تمتع بدنياك وارتع من شهواتها، وأذهب طيباتك في حياتك الدنيا، واعل في الأرض، وأفسد فيها، وأجلب على المؤمنين برجلك وخيلك، وترنم بقصيد المداحين وأقوال المنافقين فيك، واعتمد على حولك وقوتك، واسدر في غفلتك، وتنكب عن الصراط السوي لأنك لم تر إلا ظلم العباد لك دينا، وعلوت في الأرض ظلما وجورا، وخالفت أمر ربك حين نهى عن الظلم وقال لعباده “ولا تظالموا” وحرم سبحانه الظلم على نفسه. وارتضيته أنت وتجبرت، وطغيت، وأفسدت في أموال الناس، وأعراضهم إفسادا.

غرك حلم الله وتأجيله العقوبة عنك، وما دريت أن أخذه أليم شديد، وما تيقنت أنه سبحانه يمهل ولا يهمل، وأنه سبحانه كما بدأ أول خلق يعيده، وأنه كما أغرق قوم نوح ونجى نوحا ومن قد آمن، وأغرق فرعون وجنوده ونجى موسى وقومه. فكذلك سبحانه أمره في شأن كل متكبر ظالم جبار: إن في ذلك لآيات. يمهل الله الظالم حتى إذا شاء سبحانه أمضى فيه أمره وأنزل به بأسه الشديد. سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

في زمن القبض على الجمر تحيط بالمؤمنين الفتن من كل جانب، وتتربص بهم شياطين الجن والإنس الدوائر، ويشتد بلاء المؤمنين، كل بحسب إيمانه ووثوقه بربه فهذا يبتلى في دينه فيرمى بالبدعة ويتهم بالزندقة والضلالة، وذاك يقذف في عرضه وينسب إليه الزنا ويرمى بالفواحش المنكرة، وذاك يتهم بالحمق والجنون والخرافة. ويجد المؤمن السلوى في محنته، والفرج لكربته في النماذج الناصعة. نماذج الأنبياء والرسل عليهم السلام، الذين صبروا على ما أذووا في ذات الله تعالى، وما وهنوا وما استكانوا. بل إنهم صمدوا إلى غايتهم التي

ابتعثوا لأجلها، ألا وهي إسماع كلمة الله لعباد الله فما منعتهم الصواد عن بلوغ

مراميهم ومقاصدهم السنية الحميدة.

ويرتاح المؤمن إلى خالقه تعالى الذي تكفل بحفظ عباده الذاكرين له في دائرة حصنه الحصين. قال سبحانه في الحديث القدسي “لا اله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي” ومن ذاد عن حصن الله وجاهد لتكون كلمة الله هي العليا فحق على الله أن يحفظه مما لا يعلم، ولا

يخطر على باله من المؤذيات المهلكات التي ترميه بسهامها وتقصده بالهلاك، والأذى مما تمكره الشياطين. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

ولما علم المؤمنون أن الدنيا إنما هي دار ابتلاء واختبار، فإنهم يقنطون من تأخر البلاء، ذلك أن البلاء من الأمور المحفزات في سلوك الطريق إلى الله سبحانه “ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون” إن الصبر على البلاء برهان الإيمان ومن الناس من لا يصبر على البلاء رغم دعوى الإيمان وهؤلاء قال فيهم ربنا سبحانه: “ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله”. أما المؤمنين الصادقين حقا فيحمدون الله الذي لا يحمد على مكروه سواه على أنواع البلاء التي تلحق بهم لما ارتضوا حمل ميراث الأنبياء وسلوك نهج الأولياء والصالحين من عباد الله، لا يخافون في ذلك لومة لائم، ولا يثنيهم عن ذلك إغراء فاسد، ولا يصدهم عنه اتهام فاسق، وما أقبح الفساق الذين يرمون الناس بغير ما اكتسبوا.