يمكن تلخيص المقاربة الأمنية المغربية اليوم في شعارين: مواجهة الخلايا النائمة للقاعدة، وإحياء تهم المخزن الراقدة.

ولعل الشعار الأول متضحة معالمه لدى الرأي العام، فالمغرب يخطب في كل حين ود أمريكا، ويشارك قلبا وقالبا في حربها ضد “الإرهاب”، فيصمت عن احتلال العراق، ويبدي استعدادا منقطع النظير في تطوير برامجه التعليمية تحت إشراف أمريكي، ويُرحَّل إلى معتقلاته السرية معتقلو القاعدة من جنسيات أخرى ليقوم بالواجب تجاههم، ناهيك عن الاعتقالات الألفية في صفوف المغاربة المتهمين بالتعاطف مع هذا التنظيم، وإصدار الأحكام العقابية الاستثنائية في حقهم؛ حتى ولو لم تثبت التهمة على الأكثرين منهم.

ورغم الخروقات السافرة في تدبير المخزن لهذا الملف، فإن الظروف العالمية، والتأييد الأمريكي، وصمت الأحزاب الرسمية، وضعف المعارضة الإسلامية المشاركة في اللعبة الديمقراطية، وانشغال جماعة العدل والإحسان بجراحاتها، والهوية اليسارية للجمعيات الحقوقية النشيطة، وشراسة تصريحات بعض من يعتقلون في هذا الملف… كلها عوامل ساعدت المخزن في تدبير هذا الملف بشكل مخيف لكن في صمت إعلامي يكاد يكون مطبقا.

أما الشعار الثاني فيعنى بملاحظة كيفية تدبير النظام السياسي لملفات كل من يسعى إلى فضح الفساد في أجهزته، ويتحدث بشكل واضح عن رجالاته وإداراته، ويتحدى المفسدين بحججه وأدلته. فالجامع في تدبير هذه الملفات أن المخزن يسعى إلى توريط من قاموا بفضح الفساد في تهم لا يدري الجميع من أي سماء نزلت، ومن أي أرض أخرجت، المهم أن التهم تكون جاهزة؛ وفي أدراج المخزن راقدة، وكل من سولت له نفسه فضح الفساد “المقدس” أخرجت تهمته، وأجريت محاكمته، وفتحت زنزانته، وترك عبرة للآخرين.

ألا يستغرب الرأي العام اليوم من الوجهة التي اتخذها ملف رقية أبو عالي، فحين كان ينتظر الجميع أطوار محاكمة المتورطين معها في أشرطتها الجنسية، تجد نفسها متابعة في العديد من الملفات التي ولدت في لحظة واحدة: الاعتداء على المواطنين بالعنف والنصب والسرقة الموصوفة، وإعداد منزل للدعارة؛ بل ويتم الحديث عن متابعتها في جريمة قتل جرت أطوارها سنة 2004… وهذه كلها تهم ظلت راقدة إلى أن تجرأت على اللعب مع الكبار، فتغير المسار!

ألم يرتكب المحامون أصحاب “رسالة إلى التاريخ” الفعل الشنيع في عرف المخزن بنشر غسيل قضائه على الناس، فتم تشطيب بعضهم من المهنة واتهامهم بتهم كانت هي أيضا في الأدراج راقدة، وتعلقت هذه المرة بتحريض بعض شخصيات الرسالة لساكنة البادية على زراعة القنب الهندي!

ألم يكن أبو بكر الجامعي رجلا عصيا على المساومة، وظل خط تحرير مجلته “لوجورنال” يقض مضاجع المسؤولين، وعند كل منعطف كان يتهم بكل أنواع التهم، حتى تم جمع خليط من الناس للتنديد بنشره رسومات مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما كان الأمر كذبة مخزنية بلقاء، وظل المطلوب إسقاط رأس الجامعي بأي حال من الأحوال!

ألم يكن رشيد غلام صاحب الصوت الندي،؛ واللحن الشجي غصة في حلق المخزن بسبب كثرة المهرجانات الكبرى التي يشارك فيها خارج الوطن؛ والتي من خلالها -على قدر طاقته- يرفع الحصار عن جماعته، ويبعد عنها تهمة التطرف إذ يستحيل عقلا أن ينتج تنظيم متطرف هذه الشاكلة من الفنانين. ومن أجل تسويد صفحته لفقت له تهمة الدعارة في أرخص البيوت، وجرت محاكمته بتهمة الفساد، وكأن المغرب لا يهدد أخلاقه إلا رشيد غلام!

ألا يستغرب اليوم الرأي العام بمدينة فاس تطورات متابعة ملف عمر محب المتهم بالمساهمة في قتل الطالب آيت الجيد بنعيسى سنة 1993، في الأحداث التي كانت تعرفها الجامعة آنذاك، ورغم ذلك ظلت تهمته راقدة كل ثلاثة عشر سنة رغم معرفة المخزن بمحل إقامته، وأخذه التراخيص من السلطة الوصية لإقامة معارضه… حتى إذا حل فصل آخر من فصول التضييق على جماعته جماعة العدل والإحسان، أوقد ملفه من رماد، وأحييت تهمته من رقاد!

يمكننا تسويد مئات الصفحات من مثل هذه الوقائع التي تتكرر في كل يوم على امتداد ربوع المملكة، وقديما كانت النصيحة المثلى التي تسري بين المواطنين البسطاء أنك لا تستطيع مواجهة رجل سلطة اعتدى على حقوقك بما تعرفه؛ لكن بما تستطيع أن تثبته. أما اليوم فحتى لو كنت تملك العشرات من الأدلة التي تسند موقفك؛ فلن تجد من ينصحك بإثبات وطنيتك بفضح الفساد، مخافة أن تستخرج تهمتك أيضا من رقاد!

قال الشاعر: يا صاح قفا نبك؟

صاح صديقي: يا أخي قفا نقاوم.