لا يختلف اثنان في أن التوقيت الذي أثيرت فيه قضية الأخ عمر محب، عجل الله بإطلاق سراحه، له دلالة واحدة تجعل هذا الملف جزء من سياق المضايقات المخزنية على جماعة العدل والإحسان التي ينتمي إليها. إنه أسلوب ورثه “العهد الجديد” من بين ما ورث عن “العهد القديم”، إذ أعجزت كثرة أوجه التشابه كاف التشبيه عن أداء غرضها اللغوي، فالمتهم عضو في جماعة العدل والإحسان وناشط سابق في فصيلها الطلابي، والتهمة القتل، والمقتول أحد الطلبة القاعديين، والشهود بصيغة المفرد هو خصم سياسي وطرف في القضية، والأدلة المادية لعملية القتل منعدمة، وشهود يؤكدون أن المتهم كان وقت وقوع الجريمة خارج المدينة التي وقعت فيها الحادثة في إطار ملتقى طلابيا بمدينة البيضاء، ولأن لا شيء يستقيم مع منطق المخزن … فإن القضية أحيلت على المحاكمة.

إن سنوات التدافع بين جماعة العدل والإحسان والنظام المغربي تعلمت منها الجماعة مخططات النظام ونمط تفكيره وأسلوب تحركه، وأدرك فيها العهد القديم حقيقة الجماعة وقوتها وثباتها على مبادئها، لكن يأبى العهد الجديد أن يستفيد من تجارب سابقه فيصر على أسلوب متقادم لن يوصله إلى مبتغاه ومراده. ومصيره أن يدرك ذلك إن عاجلا أو آجلا.

فحرب المخزن إذن على الجماعة واضحة الأسباب والسياق وأكاد أجزم بنتائجها، ولله علم الغيب كله. لكن الذي يحتاج إلى فهم وتحليل هو كيف تسمح بعض الأطراف لنفسها أن تكون لعبة بيد النظام يستعملها في هذه المعركة لتحقيق أهدافه؟ ومن ذلك تلاعبه بالقضاء واستغلاله لمواقف بعض الحقوقيين.

فالقضاء يعيش مرحلة جد حساسة مع انبجاس فضائح بعض القضاة، فمن “رسالة إلى التاريخ” التي نشر أصحابها غسيل قضاة تورطوا في الرشوة والمحسوبية … إلى فضيحة “رقية أبو علي” التي وصلت معها سمعة القضاء إلى الحضيض وهي تعمم بالصوت والصورة قضاة في أوضاع جنسية مخجلة ومقززة واعترافات إرادية بالارتشاء وبعدم مصداقية الأحكام القضائية، هذا فضلا عن التاريخ الطويل “لقضاء التعليمات” الذي اغتال كل قيم العدل والحق والمساواة. والواقع أن المواطن المكتوي بظلم القضاء كان يعرف مثل هذه الأمور ويتداولها، إلا أن الجديد فيها هو إشهارها بشكل يوجه الاتهام إلى أشخاص بعينهم.

إن هذا الوضع يجعل المتتبع لقضية المعتقل عمر محب يتساءل عن قدرة القضاء على النجاح في امتحان النزاهة والاستقلالية، إنه نجاح صعب لكنه ممكن؛ صعب مع الأبعاد السياسية والإعلامية التي أخذتها القضية وتدخل المخزن كطرف أساسي فيها، وممكن لأن صوت الضمير والنزاهة المهنية والإحساس بالمسؤولية وعظمها أمام الله ثم أمام التاريخ قيم ستظل موجودة وحاضرة في أي زمان ومكان مهما بلغ الوضع من حضيض. إن الحديث هنا عن الضمير والمسؤولية ليس استجداء أو التماسا وإنما هو واجب إعطاء الحق لأصحابه ودعوة للعمل من خارج الظروف التي ترسم للقاضي خطا واحدا للتفكير والتحقيق والمحاكمة وأيضا … اتخاذ القرار.

وإذا كان القضاة يعيشون إكراه التبعية العضوية للنظام القائم فإن الحقوقيين غالبا ما يعيشون إكراه التبعية لإيديولوجية معينة قد، أقول قد، ترسم لهم حدود التعامل مع بعض القضايا الحقوقية سلبا أو إيجابا، بجرأة أو باحتشام، بحملة منظمة أو ببيان يتيم أو بصمت رهيب، وفي مثل هكذا وضع يكون الحياد، وهو عنصر أساس في أي حركة حقوقية، رهن المساءلة الأدبية، إذ لا معنى لمنافح عن حقوق الإنسان إن لم يتجرد من كل المزايدات السياسية والانتماءات الحزبية والتعصبات المذهبية والنزاعات الإيديولوجية.

مبرر هذا التخوف هو ضبط النخبة الحقوقية في حالة تقصير ما كان يجب أن تقع فيه، حيث أنها لم تولي أهمية تليق بحجم الاعتقالات الواسعة في صفوف أعضاء وقيادات ورموز جماعة العدل والإحسان بأساليب خارقة للقانون، حيث أن الهجمة الشرسة على الجماعة لم تلق حقها من الإدانة والرفض والتعاضد الجماعي في وجه تصفية الحسابات السياسية بطريقة بوليسية مع إحدى أهم قوى المجتمع السياسي وصلت إلى حد تقديم الكثيرين منهم إلى محاكمات ملفقة والحكم عليهم بأحكام ثقيلة.

و إذا مضينا إلى محاولة فهم الأسباب التي تقف وراء خيانة النخبة الحقوقية لنفسها ولمقولاتها وبرامجها المعلنة التي لا تمل من ترديدها ليل نهار على مسامع العالم، سنجد الاختلاف الفكري والإيديولوجي يفرض ذاته بقوة، هذا لأننا استبعدنا احتمال التآمر بين النظام والحقوقيين. إن الحقوقي أيا كان، في حاجة إلى مراجعة نفسه إذا لم يتألم لظلم يقع على أي من مكونات الحياة السياسية، أفرادا وجماعات، وأرى أن الواجب يقتضي أن يخرج الجميع من ضيق التحزب إلى سعة القيم المشتركة، فلا يقبل بأي انتهاك يتعرض له أي مؤمن بهذه القيم، يتساوى في ذلك ظلم يتعرض له أي من هؤلاء الذين أحبوا هذا الوطن، ونذروا أنفسهم لرفعته وإصلاح أموره وأحواله.

ينبغي أن يعلن الجميع تضامنه بقوة ضد كل عدوان على حريات وحقوق المواطنين أيا كانت انتماءاتهم الفكرية والسياسية، ونريد أن يكون تضامننا مع المختلفين معنا بنفس قوة تضامننا مع المتفقين معنا في الفكر والمذهب السياسي، وذلك أول الطريق إلى العمل من أجل انعتاق المغرب مما هو فيه.

من أجل ذلك كله، ولأن القلوب لا تنكر نبضها، والأشجار لا تتبرأ من ثمارها، فكلنا عمر محب حتى الإفراج عن عمر محب.