1: توطئة لابد منها.

بداية تهدف هذه المقالة إلى تنوير الرأي العام حول قضية عرضت على القضاء بمدينة الجديدة تتعلق بتقديم الفنان رشيد غلام للمحاكمة بتهمة التحريض على الفساد، ونوقش الملف وصدر الحكم بالإدانة شهرا من الحبس نافذا مع غرامة مالية. وقبل صدور الحكم روج لخبر الاعتقال بطريقة مريبة ومتحاملة في كثير من المنابر الإعلامية، كانت وكالة المغرب العربي هي المصدر الأساس في نشر الخبر كما وصلها من الجهات التي أرادت له أن ينشر على طريقتها وقبل أن يظهر من جهة أخرى ربما يكون سبقها متعارضا مع ما تريده هذه الجهات. ونظرا لما طرحه وسيطرحه هذا الملف من كلام في الساحة الإعلامية والسياسية، ونظرا لكونه ملفا غير عادي، لأنه يتعلق بفنان بدأ يجد مكانه في الساحة الفنية الوطنية والعربية والدولية، لكنه عرف بانتمائه لجماعة العدل والإحسان وساهم في تنشيط فضاءات من تأطير الجماعة على مدى أكثر من عقد من الزمن، كما عرف بكونه يفتح بيته لأعضاء الجماعة في مجالس مختلفة من مجالسها المعروفة لدى القريب والبعيد، من قبيل مجلس النصيحة، فإني وجدت نفسي من الواجب علي أن أسافر إلى الجديدة وأحضر أطوار المحاكمة مع انتباه شديد لدقائق وتفاصيل هذه الأطوار، ليس من باب الشك، ولكن لأني منذ حوالي عام كنت جالسا مع بعض الإخوان نناقش الفن وما يتعرض له أصحابه من مضايقات، فقلت بالحرف، تقريبا، في شأن رشيد غلام: إن الفن الملتزم والسياسة المعارضة لا يلتقيان في هذا البلد الحبيب، ولا يسمح لهما بالاجتماع في الشخص الواحد، وعندما يصل غلام إلى مرحلة في أدائه ستضطر الدولة إلى تحييده أو إقباره…

هذه الخلاصة التي أدعي أنها مبنية على تحليل موضوعي يعتمد قواعد علمية، هي ما سأبينه اليوم في هذه المقالة، على اعتبار أن هذه اللحظة التي يعيشها غلام مسألة حتمية في مساره الفني والدعوي.

ولذلك فلن أسجن نفسي في الأبعاد والاعتبارات القانونية التي أسس لها محضر الضابطة القضائية حيث هو المصدر الوحيد في الباب أمام هيئة الدفاع والهيئة القضائية، لعلمي القطعي بأن مغربنا الحبيب لم يتخلص بعد من هيمنة العقلية الأمنية والاستخبراتية عند صياغة محاضر ذات خصوصية معينة، خاصة لما ترتبط باعتبارات سياسية، بل أستطيع أن أقول: إن بلدنا الحبيب يعد نموذجا في الباب. ولعل جميع المحاكمات السياسية أو ذات اعتبارات خاصة لم تنج من ذلك. وعليه فإني أدعو الفنان رشيد غلام القابع في سجنه المغادر له بعد حين قريب، إن شاء الله تعالى، أن لايسمح بزمن قصير ليؤثر على مسيرته الفنية كما يراها هو ويجتهد لها هو مبتهلا بمعاني الربوبية ومادحا مغردا مغنيا بأنوار الحقيقة المحمدية، بل إني أدعوه أن يخرج من تجربة السجن وقد جلس لحظات تفكر وتفكير ليخرج بنمط جديد مضاف إلى تجربته السابقة ليعانق في أدائه الفني، كلمات وألحانا، الهموم المباشرة للشعب المغربي فيبدع تطويرا لتجربة “ناس الغيوان” وباقي المجموعات الملتزمة، ويفتح آفاقا أريدَ لها أن تغلق أبدا كما أريد له هو أنيقبر أبدا. كما أني لن أذهب بعيدا مع عاطفة ساذجة تجسدها صرخة السياسي الخائف على مستقبله السياسي؛ وهي دوما إما صرخة ما قبل الموت، أو صرخة المرتبك الذي لا يقر له قرار؛ بل في اللحظات الحرجة يخرج صاحب القضية بنظرة عميقة خبيرة تفتح آفاقا عريضة في الإبداع، وهو ما أتمناه للفنان رشيد غلام.

2:خلفيات قضية الفنان غلام.

بناء على ما قيل أعلاه، فإني سأفرق عند تحليل قضية الفنان رشيد غلام بين ما تعيشه الجماعة من حملة قمع مباشرة- كما هو الشأن في اعتقال أعضاء بسبب تنظيمهم لتجمعات في بيوتهم أو حضورهم لها، وقد سبق لغلام أن حوكم خلال الشهور الماضية في هذا السياق، ومن الواضح أن قصد الدولة الأول في الباب حصول المزيد من التضييق على أنشطة الجماعة وإرباك عمقها الشعبي، الشيء الذي تدل عليه طريقة بعض المنابر الإعلامية المغرضة في تغطية ونقل الأحداث- وبين انتباه الاستخبارات المغربية منذ مدة إلى خصوصية مسيرة رشيد غلام الفنية والمواقع التي بدأ يحتلها محليا ودوليا في علاقة ذلك بتصريحاته السياسية وبانتمائه لمشروع العدل والإحسان. مما يعني أن توجيه الضربة اللازمة، حسب منطق المخزن، للفنان غلام هو المقصود ابتداء، وهو ما يسمح به الجو العام الذي تريد أن تصنعه الدولة تجاه جماعة العدل والإحسان. أي أن الظرفية مناسبة لتحقيق هدفين مركزيين: القضاء على تجربة غلام في بداياتها الأولى، وتشويه الجماعة في إطار الحملة الشاملة عليها الآن إن أمكن.

ولذلك أصبحنا نجد في منابر إعلامية الحديث عن عضو في جماعة العدل والإحسان يغتصب ابنة أخيه، وآخر يغتصب أمه، وهكذا، وكل ذلك لتهيئ رأي عام مشدود إلى تشويه أخلاقي في إطار حملة إعلامية متواصلة على الجماعة للحد من آثار عملها السياسي الدعوي!!!على اعتبار أنه قد ثبت عجز الاستخبارات المغربية في أن توقع بأعضاء من الجماعة أو بأي قيادة من مستويات القيادة في الجماعة بهذه الطريقة، فضلا عن غيرها، وقد ثبت في تجربة الاستخبارات المغربية أن سياسيين ومفكرين وفنانين تم ترويضهم والقضاء على مسيرتهم العملية عن طريق صناعة ملفات أخلاقية، غالبا ما تتعلق بالجانب الجنسي، بل إن عالم الدعارة من أخصب المجالات الحيوية التي تراهن عليها الاستخبارات العالمية من جهة التقاط المعلومات ومن جهة الإيقاع بالمعارضين والمرغوب فيهم قصد الضغط والابتزاز.

وهكذا لم يبق إلا فبركة أخبار وملفات تشوه سمعة الجماعة، إذا أمكن ذلك، لمّا لم تؤت الوسائل الأخرى أكلها.

أما السياق الخاص بشخص الفنان غلام، وهو الحاسم في تعجيل فبركة الضربة عن طريق محاكمة تنتهي بإدانة ذات بعد أخلاقي، فيمكن النظر إليه من خلال ثلاث زوايا:

-الأولى: إن شابا من مثل رشيد غلام، كان من المفروض أن يكمل مسيرته الفنية ضمن سياق رسمي، ككثير من الفنانين، إذا أراد أن يكتب له ذيوع الصيت والنجاح، بحيث إذا كتبت له “العالمية” فإنما يجب أن يكون سفيرا رسميا في مجاله.

الثانية: إن أي فنان إذا أراد أن يكون له المكان الاجتماعي والمهني الذي يطمح إليه عليه أن لا ينخرط في المعارضة السياسية، خاصة غير المرغوب فيها، وإذا انخرط فليتحمل تبعات السخط الرسمي بحسب الموقع الذي سيحتله وهو منخرط في صف المعارضة.

لذلك لما اختار غلام أن يكون عضوا في مشروع العدل والإحسان، فعليه أن يستعد لأداء الثمن عندما يصل إلى مرحلة معينة من أدائه الفني، خاصة إذا لم يفصله عمليا عن موقفه السياسي. وهو الزاوية الثالثة.

الثالثة: هي أن غلام في الوقت الذي بدأ يركز ويعمق تجربته عربيا وعالميا أصحب ذلك بتصريحات سياسية حادة لا يمكن أن تطيقها الدولة أبدا من شاب قاعدته الفنية والجمهورية تتسع يوما بعد يوم، وهو منخرط في مشروع يعتبر المشروع المعارض القوي في البلد، بل قد صاحب تلك التصريحات بإعلانه عن معالم مشروع فني كبير.

ولذلك، فلما قام الفنان غلام بخرجات كثيرة خارج التراب الوطني، خاصة أوربا وأمريكا، ثم جاءت مشاركته المثيرة في أوبرا مصر، كما شارك في الجزائر وأدلى بتصريح حول منعه في المغرب، وجاءت دعوة أخرى من مصر ليشارك في احتفالات المولد النبوي الحالي، فأضيف هذا إلى ما سبق ذكره ليؤدي إلى قرار استخباراتي يمنع رشيد غلام عبر مذكرة وزارة الخارجية المغربية من الذهاب إلى مصر تمهيدا لإنجاح سيناريو المحاكمة بتهمة التحريض على الفساد بعد أن تم تكييفها وذلك بعد إبطال تهمة الخيانة الزوجية.

3-لماذا المحاكمة في مدينة الجديدة؟

يمكن أن يطرح السؤال: إذا كان المقصود هو غلام، ابتداء، ثم سمعة الجماعة بعد من خلال فبركة ملف المتابعة، لماذا لا تكون البيضاء هي المكان المناسب للمحاكمة حيث غلام يقطن بها وحيث قاعدة الجماعة كبيرة؟

إن الجواب ينبني على ضرورة استحضار أمرين، وهو ما يزكي أن الملف مفبرك:

الأمر الأول: إن قاعدة جماعة العدل والإحسان، سواء من جهة الأعضاء أو المتعاطفين كبيرة نظرا لحجم المدينة، وقد ثبت أن المسيرات التي تنظم في البيضاء تبرهن عن قوة الجماعة وقدرتها على التنظيم والضبط بالمدينة. كما أن الواقع الشعبي مع دائرة المتعاطفين والمحبين للفنان غلام كبير، وهو ما يبين أن المحاكمة في البيضاء لن تكون في صالح الدولة. الأمر الذي يعني أن الهدف الاستخباراتي المراد تحقيقه من محاكمة غلام بهذه التهمة لن يكون محققا بنسبة عالية إلا خارج البيضاء، وستكون الجديدة هي الأنسب خاصة أن الإعلام تحدث عنها أخيرا بأنها أصبحت وكرا للدعارة.

وللقيام بهذا وجب ابتداء اختطاف رشيد غلام من البيضاء، بحيث تتم عملية قضاء الوظيفة الاستخباراتية معه (هي الأعمال التي قام بها ضدّه من اختطفه حتى تقديمه للضابطة القضائية بالجديدة، وهو ما حكاه غلام أمام المحكمة) في وقت ومسافة لا تترك فرصة لكشف واقع الاختطاف، وتعجل بإنجاز السيناريو قبل حدوث أي مشوشات على العملية المفبركة برمتها.

وما حكاه غلام أمام المحكمة كان متماسكا ومنطقيا بحيث لا يكتشف من خلاله المتابع، لا نفسيا ولا عصبيا ولا لفظيا ولاحركيا ولا معنى، أن الرجل فبركه قصد إبعاد التهمة عنه. ولكن الذين فبركوا المحاكمة كانوا منتبهين إلى ضرورة صياغة محضر لا يترك مجالات لتأثير ما قاله غلام على ما سماه المحضر بحالة التلبس، وما يتوقع أن يقوله الدفاع في الباب.

الأمر الثاني: إن إثارة ملف الدعارة في مدينة الجديدة يمكن التحكم فيه، عوض البيضاء، إلى درجة أنه لا يفتح بابا يغطي على المقصود كما بيناه أعلاه، وهو توجيه الضربة اللازمة لغلام، أو يؤدي إلى الخروج عن المقصود بأن تضطر صاحبة الملف في إطار دفاعها عن نفسها ظ إلى التهديد بالكشف عن أسماء مسؤولين يزاولون الدعارة، وقد يؤدي هذا إلى إرباك السيناريو.

وهو ما يفرض التمكن المطلق في ضبط ذلك خلال المحاكمة إلى درجة أن لا تطرح فيها قضية الدعارة في الجديدة كقضية تغطي عن مجريات تحقيق أهداف سيناريو محاكمة غلام.

ولذلك كانت في الملف حلقة مفقودة ، هي السيدة “خديجة نهار” التي امتنعت الضابطة القضائية نهائيا عن تسجيل اسمها كاملا في المحضر، وتقديم شابة مبتدئة في عالم الدعارة مع غلام بحيث مازالت لا تملك معلومات هامة عن ملف الدعارة في الجديدة.

فقد صرحت هذه الأخيرة أمام المحكمة أنه فقط لمدة شهر تقريبا بدأت تعاطي الدعارة مع المدعوة خديجة نهار في بيتها المعروف والمهيأ خاصة لهذه “المهنة” منذ زمن طويل والمعروف لدى المسؤولين ورواده. وقد أمرتها خديجة بالالتحاق بالبيت الذي يوجد فيه غلام على الرغم من أنها أخبرتها أنها مريضة وأنها غير مستعدة وترجتها أن ترسل أخرى من الممتهنات للدعارة معها في البيت المخصص لذلك. إلا أن “الباطرونة” خديجة أبت وطلبت منها الالتحاق، حيث مباشرة في أقل من خمس دقائق، حسب تصريح الشابة المسكينة، سيدخل المعنيون البيت ويعتقلون الاثنين بعد إرغامهما على اتخاذ صور لهما كما صرحت أيضا. وهو ما يعني أنه لن يحصل أي تخوف من تقديم ضحية من مثل هذه الشابة المستضعفة التي لا حول لها ولا قوة ولا أية وسيلة تدافع بها عن نفسها أمام مؤامرة لا علم لها بها.

فهي مازالت لم تحط بتفاصيل عالم الدعارة بالجديدة، ولا تعرف خيوطه وكبار رواده من المسؤولين، كما أنها مجردة من أي معطى مادي يؤثر التصريح به على مجريات المحاكمة.

ولذلك كان الأنسب استخباراتيا أن ينجز سيناريو المكيدة المخزنية لإقبار تجربة غلام الفنية في مدينة الجديدة لا غيرها، لأن المحاكمة في أية مدينة أخرى تتضمن نسبة هامة من احتمال فشل الخطة المدبرة لفنان من حجم غلام.

4: مآلات قضية الفنان غلام.

لم يعرف في مغربنا الحبيب أن خرج واحد منتصرا رافعا رأسه بعد أن تحاك له مكيدة من نوع ما حيك لغلام. حيث تكون الصورة إما استدراجا حقيقيا توجهه أجهزة الاستخبارات المتخصصة، وتوظف فيه نساء دعارة من الطراز العالي من حيث الاحترافية المهنية من جهتين: من جهة الوظيفة الاستخباراتية، ومن جهة مزاولة تقنيات وآليات فن الدعارة في إسقاط المستهدفين في الفخ المرصود بدقة عالية. وإما فبركة ملفات متقنة من حيث السيناريو ومن حيث الدقة في ضبط “التمفصلات” القانونية والإجرائية حتى لا تترك مجالا للضحية ليبرهن عن براءته مما علق به.

لكن بالنسبة للفنان الواعد غلام سيكون الأمر استثناء، ولربما مؤشرا على مرحلة جديدة يثبت فيها أن رجالا من خريجي مدرسة جديدة لن يجدي معهم هذا الأسلوب شيئا، ولو قليلا.

لذلك كان مآل قضية الفنان غلام السجن النافذ من الناحية القانونية، لأن حبك السيناريو أخذ بعين الاعتبار هذا الجانب، وإلا فسيكون فشلا ذريعا وخيبة كبيرة لدى صانعيه وواضعيه.

أما من ناحية مسيرة الفنان غلام، فإني أدعو الجميع، وفي جميع الأحوال، إلى عدم السماح، نهائيا، بإقبار هذه التجربة لأن في إقبارها انتصارا كبيرا وإرهابا شديدا لمسيرة التحرر الفني من قبضة الإرهاب المخزني.

أما من ناحية أن ما حيك لغلام قد يكون مؤذيا للجماعة فإنه لن يكون إلا صيحة في واد، حيث مسيرة مشروع العدل والإحسان في واد وما يريد أن يلبسه لها غيرها من الماكرين والمخادعين في واد آخر، وبين الواديين جبال راسيات عاليات شامخات تمنع منعا كليا أن يصل صدى الدعارة لبيت الطهارة.

وفي الختام، أقول، وبكل ثقة، لمن يصطاد في الماء العكر: إذا كانت حرفته ومهنته الصيد في الماء العكر فلن يجد أبدا فيه ومنه ما قد يتوهم أنه يؤذي جماعة العدل والإحسان لأنها جماعة تعرف رسالتها ووسائلها لذلك، وتعي جيدا المرحة المعيشة ولدبها العلم بوسائل العمل فيها، وتعرف جيدا خصومها والماكرين لها وكيف يمكرون وبماذا يمكرون، فأعلنت منذ البداية منهاجها في العمل وضوحا تاما ونورا شافيا، فلن يختلط الأمر على أهلها ولو هنيهة، وإذا تأمل العاقل فيما جرى ويجري على الجماعة خلال العقود الأخيرة لعلم كيف خرجت هذه الجماعة من جميع المحن عالية الرأس طاهرة الموقف راسية القدم ناظرة إلى المستقبل العريض الذي ينتظر الأمة.

أما إذا كان من يصطاد في الماء العكر متطفلا على هذه الحرفة القذرة، فليعلم أن صناديدها ودهاقنتها لم ولن ينالوا من الجماعة قيد أنملة، فإذا كان ذا عقل فلا يضيع وقته فيما لا طائل من ورائه.

وسبحان من قال:(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر:الآية 36].

صدق الله العظيم، ولي المتقين وحبيب المحسنين