أولا: استهلال

أصدر القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان بيانا بمناسبة فاتح ماي الذي يعتبر اليوم العالمي للعامل والأجير. وقد تضمن البيان، كعادته المواقف المبدئية والمطالب الملحة المتعلقة بالوضعية المادية والمعنوية والاجتماعية للعامل، وبظروف العمل في أبعادها المحلية والدولية.

ومما ركز عليه البيان، المشار إليه، مطلب الجبهة النقابية باعتباره مطلبا مصيريا في العمل النقابي الناجح والمسؤول.

وإن قطاعا تابعا لجماعة محاصرة من كل جانب يفتح من خلال بيانه أفقا واسعا للعمل المجتمعي، بما فيه العمل النقابي، لمدعاة إلى التأمل الرصين والواعي.

فهل الدعوة إلى جبهة نقابية تشكل نوعا من الهروب إلى الأمام أم هي تعبير عن عمق تصوري محيط بتفاصيل وأبعاد الواقع النقابي في المغرب مع الانتباه إلى ارتباطه بالمعطيات الدولية سياسيا واجتماعيا وثقافيا؟

ثانيا: الخلفية الميثاقية للجبهة النقابية.

تشتغل جميع مؤسسات جماعة العدل والإحسان على قاعدة مشروع مجتمعي متكامل يتجلى في جانبه السياسي والحركي في فكرة الميثاق من حيث هو روح ناظمة لكل المبادرات والاقتراحات التي تتحرك لأجلها جماعة العدل والإحسان وتحرك المجتمع وجميع مؤسساته الأصلية في اتجاهه.

ومعنى هذا أن الهدف الإستراتيجي المصيري المنسجم مع تصور الجماعة للعملية التغييرية الإصلاحية هو بناء القوة المجتمعية الجامعة المنجمعة حول قضية كلية تشكل جوهر وجود المجتمع المغربي. ولذلك لم يكن هم الجماعة هو احتلال أي موقع نقابي من خلال أية مركزية نقابية، إذ تخولها قاعدتها التنظيمية والبشرية ذلك، لكن وبما أن الهدف يحمل عمقا مجتمعيا مصيريا فقد كان الخيار هو الاشتغال على قاعدة توفير الشروط المناسبة للجبهة النقابية القادرة على تحريك الساحة العمالية في اتجاه جامع يشكل عنصر قوة اقتراحية وعملية داخل المجتمع وفي إطار قضية واحدة جامعة. فمطلب الجبهة النقابية منسجم تماما مع فكرة الميثاق، لأن مشروع العدل والإحسان هو مشروع الأمة، مما يعني أن جميع تفاصيله لن تكون إلا ذات معنى جماعي جامع، ومنها القضية النقابية؛ سواء من جهة معناها التنظيمي والهيكلي أو من جهة مضمونها الحركي.

ونخلص بهذا إلى أن مطلب الجبهة النقابية هو تجل برنامجي لفكرة الميثاق في المجال النقابي. وما يترتب على هذا أن حركة القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان ستتميز بالهدوء والمسؤولية في بلورة الاقتراحات الضرورية للخروج من النفق الذي عليه النقابة والنقابية في المغرب.

ومعنى هذا أن مطلب الجبهة النقابية يستمد واقعيته من خلال بعده التصوري وضروراته العملية:

أ-البعد التصوري:

تشكل أداة الجبهية النقابية وعيا دقيقا بطبيعة المؤسسة المجتمعية التي ينبغي أن تحمل هم المشروع المجتمعي المتكامل. وبمراقبة واقع المؤسسات النقابية القائمة نجد هناك ثلاثة أنواع من المؤسسات، والترتيب هنا ليس اعتباريا:

الأولى: أن تكون مجرد ردة فعل عن أزمة سياسية أو مجتمعية لا أقل ولا أكثر. فهي مؤسسة خارجة من صلب الأزمة المجتمعية والسياسية، والسياسية هنا تعني تدبير الشأن العام. فهذا النمط من المؤسسات هو الغالب على المؤسسات السياسية والمجتمعية في المغرب، ومنها النقابية خصوصا. لذلك تكون هذه المؤسسات في بنائها الأصلي وليدة أزمة لا تستطيع التخلص من آثارها وتبعاتها، سواء من حيث التصور والفعل، إذ لا تكون بحثا عن جواب أصلي للواقع المأزوم بقدر ما تكون أحد تجلياته في مجالها.

إن هذه قاعدة تنطبق على جل المؤسسات النقابية في المغرب.

والثانية: أن تكون مؤسسة خارجة من واقع أزمة مؤسسة مجتمعية أو سياسية أخرى قد تكون من النوع الأول المشار إليه أعلاه، وقد تكون من النوع الثالث المشار إليه أدناه. فهي لا تكون تعبيرا عن تحول في بنية ومسار المؤسسة المأزومة خروجا من النفق، بقدر ما تكون صورة من صور الأزمة وتكريسا فضيعا لها. ولنأخذ على سبيل المثال في مجال الحركة النقابية في المغرب المركزيات التي يكون السبب في وجودها ليس الحاجة المجتمعية بقدر ما هي إرادة سياسوية لحزب معين أو جهة معينة، فالاتحاد العام والكونفدرالية مثلا مؤسستان يمكن أن تقوما بأنشطة وازنة إشعاعيا، لكن لا يمكن أن يؤثرا في مسار الحركة النقابية إلا في مناسبات محدودة يكون الفاعل فيها سياسي وليس متعلقا بالمطالب الاجتماعية للشغيلة. ويمكن تطبيق هذه القاعدة على جميع النقابات التابعة كلية لحزب، وهو ما يعقد أزمة الحركة النقابية أكثر.

والثالثة: أن تكون مؤسسة مجتمعية خارجة من صلب حركة المجتمع الأصلية، فهي تعبر ضرورة عن مطالبه وحاجاته الحقيقية وتتحرك وفق مشروع مجتمعي متكامل للجواب الجماعي عن سؤالات المرحلة وبناء المستقبل. فهي تعبير حقيقي عن صيرورة الأمة ومسيرتها وتطلعاتها ومطالبها في مجالها الذي تتحرك فيه. ومن هنا يستمد مطلب الجبهة النقابية مصداقيته التصورية الاقتراحية والعملية.

ب-الضرورات العملية:

لقد استطاعت الاعتبارات السياسوية أن تخترق الحركة النقابية باكرا، مما أدى إلى تمزقها وتشرذمها. فضلا عن كون النقابية في المغرب الحديث ليست إلا رجعا لصدى دلالتها وفق المدرسة الغربية.

فبالإضافة إلى أن القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان يجعل من أولوياته بناء تصور تجديدي كليا للعمل النقابي، وتسريب الروح الميثاقية في زمن التشرذم القاتل، فإنه ينظر بعين الاعتبار والوضوح للضرورات العملية التي تساهم في بناء التصور العملي للممارسة النقابية الجديدة التي تؤسس لها تجربته الميدانية. ويمكن رصد بعض الضرورات على الشكل التالي:

1-تحسين الواقع المادي والاجتماعي للعامل والأجير.

2-دفع التشرذم المؤسساتي للمركزيات النقابية. ويتجلى ذلك في ضرورة صناعة الوعي بمعنى الاستقلالية والانخراط الجامع في خدمة العامل على قاعدة خدمة الأمة بذلك. مما يوفر إمكانية كبيرة على الانخراط الإيجابي في العملية التغييرية الإصلاحية المجتمعية الجامعة مع باقي مؤسسات المجتمع على قاعدة فكرة الميثاق المصوغ بين أحضان أمة تراقب وتحاسب وتشارك بوعي ومسؤولية.

3-مقاومة الاختراق المخزني الاستبدادي للمجال النقابي بما هو العامل الأساس في واقع التشرذم والتمزق النقابي على مستوى المؤسسات والتصورات والأهداف.

4-مقاومة واقع التبعية للغرب تصوريا وعمليا. ومنه الوعي الكافي بكيفيات صناعة مضمون جديد للنقابية يخلصنا من القبضة الاستعمارية والعولمية.

ثالثا: خلاصة عامة

لاشك أن كثيرا من العاملين في الحقل النقابي سينظرون إلى مطلب الجبهة النقابية بعين الريبة أو الشك أو الاستخفاف أو الاستهزاء، ولاشك أن السنوات القابلة ستبين جدوى وقيمة هذا المطلب المصيري في العمل المجتمعي عموما، ومنه النقابي.

نعم إن هناك فرقا كبيرا بين من ينظر إلى المستقبل من خلال قبضة الواقع الحديدية وبين من ينظر من خلال واقع الحرية المطلقة والتحرر الكامل إلى مستقبل جامع تتمتع فيه الأمة بكامل حريتها منجمعة على قضية وجودها عاملة وفق تصور كلي جامع، إذ الواقع اليوم أن المجتمع مبعد والدولة والمتحالفين معها يدعوان إلى مشروع معين والمعارضة الجذرية لها مشروعها، فليس هناك اتجاه واحد وإنما اتجاهات مختلفة وقد تكون متعارضة.

فإذا كان للنقابة والنقابية معنى في التجربة الغربية، فلأن الحزب والدولة والمجتمع مجمعون على قضية وجودية واحدة، في حين صارت عندنا نحن قضايا متناقضة متعارضة؛ للدولة وجهتها وللحزب وجهته وللشعب وقواه الأصلية وجهة مما جعل العملية التدافعية عندنا غير مستقيمة وحادة وقد تكون عنيفة في كثير من الأحيان.

لذلك يأتي مطلب الجبهة النقابية أداة محورية في توحيد القصد والوجهة والقضية، أي أن القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، ومن ورائه الجماعة، يتمتع بوعي دقيق لأن هذا المطلب بالقدر الذي يجسد الفهم السليم للضرورات العملية فهو يجسد الوعي الكافي بالمضمون التصوري الحركي الجامع على قاعدة مشروع الأمة المتكامل في الحرية والقوة والاستقلال.

وإنها لعقبة واقتحام حتى النصر

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

مراكش ليلة فاتح ماي 2007