تكاد تنتهي المدة التي حددتها وزارة الداخلية لإعادة التسجيل في اللوائح الانتخابية دون أن تتغير تلك الملاحظة التي سجلها العديد من المتتبعين، وهي ضعف الإقبال على التسجيل، بحيث لا تتجاوز النسبة 3 في المائة في العديد من المدن، هذا في الوقت الذي بذلت فيه الدولة جهودا كثيرة، واستعملت وسائل عديدة، لحفز المواطنين خاصة الشباب منهم على التسجيل في اللوائح الانتخابية، نذكر من ذلك:

– تخصيص فترة للتسجيل مدتها ثلاثون يوما، من 05 أبريل إلى 04 ماي ، مع إمكانية تقديم طلبات التسجيل أيضا خلال الأجل الاستدراكي المحدد في سبعة أيام.

– توفير عدد كبير من مكاتب التسجيل، وفتحها من الثامنة والنصف صباحا إلى حدود الرابعة والنصف بعد الزوال، واستمرار عملية التسجيل يومي السبت والأحد إلى حدود السابعة والنصف مساء.

– إعداد لوحات إشهارية، يظهر أنها كلفت أثمانا باهظة، تدعو إلى المشاركة في الانتخابات والتسجيل في اللوائح.

– التكثيف من البرامج الحوارية في القناتين التلفزيتين، وتخصيص أغلبها للانتخابات، والدعوة من خلالها، بشكل مباشر وغير مباشر، إلى الانخراط في الحياة السياسية.

– إعداد موقع إلكتروني خاص بانتخابات 2007 يتضمن كل ما يرتبط بها، من قوانين ومراسيم وغيرها، كما يتضمن خدمة التأكد من التسجيل في اللوائح الانتخابية.

– تجنيد بعض الجمعيات لتعبئة المواطنين وحفزهم على المشاركة في الانتخابات، أبرز مثال على ذلك جمعية “”2007 دابا”، هذه الأخيرة التي أغدقت عليها أموال طائلة، فبالإضافة إلى المطبوعات والأنشطة التي تتطلب تكاليف باهظة، فقد أصبحت هذه الجمعية بين عشية وضحاها تساهم في تمويل مؤتمرات لهيئات سياسية ومدنية !!

لماذا كل هذه الجهود وانتخابات 2007 لا تختلف عن سابقاتها من حيث السياق السياسي والدستوري، ولا تؤدي إلى تداول حقيقي على السلطة، سواء شارك فيها كل المغاربة أو نصفهم أو لم يشارك أحد؟ لماذا صرف الأموال على هذه الوسائل وغيرها ووزارة الداخلية بإمكانها، كعادتها،” النفخ” في نسبة المشاركة لتبلغ الرقم الذي تريد؟

حرص الدولة على التسجيل باللوائح والمشاركة في الانتخابات تفرضه الأجواء الدولية والإقليمية، فالتزوير المباشر والتدخل المفضوح لن يجني منه المغرب إلا المزيد من العزلة، والحرص على الظهور بمظهر النظام “الديمقراطي” يفرض على وزارة الداخلية التخلي- بنسبة من النسب- عن أسلوبها القديم والبحث عن أساليب جديدة من قبيل التحكم في التقطيع الانتخابي والعمل بنمط اقتراع يساعد على البلقنة وتشتيت القوى السياسية…

إن إشادة المجتمع الدولي بالتجربة الديمقراطية الفتية في الجارة موريتانيا تجعل المغرب أمام تحد حقيقي، خاصة ومنطقة شمال إفريقيا أصبحت اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحت المراقبة الدولية، ليس فقط بسبب ما تحقق في موريتانيا، ولكن أيضا بسبب قضايا هامة يعرفها المغرب العربي، كقضية الصحراء، والهجرة السرية، ومسلسل العنف الذي اتسعت رقعته، وتعددت أشكاله…

تحدث الفنان الساخر” بزيز” في عرضه الأخير عن “التزوير النزيه”، أجل إن النظام السياسي بعيد كل البعد عن إرادة النزاهة والشفافية، لكنه في نفس الآن مضطر لتغيير أسلوبه القديم في التزوير، لذلك نجد هذا الحرص على التسجيل في اللوائح الانتخابية من أجل دفع المواطنين إلى المشاركة في التصويت يوم 07 شتنبر 2007.

ومع كل ذلك يمكن التأكيد من الآن أن المشاركة ستكون ضعيفة وأن التاريخ سيعيد نفسه، فبالرجوع إلى الانتخابات السابقة يمكن تسجيل ملاحظتين أساسيتين بخصوص المشاركة في الاقتراع:

أولا: الضعف الشديد للمشاركة، إذ تكون أقل بكثير مما يتم إعلانه، فالملاحظ أن عدد المسجلين باللوائح الانتخابية يكون أقل بكثير من عدد السكان البالغين سن الانتخاب، وعدد المصوتين يكون أقل بكثير من عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، يضاف إلى ذلك أن عدد الأصوات المعبر عنها ينقص بنسبة مهمة عن عدد الأصوات المدلى بها، حيث تشكل ظاهرة الأوراق الملغاة إحدى الظواهر الملفتة للنظر في الانتخابات المغربية، ففي انتخابات 1993 بلغ عدد الأوراق الملغاة 930.993، وفي انتخابات 1997 كان عدد الأوراق الملغاة 1.085.366، ونفس الأمر تكرر في انتخابات 2002 إذ يقرر بعض الباحثين أن نسبة المشاركة الحقيقة لم تتجاوز 30% وفي أحسن الأحوال 37%.

.

ثانيا: تراجع نسبة المشاركة- انطلاقا من الإحصاءات الرسمية نفسها- من انتخابات تشريعية إلى أخرى، من 82.36 % في انتخابات 1967 إلى .4367 % في انتخابات 1984، إلى 62.75 % في انتخابات 1993، إلى 58.30 % في انتخابات 1997، إلى 51.61 % في انتخابات 2002.

هكذا يبدو من خلال ضعف الإقبال على التسجيل في اللوائح أن المشاركة في انتخابات 2007 ستتسم بنفس السمات، أي ضعف شديد وقهقرى. وعلى الدولة أن تبحث من الآن عن مبررات لتسويقها بعد 07 شتنبر 2007، فإدريس البصري كان يجد ويجتهد في تبرير ضعف المشاركة، ففي انتخابات 1984 برر ذلك بتزامن إجراء الانتخابات مع نهاية العطلة الصيفية، وبعدم السماح للمستقلين بالترشيح، وفي انتخابات 1993 برر ذلك بالجفاف الذي عرفه المغرب سنتين متتاليتين مما جعل مجموعة من الناخبين خاصة “الكسابة” ينتقلون بحثا عن الماء أو موارد أخرى للعيش !!

هذه المبررات “الكلاسيكية” أصبحت لا تقنع أحدا، بل حتى التبرير الذي تم الترويج له كثيرا بعد انتخابات 2002 يظهر أنه لم يعد مقنعا، ألا وهو تراجع الإقبال على السياسة في العالم بأسره، وتراجع نسبة المشاركة حتى في الدول العريقة في الديمقراطية، ولعل من أهم ما يدحض هذه المبرر هو الإقبال المكثف على المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بفرنسا، إذ تعدت نسبة المشاركة في الدور الأول 84%. ثم إذا صح وكان ضعف الإقبال على السياسة ظاهرة عامة، فإن الأسباب تختلف من بلد إلى آخر، فالباحث الأمريكي روبرت أ. دال في كتابه “التحليل السياسي الحديث” حدد الأسباب الأساسية التي توضح لماذا لا ينخرط الناس في السياسة في المقولات الآتية:

-أ سيكون من غير المرجح أن تنخرط في السياسة إذا ما اعتبرت أن المكافأة المتوقعة من وراء ذلك منخفضة القيمة مقارنة بالمكافأة التي تتوقعها من أنواع أخرى للنشاط.

-ب- ليس من المرجح أن تنخرط في السياسة إذا ما اعتقدت أنه لا يوجد فارق جوهري بين البدائل المتاحة أمامك، وبالتالي فإن أيا ما تقوم به لن يكون له تأثير.

-ت- سيكون احتمال انخراطك في السياسة قليلا إذا ما اعتقدت أن ما تقوم به لن يحدث فرقا، لأنك لا تستطيع أن تحدث تغييرا جوهريا في النتيجة على أي حال.

-ث- احتمال انخراطك في السياسة سيكون أقل إذا ما شعرت بأن الناتج سيكون مرضيا لك نسبيا دون أن تتدخل.

-د- سينخفض احتمال انخراطك في السياسة إذا ما شعرت أن المعرفة التي لديك محدودة جدا إلى درجة لا تجعلك مؤثرا.

-ذ- كلما زادت العقبات الموضوعة أمامك، انخفض احتمال أن تنخرط في السياسة.

فإذا كان العامل (ث) مثلا يشكل العامل الأول في عدم انخراط المواطنين في السياسة بالدول الديمقراطية فإن العوامل (ب) و(ت) و(د) و(ذ) تشكل العوامل الأساسية في العزوف السياسي بالدول النامية ومنها المغرب.

إن ضعف المشاركة في الانتخابات في المغرب سببه الأول والأساس غياب الثقة، غياب الثقة في النظام السياسي الذي لا يجعل من الانتخابات سوى وسيلة لتعيين خدّام لمالكي السلطة، وغياب الثقة في المؤسسات التي هي عبارة عن أعجاز نخل خاوية لا سلطة لها ولا قرار، وغياب الثقة في الأحزاب التي لا تتنافس إلا في إظهار الولاء للفوز بأكبر قسط من الغنيمة السياسية، وغياب الثقة في الإدارة الانتخابية التي لا تتوفر على المقومات الأساسية من حياد واحترافية…

وإن إرادة المشاركة العامة أكبر من أن ترتبط بانتخابات عابرة، وأكبر من أن يصنعها كتيب “دليل المواطنة” الذي طبع منه500 ألف نسخة، أو كتاب “الأحزاب تقدم لكم نفسها” الذي طبع منه 50 ألف نسخة، مهما كانت جودة الطباعة والورق، بل إن من أكبر عوائق المشاركة العامة هذا الكيل بمكيالين في التعامل مع الهيئات السياسية والمدنية، فبعضها تغدق عليه الأموال وتفتح له كل الأبواب، وبعضها يحاصر ولا يسمح له بأدنى حقوقه.

ما السبيل لإعادة الثقة؟ وكيف يمكن تحقيق المشاركة العامة؟ هذا ما ينبغي أن يكون حوله الحوار والنقاش في المغرب إذا أردنا فعلا إيقاف النزيف والتأهيل لمستقبل أفضل.