قبل خمس سنوات خلت وانتفاضة الأقصى الباسلة مستمرة بأرض فلسطين، نظمت إحدى الجمعيات الثقافية بالمغرب ندوة حول دعم نضال الشعب الفلسطيني شارك فيها المسؤول بالسفارة الفلسطينية بالرباط. وكان الإقبال الجماهيري مكثفا من المعنيين بقضية فلسطين من الطلبة الذين- قبل سنوات – اعتبروا في مؤتمرهم الثالث عشر أن القضية الفلسطينية قضية وطنية، والمثقفين وعموم الناس من نساء وشيوخ وشباب لأن الأمر يتعلق بالقضية المركزية في الصراع مع العدو الصهيوني، فلا داعي أن يكون الحضور متميزا…

وفي نهاية الندوة اتصلت بالسيد واصف منصور مستفسرا عن سؤال شغلني مدة من الوقت ليست بالقصيرة، فقلت له: ما الفرق سيدي ما بين حماس والجهاد الإسلامي؟؟ أجابني السيد السفير وهو يهم بإشعال سيجارته الشقراء: حماس تنحدر من الاتجاه الاخواني أي جماعة الإخوان المسلمين، والجهاد تابعة ومتأثرة بإيران.. فقاطعته: ولكن يا أستاذ القيادة كلها سنية إنني أحفظ أسماءهم واحدا واحدا.. فقاطعني هو كذلك وقد بدت عليه الدهشة لما سمع بمغربي يحفظ أسماء القيادات الفلسطينية فقال: الفرق بينهما كما هو الفرق بين حزب الاتحاد الاشتراكي والطليعة عندكم في المغرب مثلا… فأجبته بطريقة دبلوماسية لا تخلو من التحدي المبطن: أستطيع أن أعطيك الفرق بين كل مكونات الطيف السياسي المغربي سواء كانت تيارات يسارية أم إسلامية باستثناء الأحزاب المخزنية ف ” أولاد عبد الواحد كلهم واحد” كما يقول المثل المغربي… انتهى الحوار وبقينا على جهلنا  أنا والسيد السفير  على معرفة السمات الرئيسة التي تميز حماس عن الجهاد الإسلامي، وبقي السؤال من فرط جهلي محيرا لي. هكذا كنت أتصور.

ومع توالي الأيام، أو لنقل بعد شهور معدودات، ضم الاحتلال جزءا آخر من الوطن العربي لا يقل أهمية ومحبة عن أرض فلسطين، وكنا نتصور أن العراقيين دون تمييز بينهم سيهبون هبة رجل واحد للدفاع عن حريته وأمنه.. لكن هيهات.. هيهات.. نجح الاحتلال في زرع بدور التصدع في كيان العراق المتراص، فطفقنا نسمع عناوين وتسميات كلها تغرف من قاموس الانتقام الذي طال انتظاره أكثر من ثلاثين سنة ومنهم من يزيد ويصحح فيؤكد بأنه أكثر من ألف وأربعمائة سنة.. هنا تذكرت أن جهلي ومعي أيضا السيد السفير لدولة فلسطين فيما يخص الفرق ما بين حماس والجهاد، كان “جهلا” يبعث على العزة والكرامة بعدما نجح الاحتلال في زرع الفتنة ما بين العراقيين تحت يافطة هذه التسميات التي يكفر بها جمهور المقاومة العربية والإسلامية ..

في الحالة الفلسطينية تقاتل الفلسطينيون من فتح وحماس وبالرغم من ذلك نجح الفصيلان في تجاوز خلافاتهما السياسية، ومع ذلك لم نسمع قط من أي فلسطيني كفر فلسطينيا كيفما كان مذهبه وزعمه وتقديره في بعض القضايا السياسية، ولم نسمع من أي أحد منهم يساريا كان عروبيا أم إسلاميا شتم أوعير فلسطينيا في انتمائه السياسي وقناعاته الشخصية، أو في دينه مسيحيا كان أم مسلما، بل تجاوزوا خلافاتهم واتفقوا على حكومة وحدة وطنية تتشكل من كل مكونات الطيف السياسي الفلسطيني تقريبا عهد إليها المحافظة على حق الشعب في المقاومة وحمايتها، وفضح من يحطب في حبل الاحتلال الصهيوني ومعه المهرولون من الزعماء العرب ومثقفيهم، وتتم عملية كشفهم من لدن الجميع من الساسة والمثقفين والكتاب في جميع أنحاء أوطان العرب. التصنيف يتم على أساس المقاومة أو المساومة، الجهاد والنضال أو الاستسلام والخنوع.. وهكذا يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ليل الاحتلال المقيت، وظلامه البهيم ..

في العراق نجح الاحتلال في الاستثمار في الحرب ذات الطبيعة السيميائية لمكون الاجتماع العراقي، وعدها المدخل للاستثمار في خيراته ونهب ثرواته، وأشعل نارا طائفية مقيتة، والسبب في هذا كله هو أن الاحتلال وجد نخبة لها القابلية في الاستثمار معه في هذه الأسماء والعناوين، إنهم ملوك الطوائف الجدد، أذناب المحتل الذين استسلموا لأطروحات الاحتلال، وأطلقوا الفتاوى التي تحرم مقاومة الاحتلال، وألصقوا بالمقاومة الباسلة نعوتا وأوصافا لكي ينفروا منهم الناس، فمرة هم من أزلام النظام السابق ومرة هم من النواصب أعداء آل البيت( البيت الأبيض ربما)، ومرة ينعتونهم بالتكفيريين وهكذا.. لكن وددت لو أتوقف عند نعت “التكفيريين” والتي يقصد بها من قبل الحكومة المسجونة في المحمية الأمريكية “المنطقة الخضراء” .. العرب السنة المقاومين للاحتلال، أما السنة الآخرين المنبطحون والمستسلمون لأطروحات للاحتلال فليسوا تكفيريين، بهذا المعنى يصبح التكفير ليس للمذاهب المخالفة في الفهم والاستنباط وبعض الرؤى الثقافية والفقهية، ولكن التكفير هنا يخدم الاحتلال ومن يفتل في حبله، وإلا فالحزبان الكرديان هما من الطائفة السنية، والسفير الأمريكي “زلماي خليل زادة” هو سني كذلك والمستشار رفيق السامرائي بوق الاحتلال هو سني وغيرهم كثير… دعونا نستفهم شيئا ما معولين على استخدام العقل: حين يجلس حارث الضاري جواد الخالصي وآية الله السيد حسن البغدادي وخير الدين حسيب وغيرهم من شرفاء العراق، هل يتداولون في ثنايا كلامهم وحديثهم عن كيفية إخراج المحتل الجاثم على مقدرات العراق الطبيعية والبشرية لأنه أصل البلاء أم أنهم يتناظرون حول الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هو أحق بها علي أم غيره من الصحابة ؟؟ عن تحليل زواج المتعة أم تحريمه ؟ عن الأحاديث الصحيحة أو عن الأخرى الموضوعة من لدن بني أمية ؟ عن التبول واقفا أم جالسا ؟ بالطبع لا. ليس هؤلاء الرجال ناقصي علم ومعرفة بهذه الأمور، كلهم وبدون استثناء على درجة عالية وكفاءة من الفقاهة في التاريخ الثقافي والسياسي للأمة العربية والإسلامية، بل يكون مدار تفكيرهم وشغلهم الرئيس هو تجنب لدغات السموم التي يطلقها العدو في جسد الأمة.. وهنا يحضرني مثال ذكره أبو حامد الغزالي ما أحوجنا إلى استحضاره لما يقول: إذا كان تحت الجبة ثعبان سام قاتل، لا ينفع أن نسأل عن طوله ولونه ووزنه وحجمه.. بل نطرحه أرضا أولا ونقتله فنتخلص منه، وبعد ذلك ممكن أن ننظر إلى هذه الأمور والتي تبدو تافهة بالنظر إلى وجوده داخل الجبة.

إن السم الأمريكي حين يسري في عروق العراق خطير وقاتل للمنطقة برمتها، مركب في خطورته. فالمقاومة هي الترياق الشافي من لدغاته. لذا فالمقاومة برأيي يجب أن تتخذ خطين متساوقين حتى لا نقول متوازيين، لأن الخطين المتوازيان في لغة الرياضيات لا يلتقيان، بينما الخطان المتتساوقان يحكمهما فعل التطابق على مستوى السيرورة والصيرورة في نفس الآن. الخط الأول هو مقاومة الاحتلال لتحرير الأرض من دنسه، أما الخط الثاني فيتجه إلى تنقية تراثنا مما علق به من تصورات وتمثلات وشوائب هي في أصلها قاتلة ومقوضة للاجتماع العربي والإسلامي.

ولنعد إلى مصطلح التكفيريين، والذي يطلقه حكام العراق الجدد، وهو مفهوم حق يراد به باطل كما قال الإمام علي. صحيح أنه في الاتجاه السني أو ممن يحسبون على السنة فئة تكفر السنة قبل الشيعة، وتجد الدعم والسند من جهات مشبوهة، و طالعت بعض أدبياتها وهي على درجة من الخطورة لا يمكن أن يقبل بها عقل إنسان. يعتبرون أنفسهم هم الفرقة الناجية وما دونهم هو في النار، كتابات تشم فيها رائحة الدم والقتل تكفر القيادات الفكرية والسياسية لحركات مايدعى”الإسلام السياسي” في طبعتها السنية أمثال يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي ومحمد عمارة وعبد السلام ياسين وفهمي هويدي ورمضان البوطي وغيرهم… لكن هذه الفئة ظلت قليلة معزولة وجهت لها سهام الرد وفندت مزاعمها من قبل جمهور أهل السنة وصدرت كتابات كثيرة لترشيد تيار الصحوة الدينية حتى لا تجنح إلى التطرف الذي يريده أعداء الأمة في الخارج كما في الداخل. لكن هذه الفئة التي وصفتها بالقليلة والمنعزلة تقوت وأصبح لها أنصار في العالم برمته لما توجهت لمقاومة الاحتلال في أفغانستان والعراق. لهذا فنصيحتي لحكام العراق الجدد إذا أرادوا أن يقضوا على التكفيريين كما يزعمون -على فرض أن المقاومة تضم جزءا منهم- أن ينافسوهم في مقاومة الاحتلال واعلموا حينذاك أن جمهور المقاومة سيلفظهم، أما أن نطلق الكلام على عواهنه ويتم وسم كل من قاوم الاحتلال ب “التكفيريين” فالتراث الإسلامي للأسف مليء بفتاوى التكفير من لدن جميع الطوائف التي تنتسب للإسلام، فالتكفيريون لا يوجدون عند السنة فقط، بل عند الطائفة الشيعية، وإن كانوا في الاتجاه السني مرفوضين من قبل العامة من جمهور السنة، فالعكس هو الصحيح لدى إخواننا الشيعة إذ أن التكفير يمثل الغالبية العامة وبشكل واضح، ولم تتم عملية القطع مع هذا التراث الذي لا زال يستمر بيننا وللأسف. هنا يعن لنا طرح السؤال: وماذا عن التكفيريين الشيعة ؟؟ سؤال مهم جدا، لأن الجواب عنه يسلط الضوء لكشف اللصوص الذين قدموا مع الاحتلال لسرقته. لن أستشهد بنصوص تراثية قديمة لفقهاء الشيعة الأقدمين وهي موجودة لدي، وليس هذا همي.. بل سأستشهد بنص أخذته من الانترنيت لأحد المعاصرين وهو صادق الحسيني الشيرازي، أعلى المرجعيات الدينية في كربلاء، ذكر في كلمته المبثوثة على الإنترنت قول الله ـ تعالى ـ: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] . ثم نزَّل هذه الآية ـ كصنيع الخوارج الذي يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم ـ على المقاومين للأمريكيين وأعوانهم، من أهل السنة، وتلفظ بألفاظ وأحكام وعبارات تقشعر منها الأبدان، ننقلها بحروفها لأهميتها في الدلالة على العقيدة العدوانية. قال الشيرازي: «الوهابي.. الإرهابي.. الكافر.. الناصب.. المتوحش، إذا لم يكن مصداق هذه الآية، فمن يكون إذن مصداق الآية الكريمة؟ والذين يؤيدون الوهابيين الإرهابيين الكفرة النواصب الوحوش من رجال الدين، ومن غير رجال الدين، بنحو أو بآخر، إن لم يكونوا مصاديق الآية الكريمة، فمن يكون؟ إذا كنا نكفُر بالقرآن الكريم، فلنكن شجعاناً نصرح بما نعتقد، أما إذا كنا نؤمن بالقرآن الكريم، فالوهابي الإرهابي الكافر الناصب الوحشي يجب قتله، وكل من يؤيده بنحو أو بآخر، من رجل دين أو غير رجل دين يجب قتله، ومن لم يقل بوجوب قتل هؤلاء، ووجوب قتل مؤيديهم، فهو علانية يكفر بالقرآن الكريم، هو مشكلة.. الشيوعي أيضاً يكفر بالقرآن الكريم، ولكن الشيوعي يملك شجاعة أدبية، فخليهم يمتلكون شجاعة أدبية…(انتهى الكلام)..

أو ليس هؤلاء تكفيريين ؟؟ إن حكام العراق الجدد/ ملك الطوائف الجدد لا ينظرون إلى هؤلاء التكفيريين لأنهم من بيضتهم خرجوا وفي عشهم درجوا، ومن قاموسهم امتشقوا سهامهم لتوجيهها إلى أهل العراق لا فرق أن يكون مقاوما للاحتلال أم قاعدا له هموم أخرى كتأمين قوته اليومي وحسب.

من يحل قتل مسلم لأنه لا يؤمن بالولاية والعصمة لدى الشيعة، وجعله في مرتبة أدنى ممن يكفرون أصلا بالوحي والغيب.. إنه الوجه الأول  ولا ريب – لعملة رائحة الدم والقتل أيضا كما مر بنا ممن يعتبر نفسه هو وحده الفرقة الناجية الموعودة بنعيم الجنة وما سواه في النار ولما لا يجب محقه …

إن المقاومة وفكرها يجب أن يتجه إلى مقاومة المحتل بالسلاح، ومقاومة مثل هذه الأفكار بالنقد ولما لا النقض والهدم، …. من هنا تبدأ المقاومة كترياق شاف لأمراض الأمة المتمثلة في الجهل والتخلف والتبعية والطائفية البغيضة والاحتلال الجاثم على صدورنا جميعا.