون؟؟ من خيانة إلى تحريض؟

وبعدما كان السيد غلام يحرض المؤمنين على الإيمان، أصبح في فهم المخزن يحرض على الفساد!!!

لماذا لم تفعل السلطات شيئا مع الخنزير البلجيكي الذي هتك الأعراض في أكادير ووجدة والبيضاء؟؟

“فهل يحقُّ للدولة أن تمنع {رشيد غلام}، وتقول بأنها دولة مسلمة، في حين لا تمنع تجمعاتٍ عن الأفعال القبيحة، ولا تمنع السهرات، والتي تكون بشكل يومي، بل قد توفر لها الأمن والحماية، بل تنعشها من باب إنعاش الاقتصاد وإنعاش السياحة الجنسية؟”

هل ينتظر سيدهم فرعون من سيدنا موسى عليه السلام غير {حقيقٌ علي ألا أقول على الله إلا الحق}؟

أحسِبَ الناس أن الذي يجهر بالحق عند سلطات جائرة يُسْتقبل بالورود؟

الابتلاء صقيل الرجولة

يظن الخراصون والكذَّابون الذين لا يعقلون- أن الأساليب الخسيسة: السجن، التشهير، التشنيع، الاختطاف، التعذيب، المنع، القمع… تثني الصادقين عن قول الحق وفضح الباطل، و تلجم الدعاة عن التصدي لغطرسة الحكام. وينسون أن المحنة تنقلب بإذن الله تعالى إلى مِنحة ربانية تمحِّص القلوب، وترفع الذِّكر، وتُقوي الشوكة، وتُمتِّن الدين، وتُعجل النصر، واقرأ سير الأنبياء الكرام عليهم السلام لتأخذ العبرة، وتدبر قول الحق جل وعلا: {ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:1-3).

وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ} سورة البقرة: 155-157.

صلوات الله ورحمته على من ابتلي فصبر، فكيف بمن ابتلي فشكر؟ وكل يُبتلى على حسب دينه، كلما زاد إيمانه كلما كبر ابتلاؤه، سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرَّجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد صلابة وإن كان في دينه رِقَّة خُفف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ماله خطيئة”( 3). فالإيمان بالقدر يجعل المؤمن مقتحما للمكاره والابتلاءات بصبر جميل ويقين جازم {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (سورة التغابن: 11). وقال صلى الله عليه وسلم: “إن من أشدِّ الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يَلُونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”(4 )

قال الإمام النورسي: “فالمؤمنون يعيشون وهم مطمئنون أن ما يحدث لهم هو أمرٌ مقدرٌ حسمه الله سبحانه بسابق علمه. فهو سبحانه قدر على المؤمنين أقضية متباينة، ولطّف من وقعها عليهم برحمته ليقووا على تحملها ويتقبلوها متمسكين بإيمانهم واضعين أنفسهم في دائرة عنايته.”

لهذا ف”إن الله قَرَن البلاء بالولاية كيلا تُدَّعَى” كما قال سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله، فلا اصطفاء من غير ابتلاء، وإذا أحب الله عبدا ابتلاه. والابتلاء هو الذي يميز الضعيف من القوي، والصادق من المُدعي. وماهو إلا تمحيص منه سبحانه لعباده المؤمنين: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } سورة البقرة: 49.

أخي رشيد: السجن ضريبة الحرية أداها كلُّ حرٍّ أبيٍّ في تاريخ البشرية، والابتلاء مدرسة نبوية تربى فيها كل رسول ونبي وكل مُخلصٍ وولِي. وأُذكر نفسي والمؤمنين بسير ساداتنا العلماء: مالك والنُّعمان وابن إدريس وابن حنبل وابن جبير وابن تيمية وعز الدين والبنا والقطب وياسين…

أخي رشيد لقد أضفت إلى صيتك وسمعتك مالا تملك أن تدركه بصوتك الجميل. وزدت جماعتك قوة بتضاعف المتعاطفين معها “والنظام يعرف جيدا، أنه كلما ضيق الخناق على الجماعة، إلا وازداد محبوها والمتعاطفون معها” كما قلت أخي في حوار لك مع جريدة المشعل.

أخي رشيد زادكم الله رشدا وكمالا ولَ “إن كانت مشقتكم واحدة فإن ربحكم ألف إن شاء الله” كما يقول بديع زمانه سعيد النورسي، الذي سبقك رحمه الله في الابتلاء.

أخي رشيد: ما عند الله خير مما عند المخزن {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} سورة آل عمران: 15

وقديما قال فيلسوف المطرقة: “الأفكار العظيمة هي التي نسقيها بدمائنا”، والمبادئ الصادقة هي التي تزداد رسوخا بعد الابتلاء. نسأل الله التبات وحسن الخاتمة.

ثم ماذا بعد؟

ها أنتم هؤلاء منعتم مجالس النصيحة، وشمَّعتم البيوت، وحاكمتم الأبرياء، واعتقلتم العلماء، وأوقفتم الأئمة، وأهنتم الدعاة، وطردتم الطلبة، وحاصرتم الجامعات، وكسَّرتم العظام، وأكلتم أموال الأيتام، ولفقتم التهم الباطلة، وتواطأتم على الظلم.

ها أنتم قد أوصلتمونا إلى الفشل؛ جوَّعتم شعبنا، ونشرتم البؤس في أمتنا، وأنتجتم اليأس في شبابنا، وقتلتم الأطفال الرضع، وأهملتم البادية وميَّعتم المدينة. فأي مستقبل ينتظركم؟ وما ذا أعددتم له؟

“إن القوة لا تصنع حقا، وإننا لسنا ملزَمين بالطاعة إلا لما هو شرعي” (روسو)، وكل استعباد باسم الحق فهو باطل. وما يبنى عليه فهو باطل أيضا. والظلم آيل للأفول والعاقل من يصدع بالحق ويجأر بِ: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}.

ولأنه لا بد من المواجهة مع قوى الباطل ودفع شرها وإزاحته، ولابد من تحمل ثمن هذه المواجهة المتنوعة والمستمرة، قال الحق سبحانه: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} سورة البقرة: 216. فإن مع العسر يأتي اليسر، وبعد الظلمة يطلع الفجر، وبُعَيْد الغدر يجيء النصر.

والله يتولى الصالحين، والعاقبة للمتقين.

برشيد02-04-2007

1- جريدة “الأيام” عدد176

2- حوار مع جريدة “المساء” عدد53

3- سنن الدارمي، (2783)، 2 / 412

4- مسند أحمد بن حنبل، (27124)، 6/369.