عند فقهائنا الأفاضل، وفي صميم ديننا، أن من أكبر الذنوب وأعظمها، التولي يوم الزحف والفرار من ملاقاة العدو، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ .[ سورة آل عمران آية 155]

بما كسبت أيدينا تسلط علينا أعداء الملة فهموا في الأمة فسادا وعتوا، حرب معلنة منذ أن اختار الله حبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا لهذه الأمة، قال سبحانه: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم ْ[ سورة البقرة الآية 120]

حتى والأمة ساكنة خانعة فالحرب عليها معلنة لا تتوقف؛ معلنة بارزة كما يفعل أبناء القردة قتلة الأنبياء بإخوتنا في فلسطين، وكما يفعل مسيحيو الغرب ودول الاستكبار في العراق والشيشان وأفغانستان؛ خفية هناك في مناطق أخرى من دول العالم الإسلامي. نكون خاسرين مولين الأدبار إن لم ننتبه لحربهم وحقدهم علينا.

ما ينبغي أن نعمي أبصارنا ونصم آذاننا عن الحرب المعلنة على الأمة، فوسائلها متعددة ظاهرة، جحافل العساكر وطبول الإعلام وهوس الفكر الثقافي المادي وأموال الشعوب الفقيرة المكدسةُ في بنوك الاستغراب وشركاتٌ تمتص وتستنزف خيرات البلاد وعملاء يتحكمون في رقاب العباد؛ حرب دائرة طاحنة، نخرج منها إن شاء الله منتصرين بعزم وحزم وثقة بموعود الله وتضرع إلى المولى وإعداد للقوة.

هذا زماننا، وهذا قدرنا، له الأمر من قبل ومن بعد لا يسأل عما يفعل سبحانه، وله في ذلك الحكم البالغة.

الموعود والعهد والعدة شباب الأمة و”فتيتها”، ما لم ينكص على عقبيه وما لم يتولى عن نصر دين الله تعالى.

قال الله تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [ سورة محمد الآية 38] إن تولينا عن نـُصرة دين الله تعالى وخذلنا دعوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأعرضنا عن آيات الله تعالى استبدلنا الله تعالى بقوم، أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين، فنالنا بتفويت فضل السبق الأجر والمغفرة والرضوان الذي وعد الله به من سبق لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [ سورة الحديد الآية 10]

الحرب المعلنة علينا شملت كل ميادين حياتنا وتداخلت واشتبكت في واقعنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا، وصرنا نـُعَيرُ بهذا النقص المُحدث فينا، ومن التولي قبول مظاهر النقص في مجتمعنا والاستمرار في الاستهتار بأمة خير خلق الله تعالى محمد بن عبد الله، من التولي قبول الخضوع والخنوع لغير الله تعالى، وجر أذيال الخيبة والاستسلام لواقع نحن أسياده إن نهضنا للتغيير وفق مراد الله تعالى وسنته؛ ومن التولي استمرار إعراضنا عن التربية القرآنية والهدي النبوي، والانزلاق وراء أفكار الثورات الغربية والفلسفة الداروينية وقبول إعلام الخلاعة والمجون وتداول المخدرات والخمور.

من التولي فسادنا وإفسادنا في الأرض وسرقة أموال الأمة وتداول الرشاوى وإهمال واجبات العباد وتضييع الأمانات، وعدم التمكن من علوم العصر وآلياته وتكنولوجياته من أجل الأمة وعزتها تولٍ آخر.

شبابَـنا، معاولُ هدم لأسس الأمة نحملها بأيدينا وتجري في دمائنا، إن استمر حالنا على ما نحن عليه، معرضين عن الفساد المستشري بنفوسنا المتغلغل في أوساطنا، وبين أيدينا مفاتح عزة ونهضة وجنة؛ هدم وتخريب مستمر رغم كل محاولات الإصلاح، مادام هذا الإصلاح غير مرتبط بكتاب الله تعالى ولا مذكر بخبر الآخرة ولا موقظ لنائم غافل عن موعود الله. قال الله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  [ سورة التوبة الآية 38].

التولي الأكبر أن تذكرك آيات الله تعالى وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم بأنك شأن في هذا الكون، لتنهض بنفسك وتحيي شأن أمتك؛ فتتولى وتعرض، ما أنت همل ولا نكرة في هذه الأمة، بل أنت زادها وعدتها، وهي بك إن كنت بالله وكتابه وسنة نبيه.

قال الله تعالى مذكرا مسمعا أهل الإيمان ومن يسمع من المسلمين:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ [ سورة الأنفال الآية 20] قال صاحب كتاب التفسير المنير في تفسير الآية: “شأن المؤمنين سماع الحق، والاهتداء بنوره، وإطاعة الأوامر، واجتناب النواهي والزواجر، وهؤلاء هم فئة المؤمنين المصدقين، وأكمل الناس وأرشدهم… أما من قصر في الأوامر واقتحم المعاصي فهو غير مطيع” [ التفسير المنير الجزء 9 ص 285-286 طبعة دار الفكر المعاصر] أكمل الناس وأرشدهم امتثالا عرفوا الحق فلزموه و عملوا به، ما أشاحوا بوجوههم عنه.

نفر من الزحف ونولي الأدبار إن لم نتبع دين ربنا وهدي نبينا ولم نستجب لما يصلح حالنا، نفر من الزحف ونولي الأدبار إن توالى واستمر استهتارنا بجدوى تواجدنا في هذه الأمة وغم علينا أمرها وعتونا فيها فسادا بما تمليه علينا فتنة الغرب وبما تجره علينا ذنوبنا المتراكم بعضها على بعض.

أيها الجيرةُ الذينَ تَوَلَّوا ***** هل لكم جِيرةٌ سِوانا تُرامُ

الحرب دائرة مشتعلة، وروادها يعملون ويخططون، وشباب الأمة متول ٍبمجونه وانكبابه على دور الفتنة وعزوفه عن تلقي آليات التغيير، والله ورسوله ينادون من يسمع ويستجيب؛ والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

قال تعالى:  لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ سورة التوبة الآية 129] حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم.