تابعت كغيري من المغاربة باهتمام بالغ الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت يومه الأحد 22 أبريل 2007 لاعتبارات عدة منها:

– التبعية المغربية لفرنسا بحكم سابقة الاستعمار، وطبيعة النخب الممسكة بزمام الأمور في المغرب، وغالبيتها خريجة النموذج الفرنسي.

– الترابط الكبير بين المغرب وفرنسا، وخاصة من حيث تأثير الجالس في قصر الإليزيه على القرار وصناعه في المغرب، ساسة كانوا أم رجال مال وأعمال…

– عدد المهاجرين في فرنسا، وخاصة المغاربة.

– الدور الفرنسي في مواجهة الانفراد الأمريكي في تدبير نزاعات وقضايا كثيرة في العالم.

– استلهام العبرة منها، خاصة ونحن مقبلون على انتخابات في 07 شتنبر 2007.

ويبدو من السابق لأوانه الحديث عن نتائجها قبل إجراء الدور الثاني في 6 ماي، ولكن ما لفت نظري في هذه الدورة الأولى هو حجم المشاركة الذي فاق 84% وهي نسبة عالية تعكس درجة الإقبال والاهتمام والتجاوب الشعبي.

وحين أقارن ذلك بالانتخابات التي يجري الإعداد لها في المغرب، وخاصة ما تورده وسائل الإعلام حول ضعف الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية، وعزوف عن الاهتمام بكل ما يحيط ويتعلق بها تصيبني الغيرة ويتملكني الخجل وأتساءل، لماذا هذا الاختلاف إذن؟

يجيب بعضهم بما يريح نفسه مسهبا في الحديث عن فرنسا وسابقتها في الديمقراطية ودرجة الوعي لدى المواطن، وأننا في المغرب مازلنا في البداية.

لكن هذه إجابة عامة تقود إلى تسطيح وتبسيط لا يساعدان على النفاذ إلى العمق لاستلهام العبرة من الآخر؛ ولذلك ارتأيت المساهمة بهذه الأفكار مبينا جملة الأمور التي تحققت في فرنسا فجعلت إقبال المواطنين كثيفا، وتغيب في المغرب فتجعل الإعراض قاعدة عامة.

1- الشراكة: في فرنسا يحس المواطن بأنه شريك في القرار، وأنه صانع الدستور، والحاسم في تحديد الاختيارات الكبرى، والمرجح في اعتماد السياسات العامة، ويشعر بأن لحظة الاقتراع فرصة يمسك فيها بزمام الأمور، يحاسب هذا ويكافئ ذاك؛ بينما نحن في المغرب نعيش على المنحة، فالدستور ممنوح، والحقوق هبة من الحاكم لا نحس بطعمها ولا تصيبنا الغيرة عليها.

2- المصداقية: العملية الانتخابية في فرنسا تتمتع بمصداقية بسبب نزاهتها واحترامها

لاختيار المواطنين كيفما كان، بينما الانتخابات في المغرب موجهة طيلة كل مراحلها، ونتائجها معروفة قبل أن تجرى.

3- التعددية: في فرنسا هناك تعددية سياسية حقيقية تفتح الباب أمام كل وجهات النظر وتمنحها حقها في التنظيم والتعبير والتواصل، فيحس كل مواطن بأن هناك من يمثله ويدافع عنه فيضطر إلى التجاوب معه مشاركة في الاقتراع، بينما في المغرب نعيش تعددية حزبية شكلية تحجب الشرعية القانونية والسياسية عن كل معارض حقيقي يمكن أن يعيد النظر في اللعبة كما هي موضوعة سلفا.

4- تنوع البرامج: في فرنسا يتنافس الفرقاء السياسيون بناء على برامج متباينة يحس المواطن الفرنسي بأن مصالحه قد تتضرر إن لم يشارك لدعم المرشح الأقرب إليه، بينما في المغرب يجري التنافس بين الأحزاب على كراسي وامتيازات، أما البرامج والخطة فيصنعهما من يمسك بزمام الأمور في الخفاء، ولذلك يحس المغاربة بأن لا جدوى لمشاركتهم في صناعة القرار.

5- الحياد: في فرنسا مؤسسات الدولة تقف في لحظة الانتخابات على الحياد، حكومة أو وسائل إعلام أو إدارة عمومية، ولذلك تتحقق المساواة بين الساسة بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، ويتسابق الجميع لتعبئة المواطنين واستمالتهم لأنهم من يحسم في اختيار هذا وإسقاط ذاك، بينما في المغرب مؤسسات الدولة غير محايدة، أو حيادها سلبي، ولذلك يتسابق أغلب المرشحين إلى نيل رضى السلطة لأنها المتحكمة في النتائج.

قد تطول اللائحة، ولكن هذه أهم المؤشرات التي لن تنجح انتخابات في المغرب ما لم تتحل بها. ولذلك تصعب المقارنة، أو كما يقول الفقهاء ” لا قياس مع وجود الفارق”.

عرفت مصر في الشهر الماضي اقتراعا حول تعديل الدستور كان كارثيا بكل المقاييس إذ لم تصل نسبة المشاركة 5 % رغم حملات التعبئة، التي تجندت لها الدولة بكل وسائلها، بسبب استئثار السلطة وتهميشها لباقي مكونات المجتمع. وفي المغرب يتهددنا نفس المصير وتطاردنا نفس النتيجة إلا أن يلجأ أصحاب القرار إلى التزوير ونفخ نسبة المشاركة كما هي عادتهم.