لا يسع المتتبع لتطورات مبادرة الحكم الذاتي إلا الاستغراب لمنطق السياسة في المغرب، فطوال 15 شهرا، وهي المدة التي استغرقها الإعداد للمبادرة وتسويقها لدى دول كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها، والتكتم سيد الموقف، والانفراد هو المنهج المفضل لدى المكلفين بالملف. وبقيت المؤسسات المعنية غائبة، أو مغيبة، فالأحزاب قدمت مقترحات محافظة ومحتشمة دون أن تعرف مصيرها حتى اطلعت على النسخة الأصلية التي كانت أكثر ثورية من مقترحاتها، والحكومة لم تتدارس الموضوع في أي من لقاءاتها كما صرح بذلك وزراء فيها وكأنها غير معنية أو كأن الملف خارج نطاق اختصاصها، والبرلمان، الذي يفترض فيه أنه يمثل الأمة، مغيب عن الموضوع. وربما ليس في هذا جديد فنحن اعتدنا على ذلك حتى أصبح الأمر صناعة مغربية صرفة؛ أي أن الذي يتحكم في كل شيء حكومة في الخفاء، والذي يمسك بزمام الأمور رجال معدودون على رؤوس الأصابع بينما الحكومة والبرلمان والأحزاب ديكورات لتزيين الواجهة وتلميع الصورة والظهور بمظهر الدولة الديمقراطية الحديثة!!.

لكن وجه الاستغراب يكمن في الدرك الذي وصل إليه ممثلو هذه المؤسسات، فالأحزاب كلها أعربت بطريقة غريبة عن تبنيها للمبادرة واعتبرتها واقعيةً وشجاعة، وعبرت عن اعتزازها العميق بالمقاربة الملكية التشاركية، وأكدت استعدادها للدفاع عنها رغم أنها لم ترها ولم تطلع عليها إلا بعد تسليمها للأمين العام للأمم المتحدة يوم الأربعاء 11 أبريل 2007، وقد كان محمد معتصم، مستشار الملك، عقد لقاء مع ممثليها فأخبرهم بفحوى المبادرة وقرأها عليهم دون أن يمكنهم من الحصول على نسخة منها بدعوى تقاليد وأعراف العمل. والمفاجأة أن المبادرة نشرت على صفحات الجرائد ليطلع قادة الأحزاب ونواب الأمة ووزراء الحكومة في وقت واحد مع عموم المواطنين. مساواة قلما تتحقق ويوم تحققت كانت أقرب إلى الفضيحة!!!.

أما البرلمان فقد عقد بمجلسيه جلسة للجنة الداخلية والخارجية في كل مجلس لإطلاعهم على المبادرة، ولو بعد تقديمها ونشرها!!!، واحتج الأعضاء على عدم تسليمهم المشروع قبل نشره في الصحافة. ولأن الأعمال بخواتيمها فقد عبروا عن انخراطهم التام في المبادرة الملكية التشاورية الحكيمة والشجاعة.

الحكومة، بدورها، التحقت متأخرة وبدأ بعض وزرائها يؤطرون لقاءات ويدلون بتصريحات لشرح المبادرة وأهدافها وسياقها و…..

بقي الكوركاس، وهو كذلك استدعي أعضاؤه على عجل لأمر يهمهم دون أن يعرفوا فحواه، وخصصت لهم طائرة خاصة تحملهم للرباط. ولما حضروا وجدوا رئيسهم أعد مسودة بيان يعلنون فيه تجندهم وراء الملك من أجل إنجاح المبادرة. صادقوا عليه بعد بعض احتجاج ونقاش، وكل ذلك جرعات مهمة في الديمقراطية المغربية: أضمن لك حرية التعبير على أن تخول لي كل صلاحيات التقرير.

وبعد كل هذا يتحدث المسؤولون عن التدبير التشاوري والاستعداد لمناقشة كل شيء. فماذا سيقول أعضاء مجلس الأمن حين يطلعون على هذه الحقائق، وهم حتما اطلعوا عليها؟ وكيف يتقون في هذه الرغبة؟

كيف نفسر استعداد هؤلاء لمناقشة كل تفاصيل المبادرة مع البوليزاريو وتضيق صدورهم بمناقشتها مع نواب الأمة ووزراء الحكومة وممثلي الأحزاب، فأحرى المواطنون.

إنها مأساة حقيقية تؤشر على حالة إفلاس سياسي يساهم فيها بقسط وافر ساسة هذا البلد ومسؤولوه. وبعد ذلك يستغربون عن عزوف المواطنين وإعراضهم ولامبالاتهم وكأنهم يريدون لكل مكونات المجتمع أن تكون مثلهم: يساقون ويفعل بهم، ينفذون الأوامر والتعليمات دون نقاش.

إنها الحقيقة المرة التي يتحاشى الكثيرون التصريح بها: الإفلاس السياسي في المغرب سببه بؤس ساسته.

ماذا سيحصل لو أن حزبا أبدى اعتراضه على المشروع بمبرر شكلي وهو أن استشارته خالية من أي جدوى لأن المشروع قدم ولا فائدة من مناقشته؟ وماذا سيحصل لو أن حزبا لاحظ على طريقة إعداده التي غيبت المعنيين به؟ ولماذا لم يكلف أي حزب نفسه عناء البحث عن مصير المبادرة في حالة عدم تبنيها من قبل الأمم المتحدة وهي النتيجة المتوقعة طالما أنها تحرص على حل تفاوضي يرضي كل أطراف النزاع ورفض الجزائر والبوليزاريو للمبادرة متوقع ابتداء؟ ولماذا لم يتقدم أي حزب بهذه الملاحظات؟

يصعب الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها، ولكن النتيجة أن هذا الملف مازال يحظى بالقداسة التي تمنع أي واحد الاقتراب منه فأحرى أن يبادر بشأنه، أو يعترض على طريقة معالجته، وربما سبب ذلك أن الأحزاب أخذت العبرة مما جرى للمرحوم عبد الرحيم بوعبيد لما عارض الحسن الثاني بشأن الاستفتاء. لعلكم تعرفون تفاصيل القصة، وإن لم تكونوا تعرفوها فاسألوا عنها لأنها تعكس جزءا آخر من شخصية الحسن الثاني.