تعيش مدينة الدار البيضاء هذه الأيام على وقع انفجارات مدوية وغريبة خلفت حالة من الرعب والاندهاش لدى ساكنتها، وحالة ارتباك في حركتها؛ ومرد ذلك إلى كثرتها وتقارب توقيتها وعشوائيتها مما خلف انطباعا لدى الكل بإمكانية استهدافه أينما كان وحيثما وجد في أي لحظة وحين.

والملاحظ أن هذه العمليات اقتصرت على مدينة الدار البيضاء دون غيرها من المدن، وهذا يطرح استفهامات عديدة عن سبب ذلك سيما وهي المدينة التي تشهد تعزيزات أمنية استتنائية. وربما يكون في ذلك رسالة تحد لهذه الأجهزة، أو لأن الدار البيضاء مغرب مصغر تجتمع فيها كل تناقضات المغرب ومشاكله، أو لأنها الأكثر حيوية بين مدن الغرب ولذلك فوقع هذه العمليات يكون كبيرا، أو ربما بسبب كثرة سكانها وشساعة مساحتها، وربما لأنها أخصب المناطق في الاستقطاب بسبب البؤس والفقر والحرمان الذي تعانيه فئة من المواطنين الذين يرون، على بعد كيلومترات منهم، مناطق الترف والبذخ.

إن ما نعيشه هذه الأيام يؤشر على:

1- الخطر الإرهابي الذي يتهددنا حقيقي وحجمه يتزايد يوما بعد آخر، فلم يمض إلا شهر واحد على تفجيرات 11 مارس حتى عشنا تفجيرات أخرى أكثر عددا وغرابة بينت أن أصحابها أكثر استعدادا واقتناعا بما هم عليه.

2- فشل السياسة التي تتبعها الدولة للتصدي لهذا الخطر، فرغم التعزيزات الأمنية والملاحقات البوليسية، ورغم عمليات التفكيك التي استهدفت العديد من الخلايا لم تستطع السلطات إيقاف مد وحركية الانفجاريين.

3- حفظ الله عز وجل لهذا البلد حيث تكون الخسائر دائما في مستواها الأدنى رعاية منه سبحانه لأناس هذا البلد الطيبين. نسأل الله عز وجل أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

4- دخول العمل الإرهابي إلى مرحلة أكثر خطورة، وهي مرحلة اللاهدف حيث العشوائية هي أفضل نعث يمكن أن يطلق على هذا النوع من العمليات. وهذا يعني أن هذا الشباب وصل إلى درجة من اليأس والحقد والتشبع بأفكار الغلو يسترخص فيها حياته ويضحي بنفسه حتى لا يقع عرضة للاعتقال وما يتبعه من تعذيب. وربما تكون هذه من نتائج الانتهاكات التي تطال المعتقلين في هذه الأحداث منذ أحداث 16 ماي 2003 حيث يتمنى الواحد، في تلك المعتقلات، الموت ولا يكاد يجده.

ملاحظات على مقاربة السلطة للملف

يحاول رجال السلطة خلق انطباع لدى الرأي العام بأن ما يقع من انفجارات عشوائية دليل على نجاح خططهم التي ضيقت الخناق على الانفجاريين فصاروا يفجرون أنفسهم بدون هدف، وأن مطارداتهم أسفرت عن اعتقال عدد لا يستهان به منهم، وأن حملاتهم الاستباقية قادت إلى تفكيك خلايا كثيرة لهم. والحقيقة أن هذا لا يعدو أن يكون تسويقا لبعد من أبعاد المعادلة، وهناك سكوت عن أبعاد أخرى أكثر أهمية وحساسية.

يجب أن نميز، ابتداء، بين أربع فئات للانفجاريين:

– فئة المخططين: يختارون التوقيت ويضعون الأهداف ويختارون الأساليب وينتقون المنفذين.

– فئة المنسقين: وهم المكلفون بمهام الربط والضبط الذين ينسقون بين الخلايا لإحداث التكامل بين بعضها البعض.

– فئة المنفذين: وهم الانفجاريون الذين يضحون بأرواحهم لتنفيذ المخططات.

– فئة الدعاة إلى هذا الخيار: وهم الذين يروجون لفكر الغلو ويصنعون بيئة تسهل استقطاب هذه العناصر.

وباستقراء للنتائج المحصلة لحد الآن يتضح أن الدولة لم تنجح إلا في التضييق على فئة المنفذين، وبالمقابل لم تنجح في وضع حد لحركة الفئات الأخرى لأنها ببساطة قاربت الموضوع من زاوية نظر بوليسية. ولذلك فمن الصعب التسليم بنجاح السلطة لأن المنفذين كثر، واستقطابهم صار سهلا يساعدهم على ذلك وجود تربة خصبة تتمثل في :

– انتشار هذا الفكر المتشدد.

– سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تقود إلى اليأس.

ومما يؤكد ذلك بساطة هؤلاء المنفذين وسذاجتهم وحداثة تدينهم ، المعدل هو بين أربعة وستة أشهر، ودليل ذلك تلفظ بعضهم بشتائم غير مقبولة، وسابقة بعضهم على إدمان المخدرات. ولذلك فمطاردة هؤلاء المنفذين غير مجدية لأنهم كثر، وأصبحت مدة ستة أشهر كافية لتشكيل خلايا. وإلا فكيف نفسر أنه بعد كل مدة تطلع علينا أسماء جديدة لانفجاريين لم يكونوا مطلوبين ولا مبحوثا عنهم إلا بنشاط الآلة الاستقطابية لهذا التيار.

ملاحظات على مقاربة السلطة

فشلت السلطة في التصدي للخطر الإرهابي، وفشلت مقاربتها في الحفاظ على استقرار البلاد وأمن المواطنين لأنها مقاربة:

– علاجية وليست وقائية: تركز على الإجراءات والتدابير البعدية وليس القبلية.

– اختزالية وليست شمولية: تقتصر على البعد الأمني وتغيب الأبعاد التربوية والاجتماعية والسياسية والتعليمية…

– سطحية وليست عميقة: تعتمد نظام الحملات الأمنية في فترة معينة حيث تكثر التدابير الأمنية ثم تغيب هذه التدابير فترات أخرى.

– عقابية وليست حوارية: تتناسى أنها تواجه شبابا مشحونا بأفكار صارت تشكل جزءا من عقيدتهم واقتناعهم ويستحيل أن يواجه حامل فكر بعقوبة مهما كانت قساوتها.

والحـــل ؟؟؟

عدد هذه الانفجارات وتقارب توقيتها والأماكن التي استهدفتها توحي بأن فتح حوار مجتمعي حقيقي أصبحت مسألة ملحة لأن أمن البلاد واستقرارها أكبر من أن يوكل إلى جهة بعينها ولكنه مسؤولية كل مكونات المجتمع ( سلطة، أحزاب، جمعيات، علماء، مفكرون، مواطنون….).

حوار جاد من شأنه رسم خارطة طريق جديدة تعيد الثقة وتبعث الأمل وتحدد أولويات جديدة تجب ما سبقها من سياسات واختيارات قادت فئة من المواطنين إلى اليأس والحقد بعدما لم يجدوا ملاذا تربويا ومحضنا إيمانيا رحيما ورفيقا.

نحن اليوم بحاجة إلى سياسة تبنى على أساس رباط قلبي وعضوي بين كل مكونات المجتمع بعيدا عن أجواء الفرقة والكراهية. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: « مثل الموَمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ».