“الدين أفيون الشعوب”،عبارة تعب فلاسفة الفكر الاشتراكي من لوكها، وأبلى القادة والزعماء كل بلاء منكلين برموز الفكر الرجعي في زعمهم.الأفيون مخدريعطل في مستعمله عقله، ويغيب وعيه حسا وواقعا، وكل ما يلهي الناس عن حقوقهم ومطالبهم، ويشغلهم عن همومهم، ويستخف بعقولهم ويغرر بهم فهو أفيون.

حورب الإسلام ـ وما يزال ـ بهذه الفكرة، لكن العجيب الغريب أن تتبنى تنظيمات اشتراكية هذه الفكرة، تستجدي بها تعاطف الجماهير،وتتحايل على الشعب،والفئات الفقيرة منه بصفة أخص؛ بالأمس كانت تستدرجه وتخطب وده الانتخابي والعاطفي بناس الغيوان، تستغل جماهيريتهم وشعبيتهم، حتى إذا أفل نجمهم الفني، تحول الاهتمام إلى “الهيب هوب أو الراب” باعتبارها موجة “فنية”جديدة،أو يراد لها أن تكون كذلك، فغدت بين عشية وضحاها تتبنى لونها “الفني”، فراحت تمكن لها، فمن مهرجان الشوارع بالدار البيضاء،إلى استدعاء أحد رموز هذه “الموضة الفنية” لتنشيط مؤتمر حزبي بالرباط، وقبل شهر لتنشيط مهرجان الوردة الربيعي ،حيث حضر “شيوخ” الحزب ليخطبوا ود شباب البيضاء، ويقنعوه بجدوى المشاركة في الانتخابات،وتجديد الثقة في “مناضليه”بطريقة غير مباشرة.

قمة الاستخفاف بالعقول والمشاعر أن يوظف لون “فني” يعبر بوضوح عن حالة رفض واحتجاج عن أوضاع شباب خاب أملهم، وتبخرت أحلامهم،وطال انتظارهم لفرصة عمل تحفظ كرامة النفس، للدعاية لسوق انتخابية يحتكر”شيوخ”الأحزاب خراجها، مقابل أن يوفروا للشباب مهرجانات الرقص والتغني بآلامهم وهمومهم.

إن مطالب الشباب اليوم أكثر من أي وقت هي الحياة الكريمة حيث الحقوق مضمونة مكفولة،من تعليم نافع،وعمل شريف(92% من الشباب الذي تم استجوابهم في إطار “جمعية2007 دابـا” يطالبون بالشغل)، وسكن محترم، وحق في المشاركة الحقة في تدبير شأن عام البلاد، من خلال حريات التعبير والرأي والاقتراح،والحق في تحمل المهام والمسؤوليات السياسية.

شباب حبذا لو سمع ساستنا آهاته وشكاويه بلغته الفنية التي يظهرون ولعهم وشغفهم بها،آهات يبثها الشباب في أغانيهم نقف عند إحداها وعنوانها:”بارك من الخوف”، نستنبط تقييمهم للوضع العام للبلاد، والذي شخصته الأغنية وصنفته في المجالات الآتية:

1. التراجع الخطير في المجال الحقوقي، يفسره خوف المواطن من السلطة وأعوانها:”تخاف من البوليسي، وتخاف من لعندو لفلوس، تخافوا من كل شي، ما تخافوا من الله…كاين لي فيكم تشد ظلم، وكاين لي فيكم لتفركع في ساعة..كاين فيهم ليمات قدامي، كاين لقتلوا منهم وفلتوا…”

2. تعميق هوة التفاوت الطبقي بين فئات المجتمع:”وكاين لي كايربح مليار،..وكاين لي كايربح ريال”

3. غياب مناصب الشغل ونهب المال العام:”..هاذ العام ما خرجوش لفلوس باش نخدموا،…راكم شفرتوا أولاد لبلاد..”

مطالب مشروعة طال انتظارها، ومسلسل “مكسيكي” لانتقال ديمقراطي لم ينجز مخرجوه حلقته الأخيرة، ليبدأ التاريخ الديمقراطي في البلاد،الذي لم تتأثر لا برياحه الشمالية الأوروبية،ولا برياحه الجنوبية الموريتانية، وأنى لها ذلك والديمقراطية مستعصية داخل أحزابنا، فكيف تعمم؟

بدأ العد العكسي لسباق البرلمان2007،وروجعت الحسابات،ووضعت التكتيكات،ووزعت الدوائر بين زعماء الأحزاب،وروعيت المسافات المطلوبة تفاديا لأي تماس،وتووفق على الحصص،وترك مجال ضيق للمفاجئات، وحددت أدوار الكبار من الممثلين، ولتكتمل الفرجة لا بد من “الكومبارس” (صغار الممثلين الذين يتقاضون عادة 50 درهما لليوم)،وهذه مهمة الشباب لسد الفراغ،ولا بأس من مغازلته بإظهار التعاطف معه،والإعجاب به وبطاقاته “الإبداعية” التي كانت بالأمس القريب عملا سوقيا مبتذلا، وغدت اليوم وإلى نهاية الصيف شكلا تعبيريا شبابيا، يستحق أن يشجع ويفرض على عموم المغاربة من خلال تقديم مجموعاته الغنائية قبل مسلسل “وجع التراب”،الذي انتهى بهروب الأب سيدي أحمد بعد أن فشل في تدبير شأن أبنائه؛ومن الموافقات العجيبة أن ينتهي المسلسل بصورة الأب سيدي أحمد وهو يتجه نحو أحد أبواب مدينة مكناس العتيقة ذات الأحياء الشعبية مهد موجة “الفنية” الجديدة على إيقاعات “حمادشة”.

هل المشاركة في التغيير الذي سيأتي مرحلة مرحلة كما تقول الوصلة الإشهارية”المهبهبة” لانتخابات 2007 تعني فقط أن يصطف الشباب الذين تغص بهم الأحياء الشعبية ليدلوا بأصواتهم لإعادة انتخاب من ساهموا ـ فعلا أو تبريرا ـ في إفلاس البلاد،وأغرقوها في مستنقع البؤس واليأس؟

التعبئة للمشاركة الحقيقية في التصحيح والإصلاح تقتضي فتح حوار جاد ومسؤول، يبدأ من تفعيل آلية المحاسبة وفق قاعدة:”من أين لك هذا؟”،ومحاسبة ومتابعة ناهبي المال العام ومفلسي قطاعات حيوية في النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.التعبئة الجادة تكون بطرح حصيلة الحكومة وحصيلة البرلمان خلال الولاية التشريعية التي اقتطع منها أكثر من سنة وتوقف عدادها للتهييء لانتخابات جديدة، قفزا على معضلات اجتماعية وبؤس فئات عريضة من شعب تعيش ثلاثين في المئة منه على أقل من عشرة دراهم في اليوم.

شباب يتنادى عليه اليوم لإنقاذ “من يهمهم” بقاء الوضع على ما هو عليه، حفاظا على مصالحهم وامتيازاتهم، وهذا تناقض صارخ مع دعاوى التغيير، وكيف السبيل للتغيير والتجديد ومن “الشيوخ” الحزبيين من ولج البرلمان منذ نشأته، ولم يغادره إلى اليوم، ويعقد العزم ـ وكل الشروط متوفرة لذلك ـ على ألا يغادره، فقد “رضيه” بيتا وملاذا.

تخوف من عزوف الشعب عن الانتخابات شعور قديم متجدد، قديم إذ سبق للملك الراحل الحسن الثاني ـ رحمه الله ـ أن خاطب الشباب بالعبارة المشهورة “يا معشر الشباب تسيسوا”، واليوم لسان حال المناضلين يقول:”يا معشر الشباب تهبهبوا”؛شعور وتوجس يقر من خلاله القائمون على تدبير الشأن العام للبلاد بافتضاح اللعبة،ووعي المواطنين بعدم جدوى المشاركة فيها،فالعبرة بالنتائج،والتجارب أثبتت غياب البرلمان عن قضايا الشعب وهمومه،وصناديق الاقتراع لا تفرز حكومة ذات مسؤولية والتزام سياسي،والواقع الاجتماعي لعموم الشعب يزداد بؤسا وتبئيسا، فكيف السبيل لإقناع الناس بالمشاركة في انتخابات2007″دابـا” ؟