لا شك أن ما عاشه المغرب من أحداث دامية في الدار البيضاء، الناتجة عن التفجيرات العمياء، ليطرح أسئلة متعددة ينبغي التصدي لها والانكباب عليها في لحظة هدوء مصحوبة ببعد نظر، بعيدا عن رائحة الدم ومنظر الأشلاء، وصوت الرصاص والبارود، وكذا التوظيف السياسوي المقيت.

حسابات ضيقة

لا شك أن بعض سياسيينا المنافقين وبعض الصحافيين المرتزقين من المهنة، والذين يجمعهم شيء واحد، وبالطبع ليس حب الوطن ولا المصلحة العامة…ولا …بل هو الحقد المرضي والكره الشديد لكل ما له صلة بالإسلام والمسلمين: َوُّدوا لو استبدلوا شعبا آخر بالشعب المغربي، ودينا آخر بدين الإسلام … وأنَّى لهم … فتراهم يعلنون تصريحا أو تلميحا أن:

– ثقافة الإرهاب متجذرة في الإسلام

– الإرهابيين يتغذون من الفكر المسمى عندهم “معتدلا”

– البرامج التعليمية (التربية الإسلامية) تكرس فكر الإقصاء

وأشياء أخرى، وترهات ساقطة لا نريد التعرض لها أو ذكرها، ولذلك فهم يقترحون بكل وقاحة أن تتم “تنقية” المقررات من تلك الأفكار، والتضييق على الحركات الإسلامية ومحاصرتها، ويبدو أن السلطات، وبسبب التقاء المصالح، تنصت إليهم خاصة وأن من المحسوبين على هذا التيار من يتحملون مسؤوليات في الحكومة ويتصرفون بدوافع حزبية مقيتة بعيدة عن مصلحة المواطن والوطن.

دروس من التاريخ

وأنا لا أريد أن أناقش هذه الأفكار ولا دحضها لأنها تتسم بالسطحية والارتجال والبعد عن التحليل العميق الذي يستحضر الأبعاد الاجتماعية والسياسية والدولية وحتى النفسية للظاهرة.

وإذا رجعنا إلى التاريخ القريب  إن كنا نستفيد من التاريخ  وبالتحديد في بلاد مصر، حيث كان “البطل القومي” عبد الناصر “ملهم الجماهير”، وكان المنافقون والمتزلفون من حوله يصورون له أنه منقذ الأمة العربية، وباعث نهضتها…و…فصَّدق من كثرة الكذب والدعاية، فاستأسد على المستضعفين، والمومنين وأطلق يد زبانيته في الأحرار تعذيبا وترهيبا وتنكيلا وظلما شنيعا حتى أفاق على هزيمة نكراء أمام الجيش “الإسرائيلي” في ظرف قياسي، وهو الذي كان يصنع صواريخ “القاهر” و”الظافر”، والدرس الذي نستخلصه هو أن بعض الذين عُذِّبوا ونُكِّل بهم ذلك التنكيل البشع، وصلوا إلى قناعة مبنية على تصور بسيط وساذج مفاده أن الذين يفعلون هذه الأفعال(أضف إلى ذلك سب ذات الله تعالى، والاستهزاء بمبادئ الدين…) ليسوا مسلمين، أي أنهم كفار وجب محاربتهم وكل من يساندهم فهو كافر….وهكذا ولد العنف من رحم الطغيان والظلم والاستهتار بالكرامة الآدمية، وها نحن نرى كيف أن مصر لازالت تؤدي ضريبة حماقة الطغاة إلى الآن. وتعدَّدَ العنف وأصبحت له نسخ أخرى مطورة وخاصة بكل بلد…ويعلم الله وحده متى وكيف سينتهي. ومهما يكن من أمر فإنه لا شيء يبرر قتل المسلمين والأبرياء، ولا نشر الفتنة في الناس وترويعهم، لأن العنف لا يأتي بخير، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه.

المغرب

ونحن في المغرب ألا يرى ولاة الأمور وخاصة “الأذكياء” منهم أننا نقتفي أثر تجربة فاشلة، أملتها ضرورة “التنسيق بين وزراء داخلية العرب”؟، فالتعذيب البشع للموقوفين في مركز تمارة السيئ الذكر سارت به الركبان والمحاكمات الظالمة لم تعد سرا في بلد يعلم الكل مدى استقلالية القضاء فيه، والأحكام القاسية والطويلة المدد لأعضاء ما يسمى عندهم بالسلفية الجهادية، مع أن الكثير منهم، لا ذنب لهم ولا تهمة واضحة بينة سوى “الاشتباه” أو تصريح يعبر عن وجهة نظر..ولكن لا حرية يبدو في هذا البلد لغير الحداثيين. إن ما وقع في البيضاء مؤشر خطير، ليس بحجم الأحداث، ولا تقنياتها ولا الخسائر المترتبة عنها، بل للأسباب التالية في نظري:

– إن العناصر الفاعلة هي مبتدئة وقليلة الخبرة

– أعطت الانطلاقة أو على الأقل الفكرة لكل حاقد أو يائس أو محب للانتقام هو في مرحلة “الكمون” حاليا، قد لا يكون بالضرورة ذا فكر “جهادي” كما تصور ذلك وسائل الإعلام، بتركيزها الشديد على الظاهرة، ونحن لا نعلم نتائج التحقيقات، فبعض الأفراد حديثو عهد بالتوبة (دائما حسب وسائل الإعلام..) بل إن والد أحد الضحايا صرح أن ابنه كان وإلى وقت قريب يتعاطى المخدرات….و….وأمور أخرى علمها عند الله عز وجل

– الحقد الشديد الذي يضمره هؤلاء، كرد فعل على التعذيب الذي مورس على بعضهم

– دافع الانتقام لا يخفى، وخفة العقل، وهشاشة التربية الدينية بل انعدامها (ورد في أحد الصحف أن أحدهم لحظةً كان يسب الدين، ويتلفظ بألفاظ بذيئة…)

– الجرأة الكبيرة على قتل النفس وعدم التردد في ذلك.

وبعد

إن الانعكاسات المباشرة لأية سياسة لا تظهر إلا بعد حين، فهل ستكون هذه الأحداث مناسبة لمراجعة سياسة الدولة حول كثير من القضايا وعدم الاكتفاء بترديد شعارات حول المغرب واستقراره وخصوصياته، وثقافته وانفتاحه!!…فالزمن غير الزمن والظروف غير الظروف، والتحديات تَضاعَف حَجمُها وتعقَّد: يا من تتمسكون بسياسة المخزن العتيقة في الأمن…وإفساد الذمم…

ونذكر هنا بعض الأخطاء وإلا فاللائحة طويلة:

– الانخراط الكامل واللامشروط في ظل السياسة الأمريكية فيما تسميه “محاربة الإرهاب”

– التضييق على الدعاة ومحاربة الناس في أرزاقهم وأعراضهم والاستمرار في حبس الأبرياء

وسياسة التفقير وضرب القدرة الشرائية للمواطنين، ومضايقة الأقلام الحرة وتدجين المشهدين الإعلامي والديني، وإسكات الأصوات المعارضة…

ولنعلم أن المغرب مفتوح على الغرب عن طريق البحر، وعلى الجزائر عبر حدود برية طويلة، وعلى موريتانيا عبر صحراء شاسعة، نسأل الله عز وجل أن يحفظنا من الفتن، فهل من سامع عاقلٍ الآن يعتبر وينظر لما بعد الانتخابات…..قبل فوات الأوان