من يشرف على جهاز DST (*)؟

قرأت مؤخرا البيان الصادر عن مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حيث تبين لي كيف أن جهاز DST أو مديرية “حماية” التراب الوطني أصبح لها يد طولى في إرهاب المواطنين وتهديدهم، في أسلوب تجاوز سنوات الرصاص بكثير، إذا أخذنا بعين الاعتبار خصوصيات الزمان، حيث وسائل الاتصال تطورت وأصبحت المعلومات تصل إلى الجميع بسهولة.

وتساءلت: ترى أحقا أن ما يقوم بهذه الأعمال شرذمة من بقايا البصري وجلاديه؟ كيف يمكن أن نصدق هذا إذا علمنا مستوى تحكم المخزن في كل شيء واطلاعه على “الشاذة والفادة” من أمور البلاد. أم أننا يا ترى نعيش بروز بصري جديد أو أوفقير جديد؟

عندما يهدد عناصر “الدي إس تي” المواطنين وحياتهم، معلنين في فخر أنهم من هذا الجهاز السيء الذكر، فهذا دليل على توفرهم على حماية أسيادهم في أعلى دوائر المخزن الخربة وعلى تطمين قضائي وغطاء سياسي. بمعنى أن الطبقة المتورطة في السياسة والسلطة من برلمان وأحزاب وحكومة وقصر وشرطة وجيش كلها مجمعة على أن ما تقوم به هذه المديرية من تهديدات واختطافات وتعذيب مقبول بل ومفيد للبلاد!

هذه كارثة! هذه مصيبة!

وعندما تصر هذه العناصر على اقتراف نفس الأعمال واستعمال نفس الأسلوب لمرات متكررة ومتقاربة في الوقت، فهذا يعني أن هذه الطريقة قد لاقت قبولا ومصادقة لدى المسؤولين “الأمنيين” داخل كل دواليب المخزن من أعلاها إلى أدناها. ومن يعارض هذه الفرضية فليرنا وجهه وليسمعنا صوته قائلا: “اللهم إن هذا منكر”.

فهذا الجهاز، الذي كان يجب أن يحل منذ سنوات عديدة، يمارس أسلوبه الذي لا يليق إلا بعصابات المافيا قبيل الانتخابات بشهور قليلة، فكأنه يبعث رسالة إلى كل المغاربة مفادها أنه ما عليهم إلا القبول بين الجزرة المتسخة والعصا؟ كأن لسان حالهم يقول: رغم أننا سنقوم بالانتخابات، فإن ذلك فقط للاستهلاك الخارجي، أما أنتم أيها المواطنون فستظلون تحت السيطرة، ومن عارض أو تكلم بالحق، سنسكته بالإرهاب والتهديد، أو بالقتل والتصفية.

دولتان في مغرب المخزن

من يتابع وسائل الإعلام الرسمية في المغرب يظن أنها تتحدث عن بلد آخر غير المغرب، عن بلد فيه الديمقراطية والإنجازات العظيمة الكبيرة العالية الجميلة الخالدة الناجحة المتقدمة العصرية المتفتحة الحرة العادلة…إلخ. هذه دولة أولى!

ومن يطلع على واقع الحال والمعاش، يفاجأ بوجود هذه الدولة الأخرى التي تصفعه بواقعها الكريه. الاختطافات التي لا تريد أن تتوقف أو تنتهي، والسجون المكتظة، والتعفن العميق في كل أجهزة الدولة وتفشي المحسوبية والرشوة وشراء الضمائر والفساد الإداري والأخلاقي…إلخ. هذه دولة ثانية.

ففي مغرب المخزن توجد إذن دولتان:

– دولة أولى مزدهرة، لا توجد إلا في وسائل الإعلام الرسمية التي تذكر بأجهزة “البروباكاندا” السوفييتية. فهي دولة خيالية، افتراضية (virtuelle) كما يقولون في المعلوميات.

– ودولة ثانية، تطحن ببؤسها المواطنين في أحياء القصدير، وقرى الفقر والمرض والزمهرير القاتل، ودهاليز السجون ومراكز التعذيب السرية والعلنية، وترهل وفساد مؤسسات الإدارة، ونتن الحياة السياسية المبنية على إعطاء المسؤولية لمن يركع أكثر وأطول وبخشوع أعمق للطاغوت ، وتهدم الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

دولة سيدتها الدعاية وتبريق وجه العجوز الشمطاء، وتكحيل عينيها العوراء، وإخفاء تجاعيدها الغائرة المنذرة بالرحيل القريب. نسأل الله العلي القدير أن يحفظنا من سوء العاقبة. وسيد هذه الدولة الإعلام المأجور، وسد أفواه الصحافة النزيهة القادرة على فضح الحقائق عوض التركيز على أخبار السوق والسوقة.

ودولة سيدتها DST، وما جاورها من مؤسسات مشبوهة هدفها تأبـيد إذلال الناس وتركيع الشرفاء والحفاظ على الواقع النتن.

السفينة والقائدان

إنه لا يمكن للدولة الخيالية المزدهرة أن تتحول من شاشات التلفاز إلى الواقع، إذا لم يتم القضاء على الدولة الأخرى: دولة الاختطافات والبؤس الاجتماعي والسياسي. فلا يسع سفينة يقودها ربانان إلا أن تفشل في تحديد وجهتها والتحرك من مكانها بعيدا عن العاصفة التي ستخرقها لا محالة إذا استمر الوضع على ما هو عليه، لا قدر الله.

إن دولة الحريات والعدل والكرامة لا تنبني على الانتخابات لوحدها، خصوصا إذا كانت مزورة. ولكن ترتكز بالأساس على ضرورة وجود صوت قوي لمعارضة حقيقية، تتحرك محمية، وتتكلم بحرية وتنتقد وتنصح بدون أن تخاف على رجالها ونسائها من الاختطاف والمداهمات والمحاكمات. أما إذا انتفى وجود هذه القوة المعارضة المتيقظة، فإن الانتخابات لن تحمي البلاد من الانزلاق إلى العنف والانفجار والثورة على غرار إيران الشاه، رومانيا تشاوشيشكو، وروسيا غورباتشوف.

وحين ذاك قد لا يكون مقصد خرق السفينة إغراق أهلها، ولكن لألا يأخذها الطغيان غصبا. حفظنا الله من العنف والثورة، ووفقنا لقومة تحقن الدماء، وتقيم الحق والعدل وتحقق الإحسان. آمين.

—————-

هوامش:

* : – DST: Direction de la Surveillance du Territoire، أو مديرية مراقبة التراب الوطني، هي مؤسسة سرية مخابراتية مغربية، تعمل داخل التراب الوطني للمغرب، ولها تاريخ طويل في الخروقات الحقوقية في حق القوى المعارضة.