بعد الأئمة و المساجد، شرعت الآلة المخزنية في هجومها على المنابر الفنية. وارتأت أن يكون ذلك قبيل حلول ذكرى المولد النبوي الشريف لكم الأفواه الصادعة بالحق ولو كان ذلك بالتغني بحب خير البرية عليه أفضل الصلاة والتسليم، وقد غاب عنها أنه صلى الله عليه و سلم دخل المدينة المنورة على وقع الدفوف وإنشاد أهلها فرحا بطلعته المنيرة وتعبيرا صادقا عن محبتهم له.

ولطالما تغنى المسلمون بسيد البشرية تعريفا بشمائله وتعظيما لخصاله وترجمة للحب الذي يفضي بهم إلى حب الله عز وجل.

أما اليوم وببلدنا الحبيب، فقد غدا الإنشاد جرما يعرض صاحبه للقذف وتلفيق التهم، مادام “نغمة نشازا” تشذّ عن قواعد التقسيمات الفنية والترانيم والإبداعات الحالمة بالتميز، والرامية إلى إضفاء بعض المساحيق الأخاذة على “المشهد الفني” المغربي المترهّل!

و لن يكفينا الحديث عن المهرجانات الغنائية التي تشد الرحال عبر المدن المغربية مستنفذة ما تبقى من الميزانية المخصصة ل “المشهد الفني”، ولا عن”المشاهير” الذين يتخذون من شباب المغرب سوقا رائجة وقابلة للإغراق الفني شأنها في ذلك شأن الإغراق الاقتصادي، ولن يكفينا الحديث عن الفرق التي تتهافت على بلدنا لتعرض صخبها ومجونها في الساحات العمومية فرحا بما جادت به “صفقات النهوض بالشأن الفني”، لنخلص جازمين أن الفن في واد وسياسة الفن في بلدنا في واد آخر.

إذ يراد للفن أن يصبح مرتعا لأهواء بعض المضاربين، بعيدا عن كل رسالة إنسانية نبيلة تسهم في إصلاح ما أفسده القهر والعسف وابتزاز أذواق الأفراد.

ذلك أن أصواتا مميزة أنشدت، فدغدغت مشاعر الجماهير، وتغنت فأورثت القلوب حب فن يسمو بالنفس ويرتقي بها عن غياهب الفراغ الروحي إلى مدارج الأنس بالخالق سبحانه وإلى مجاورة محابه، والتأسي بحبيبه صفوة الخلق عليه أفضل الصلاة والتسليم وإلى محبة خلق الله كافة ودعوتهم لرسالة الرحمة المهداة.

ذلك نهج الفنان رشيد غلام، هذا المحب ذو الصوت الشجي الذي فتح قلوبا غلفا بمفتاح الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر شمائله وتمثل خصاله وخلقه طمعا في مجاورته وقربه وشفاعته وتصديقا لحديثه صلى الله عليه وسلم “إن من خياركم أحسنكم أخلاقا” البخاري

إنه مزمار زرع بدار الصفاء والنقاء في الحقل الغنائي الذي كان حكرا على ما يقعد القلوب ويزج بها في متاهات الغفلة وسكر المجون، إلا من رحم الله.

كيف لا وصاحب هذا المزمار نشأ شابا سماعا في مجالس الذكر والتربية، فلا غرو إذن أن يصبح الاستثناء الذي يؤكد القاعدة : فمئات من شباب مغربنا الحبيب وإن تغنت فبآلامها وخيبة أملها، وإن رقصت فلتترجم صنوف اليأس الذي رمى بها في مثالب الانتحار والمخدرات والهلوسة أو جعلها فريسة لدى شبكات الإرهاب والتطرف، حتى تكاد أصواتها وأجسادها تقرع مسامع سدنة المشهد الفني بهذه الرسالة البليغة:

لاتحسبوا رقصي بينكم طربا * * * * * فالطير الجريح يرقص من شدة الألم

فالفن الذي يغذوه حب الله تعالى وخشيته وحب نبيه الكريم سلوكا واقتداء رسالة ترقى بالذوق وتسمو بالنفس وتطهرها وتكون بلسما لكثير من العلل النفسية والروحية التي تعاني منها مجتمعات اليوم، سيما وأن لغة الماديات قد طغت فبلدت المشاعر والأذواق. فما أحوجنا اليوم لفن تستوي بإبداعاته الأذواق الكليمة، لأن الجرم الحقيقي هو أن تصادر كل الحريات بل حتى النبرات الصوتية.