بسم الله الرحمن الرحيم الهادي خلقه السبيل القويم، المنعم عليه بميزة الإيجاد والتكوين، خلقه فأحسن صوره، واصطفاه وألهمه، وفضله وكرمه، ثم هو عن الطريق يميل، وإلى غير الشريعة يستكين، فتعهد الله بالمغفرة والصفح الجميل، لمن عاد إليه نادما تائبا معلنا بالتقصير.

أما بعد: فالأمة مجمعة على أن أفضل القرون علما وعملا تلك التي كانت في عهد رسوله صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه أصحاب الرضى واليقين وعهد التابعين من بعدهم وتابعيهم -رضي الله عن الجميع-، تلك القرون الفاضلة الأولى التي تربت بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعايشته وسمعت منه، واستمدت قلوبُها من قلوب من رآه وعاصره وجالسه وآكله، فكانت نعم المثل ونعم الأسوة، تفاضلت على القرون الموالية بمجموع صفاتها وخلالها وبما ميزها الله به من خصائص ذاتية لما أسلمت الوجهة وأخلصت الطلب لله سبحانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”

المجموع

نعني بالمجموع ذلك الكم من الفضائل و الصفات العلمية والعملية المجتمعة في الشخص والتي تجعله فريدا على أقرانه وأترابه، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا في أرفع المنازل وأجلها وأزكاها، ذلك أنهم كانوا يتمثلون الشريعة كلها، وكانوا في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبع وتلاميذ، فلا تكاد تجد صحابيا إلا وهو يمتلك من جليل الصفات ما تكاد تراه أمة وحده، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر رضي الله عنه أنا قال فمن تبع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر رضي الله عنه أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر رضي الله عنه أنا قال فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر رضي الله عنه أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمعن في أمريء إلا دخل الجنة “- صحيح مسلم 1028- وفي قوله عليه الصلاة والسلام:” كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون و مريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام”-صحيح البخاري 3230 .وانظر إلى كتاب الله تعالى وهو يصف المؤمنين بما اجتمع فيهم من خلال الخير وخصالها وما بشرهم به من الإنعام والتكريم لذلك في مثل قوله تعالى:( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( – الفرقان 63-76-.

الميزة

نعني بالميزة ذلك التفرد التام في خصلة من الخصال لدى الشخص والتي تميزه عن باقي ميزات الأقران والأتراب، ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شَامَةً تعلو الأمة ونبراسا ُيحتدى بهم و يُهتدى، كيف لا وهم الذين زكاهم الله تعالى من فوق سبع سماوات، واستمع إلى رسول الهدى وهو يزكيهم في تميز بعضهم عن بعض في قوله صلى الله عليه وسلم:” أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ألا وان لكل أمة أمينا و أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح” صحيح ابن حبان 7131-، وحري بنا أن نسمع فاطمة بنت عبدالملك وهي تصف زوجها عمر بن عبدالعزيز الخليفة الخامس بقولها” والله ما كان عمر بأكثركم صلاة ولا صياما ولكني و الله ما رأيت عبدا لله قط كان أشد خوفا لله من عمر والله إن كان ليكون في المكان الذي إليه ينتهي سرور الرجل بأهله بيني وبينه لحاف فيخطر على قلبه الشيء من أمر الله فينتفض كما ينتفض طائر وقع في الماء ثم ينشج ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول والله لتخرجن التي بين جنبيه ”  الطبقات الكبرى ج1 ص 91،92- وانظر إلى وصف العلماء لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه:” ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة بل بشيء وقر في صدره فإنما هي همم سبقت همما وشتان بين من همته ونيته صلاح العالم وبين من همته ونيته مقصورة على صلاح نفسه”  فيض القدير- ، فلينظر من يسعى أن يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه قدوة متمثلا عاملا أن يكون له من شريعته وخصالها مجموع به يلقى ربه وعنه تصدر أعماله وأقواله وأفعاله ودعوته في دنيا البلاء ومن أراد أن يصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” مثل أمتي مثل المطر لايدرى أوله خير أم آخره” وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي عبيدة لما سأله “قال فقلنا يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك قال نعم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ”  المستدرك على الصحيحين 6992-، فلينفض عن نفسه الغبار ولينقب عن جليل الخصال يرضي بها رب الأنام ويبلغ بها المرام وتكون له وقارا بين الأنام.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه وسلم تسليما كثيرا.