هدية الوداع إلى روح الراحل الحبيب سيدي محمد أنوار

كثيرا ما نقيس عظمة العظماء بحجم إنجازاتهم الظاهرة للعيان، وبمساحة مآثرهم على الأرض، وبقدْر ما يملأون من الدنيا وبعدد ما يشغلون من الناس، وبسرعة تطاير ذكرهم على الألسنة تطايُر الأوراق الخريفية في اليوم الراحي.

في التاريخ كثير مِمَّنْ خَلَّدَتْهُم إنجازاتهم بحق في دنيا الناس أو في الملإ الأعلى أو فيهما معاً، وفيه كثير ممن حَمَلَتْ ذكرَهم الأحداثُ إلى الواجهة كما يحمل تيار النهر الجاري زَبَدَه الطافي على سطحه إلى قَدَرِهِ. وفي التاريخ كثير من طالبي الرفعة لأقلامهم بالكتابة عن كلِّ ذي ذِكْرٍ طائشٍ طائر، شُهُوداً على ما شهدوا وما لم يشهدوا، يَرْكُمُهُمُ الْقَدَرُ جميعاً إلى مكانهم المناسبِ من التاريخ مناسَبَةَ ما يَتْبَعُ وَيَسْتَتْبِعُ ما تَجْمَعُ القِدْرُ من طعام بعضَه إلى بعض فوق نار واحدة.

والبسطاءُ من الناس؟ هل التاريخ وصناعة التاريخ حَكْرٌ وحَصْرٌ على كل مَنْ أشارت إليه الأصابع دوناً عنهم؟

فأين حظ هؤلاء البسطاء من أصابع الإشارة وأسماء الإشارة في هذه الصناعة وتلك الرفعة وذلك المجد؟

وهل الموت موتان: موتٌ أَوَّلُ هو حقٌّ وقَدَرٌ لازمٌ محتومٌ كَتَبَهُ الله تعالى على كل نفس، وموتٌ ثانٍ نحكم به نحن على البسطاء، ونستثني العظماء بحسب مقاييس العظمة السالفة الذكر؟

طافت هذه الأسئلة بنفسي ونحن نشيِّع سيِّدَ قَوْمٍ عظيماً ورجلا مؤمنا بَسَّاماً وديعاً لم تُشِرْ إليه الأصابع ولو بمعشار ما اعتادت أن تشير به إلى غيره، ولا نال سطراً مُفْرَداً يتيماً في مَكْتُوبِ من يكتب من الناس عن الناس لأنه لا إنجازَ يَتَمَثَّلُ لأعين الرؤوس قائماً يُذَكِّرُ به وبمكانته، ولا تُرْجُمَانَ ينطقُ فصيحاً عن منْزلته، ولا الْتَفَّ حوله يوماً لَفِيفٌ لاهِثٌ لاهجٌ باسمه، ولا موكب كان يفسح الطريق بين يديه يخترق صفوف العباد، ولا وُشِّحَ صدرُه الْمُفْعَمُ الْمَشْبُوبُ محبةً لله ولرسوله وللمؤمنين بوسامٍ من هذه الأوسمة الدنيوية العمياء، ولا حمل نياشين على كتفيه اللذين هَدَّهُمَا ثِقَلُ الْهَمِّ وحُسْنُ الخدمة وعبءُ البناء وَجَهْدُ الجهاد وطولُ المسير وعُرْبُونُ الصِّدْقِ وضريبةُ السَّبْقِ، ولا كان يجلس إلاَّ حيث ينتهي به مجلسه من الناس، حيث يبتدئُ مجلسُه هو من ربِّ الناسِ العليمِ بما في صدورِ الناسِ، حيث تُلْتَمَسُ رحمةُ رَاحِمِ الناس.. “إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ”.

رحمك الله يا سيدي يا “محمد أنوار”.. رحمك الله ورضي عنك وأرضاك، ورفع مقامك وأجزل عطاءَك ونَوَّلَكَ مما يرضيه تعالى آمالَنا وآمالَك، وجزاك بخير ما يجزي به الصادقين من عباده وأحبابه ومحبوبِيه آمين.

عظمة البسطاء

ما أحوجنا إلى نوع جديد من التأريخ يكون أبطالَه “البسطاءُ” أمثالُك.

أُسَمِّيهِم “البسطاء”، ريثما تعتدل رؤيتنا وتستقيم موازيننا فنعرفَ أن على أكتاف هؤلاء البسطاء تقوم قائمة الدعوات العظيمة، ومِنْ عرق هؤلاء البسطاء يرتوي وينتعش ظامِئُ عروقِها، وبِدُرَيْهِمَاتِ هؤلاء البسطاء يبارك الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ عَصَبَ الجهاد ويُقَوِّيه، وبنُكران هؤلاء البسطاء لذواتهم وبجهادهم في ذات الله يُعرف الخير وأهلُه، وبتواضعهم لعزة الله يُرْفَعُ شأنُ أحَدِنَا مهما كان وضيعاً، وبِذِلَّتِهِمْ على المؤمنين وحُسْنِ عشرتهم وبَذْلِهِمْ وتفانيهم وغَيْرِيَّتِهِم أَسْتَظِلُّ أنا وتَسْتَرْوِحُ أنتَ وتَهْنَئِينَ أنْتِ تحت ظلال هذه الشجرة المباركة التي يسقيها المؤمنون الصادقون الصابرون المحبون المحتسبون بِزَكِيِّ دمائهم.

البسطاءُ المساكينُ، الْمَحْمُودِينَ، هم الذين دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ربه فطَلَبَ إليه الكينونةَ منهم في الدنيا والآخرة فقال: “اَللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً، وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”؛ فقالت أُمُّنَا عائشةُ رضي الله عنها وأرضاها: لِمَ يا رسول الله‏؟‏ قال: “إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً. يَا عَائِشَةُ، لاَ تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمَرَةٍ. يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ، فَإِنَّ اللهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” .

فَسَّرَ بعض العلماء معنى دعائه صلى الله عليه وسلم أنه: “طلبُ التواضعِ والخضوعِ، وأنْ لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين‏”.‏

المسكينُ مَنْ لا جاه له ولا سلطان ولا مال مما يستقوي به الكبراء. والمسكينُ المحمودُ مَنْ إذا عمل فليس لأحد غيرِ الله ما دام لا يرى ولا يطلب هو بعمله أحداً غيرَ الله. والمسكين المحمود مَنْ لا يَرُدُّ سائِلَه وإن كان هو أولى الناس بسؤال الناس. والمسكين المحمود من مَحَا من قاموس العطاء لَدَيْهِ لاَءَاتِهِ مَحْواً كأن عنده مفاتحَ خزائنِ الخير التي لا تنفَد.

معرفة الرجال

يقال إن معرفة الرجال كنْز.

الرجال كنوز، ومفاتيحُها معرفتُها. فمن لنا بهذه المفاتيح.. بهذه المعرفة؟ وبِمَ نجلو عن أعيننا الغشاوة التي تَحْجُبُ عنا شأنَ من يرى في خدمة المؤمنين ومحبتهم أسرعَ وأقربَ وأضمنَ طريق إلى رضا الله تعالى؟

عرفت الرجل قبل خمسة وعشرين عاما إِذْ ضَمَّنَا، ونحن في أَوَّلِ عهدنا بالشباب، حِضْنٌ واحد وطريق واحد ودعوة واحدة كما يضم الفراخَ الزُّغُبَ جناحا الأبوة والأمومة في العش الآمن الدافئ الواحد. وأكرمني الله تعالى بجواره في السنوات الأربع الآخرة فما كان بين مَسْكَنَيْنَا سوى خطوات. وإلى آخر ساعة التقيته فيها، رحمه الله ورضي عنه وأرضاه، لم تفارقه ابتسامته العريضة المشعة من عينيه ومن ثغره حتى عُرِفَ وكاد يُسَمَّى بها بدلاً من اسمه، وما فَتَرَتْ حرارةُ صدره الملتفِّ حول مُصَافِحِهِ بألف أَلفِ ذراع، النَّاطِقِ بغير لسان اللاهجِ بخير بيان، ولا يفارقك إلا وقد بَثَّ من روحه في روحك فتروح كأنما بُدِّلَتْ روحُكَ روحاً خيرا منها.

كان لأخُوَّتِهِ فينا معنى الأبوة وروحُ الأمومة حقّاً وصِدْقا.

وكان آخرَ حديثه معي قبل أن يرحل عنا ظِلُّه النَّديُّ بيومين بَحْثُهُ عن دار جديدة كان ينوي الانتقال إليها، فمازَحْتُه: أزهدتَ في جارك يا جاري العزيز؟ … ولكن الله تعالى أَعَدَّ له داراً خيراً من داره واختار له جاراً خيراً من جاره.

كان دعاؤه لنفسه وتَمَنِّيه أن يرزقه الله تعالى شهادة في سبيله، حتى فاضت روحه وهو يسعى في حاجات المؤمنين في ميدان البناء، فذهب بَصَرُهُ ملتحقاً بربه أوَّلَ مُلْتَحِقٍ منه به تعالى كأنه تَعَجَّلَ “الحسنى وزيادة” من مقعده هناك.

كان رحمه الله تعالى كثير الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يُلْهَمُهَا إلهاما كأنما تُسابق أنفاسَه من صدره إلى فِيهِ، فما رضي سبحانه إلا أن يُغَيِّبَهُ عن الوعي بعد ساعات من ذهابِ بَصَرِهِ، ويستحضرَه إليه بعد يومين ليُحْتَفَى به في جوار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كما كان يحتفي هو بالنبي الحبيب والطيِّبِ الطبيبِ في كل نَفَسٍ إلى آخر نَفَس.

كان لوحدِه أمَّةً من أُمَمِ المؤمنين، وآيةً من آيات الله وصُنْعاً عجيباً مِنْ صُنْعِ الله فيهم، وزهرةً فواحةً بعطور الآخرة في مجالسهم من الدنيا.. رحمه الله تعالى وَنَوَّرَ قبرَه.

كانت له مع سيرة النبوة سِيَرٌ وأَيُّ سِيَر، فكنا نلخِّصُ سِيَرَ السباعي والبوطي وابنِ هشام في بداية الثمانينيات بأقلامنا التي كانت تجتهد في اختصار مبانيها على صفحات الأوراق اختصاراً، بينما كان هو يجتهد في ترجمة واستحضار معانيها إلى لُبِّ قلبِه بسلوكه وحركاته وسكناته استحضارا.

فأما الصحبة -ولست أزكي على الله أحدا- فأيْنِي مما تَمثَّلَهُ هو منها محبةً وخدمةً وإكراماً للمؤمنين، وإحسانا إلى والديه وأهله وذوي رَحِمِهِ وصديقه؟ وأما ذِكْرُ الله فَأَحَبُّ المآدب إلى نفسه، يَحُطُّ عند مرابعه أحمالَه، ويُفْرِغُ من قلبه بالإكثار من المأثور منه همومَه وأثقالَه، ويطلب لدى رياضِ جِنانِه نجاتَه وراحَتَه وأمانَه، ويرتوي من عيونه ويتزود ويُكْثِرُ ويزيدُ ويستزيد كأنه إلى بلادٍ بعيدة بعيدة يشُدُّ رحالَه؛ وأما الصدقُ فظِلُّهُ وَرَدِيفُهُ أينما حل وارتحل، وأما في البذْل فَيَداً عُلْيا كان كَأَنَّ الْبَذْلَ خُلُقُه هو لوحده، وأما العلم فأحسبه -رحمه الله- عَلِمَ غايةَ وجوده في هذه الفانية فَشَمَّرَ وعَمِلَ وأَعَدَّ لِمَا بعدها، وأما سَمْتُهُ فَيَخْلَعُ عليك من حُلَلِ بِشْرِه ومن بُرُودِ حُسْنِ عشرته ما لا يستطيعه الكاسون الْمُكْسُون، وأما تُؤَدَتُه فيشهد عليها ربع قرن من العطاء الدائم في غير تأَفُّف ولا تأوُّه ولا مَنٍّ. قَصَدَ رحمه الله في مَشْيِهِ إلى غايته دون التفاف أو التفات ولم يُبَالِ، وما لانَتْ له قناةٌ في ساحات الجهاد -وما أكثرها وما أشدَّها- ولا قُعْقِعَ له بِشِنَانٍ. نشهد له بالثبات على الحق شهادةً لا تُكْتَم.

سيد القوم

إن تَحَدَّثْنَا عن فضل الله علينا وَنَصْرِهِ إيَّانا وتأييدِه دعوتَه بأيدينا، فلا نَنْسَ من جعلهم القدر سبباً في الفضل وأداةً للنصر ويداً وظهراً ظهيراً وحصناً مدافعاً وركناً شديداً.

اقتطع هذا السيد رحمه الله من راحته لراحة المؤمنين، واستنفد من جُهده لخدمتهم والسعي المحبِّ الراضي في حاجاتهم، ووهب ما استبقى من سويعات نومه ليقظتهم.

ما رأيته -رحمه الله- يَغُطُّ في نومٍ قَطُّ مذ عرفته على ما جمع بيننا من ليالي التبتُّل والقيام لله والسعي في أرضه وبين عباده سفراً وحَضَرا على مدى ربع قرن من الزمان. فإن نام فآخرَ النائمين كان، وإن أكل فبعد أن يشبع غيره ليتلذذ هو بالقليل منه إن فضل. فإنْ ضَيَّفْتَه كنتَ أنتَ ضيفَه من شدة حرصه هو على خدمتك. ولا تكاد تحس بوجوده من ليونة جانبه وخفة روحه على روحك، ولا يعاتبك في مقام العتاب إلا بالاِبتسام ينفق من خزائنه بغير حساب كأنه العملة الوحيدة الرائجة في سوقه مقابلَ كلِّ بضاعة.

فإن جَمَعَ المؤمنين جَامِعٌ كان حَظَّهُ المفضلَ لديه وبَهْجَتَهُ تهييءُ المكان وإطعام الطعام وخدمة الكبير والصغير والسعيُ في ما يستصعبه المستصعبون؛ يقول فِعْلُه: “أنا لها” قبل لسانه، حتى إذا أدَّى المهمات بتفانٍ تامٍّ خرج إلى الدراجات والسيارات يتفقَّدُها ويحرسها فريداً في انتظار حَيْعَلَةٍ جديدة.

كان يفضل العمل في الصفوف الخلفية حتى في لعب الكرة. فقد كان -رحمه الله- مدافعاً أَيْمَنَ في فريقنا الكروي في الثمانينيات، جعلنا الله وإياه من أهل اليمين ومن المدافعين عن أهل اليمين.

أما دراجته النُّورِيَّة فأَشْبَهَتْه قَناعةً في رضاً، وقوةَ تَحَمُّلٍ في غير شكوى.

ألا إنه لا مؤمن في الصف يجد من راحة العمل وفسيح البناء وسكينة الْمُقام ويُسْرِ الحركة إلا ولِسَيِّدِ القوم ذاك ولأمثاله من إخوانه في الخدمة -وما أكثرهم ولله الحمد والمنة- فضلٌ عظيم عُرِفَ أَمْ لَمْ يُعْرَفْ.

“سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ”، حديثٌ ضعَّفه بعض العلماء، ولكن معناه يَقْوَى بقوة مِثَالِ وحضورِ هذا الرجل السيد وإخوانه، مَنْ وَقَفُوا حياتَهم على خدمة الدعوةِ وأهلِها مِنْ أقربِ سُبُلِ الوصولِ وأقلِّها ازدحاماً، وأوسعِ أبوابِ القَبُولِ وأرفَعِها مَقاماً: الخدمة!

“سيد القوم” من لا يأنف مما يأنف منه الناس: خدمةِ القوم.

“سيد القوم” من سادَ نفسَهُ وغالَبَهَا على الخدمة حتى صارت أحبَّ ما تُحب.

“سيد القوم” من يذود عن الحمى ويحمي ظهور القوم، يشعرون بذلك أو لا يشعرون..

“سيد القوم” من لا ينام حتى ينامَ القوم، ولا يأكل حتى يأكلَ القوم، ولا يرتاح حتى يرتاحَ القوم، ويلقى ربه على العهد راضياً مُحِبّاً وهو يسعى في حاجات القوم.

السيادة الحقيقية لا تكون للعبد على الناس بسلطان الجاه أو المال أو النفوذ يستمد منها قُوَّتَه عليهم وذِكْرَهُ بينهم ومكانتَه فيهم. بل السيادةُ الحقيقيةُ هي سيادةُ العبد على نفسه بقوة ما للحق عليها من حق، وبالسعي في خدمة الخلق، وسيادتُه على القلوب بسلطان المحبة، وذاك حين يحبه أهل السماء فيوضع له القبول فيحبه أهل الأرض.

السيادة الحقيقية محبة خالصة لله ولأهل الله، وخدمة غير مشروطة لعباد الله.

معنى الموت

الموت عظة واحدة فصيحة من عظات الآخرة البليغة، لا توازيها بلاغةُ كلِّ عِظَاتِ فصحاءِ الدنيا، فكفى بالموت واعظاً.

الموت تذكرةٌ للقلبِ القاسي الناسي باقتراب موعد الرحيل، وطَرْقٌ على أبواب غفلاته الموصَدَة الصَّدِئَةِ..

ولكن لا معنى للموت -في هذا المقام- مما تعارف عليه الناس من ذهاب ذكْر الميت وطَيِّ صحائفه وعَدَمِيَّةِ وجوده وانقطاع صلته بأحبته في هذه الدنيا.

الموت طَيٌّ لصحائف العمل، ونَشْرٌ لصحائف العلمِ النافعِ والصدقةِ الجاريةِ والدعاءِ الصالحِ من الولدِ الصالح ومن الصحبة الصالحة الناصحة.

لا يموت العبد إن حاز في هذه الدنيا من معاني الخير والفضل والسابقة والغَناء والعطاء ما يصبح به هو عنوانا لها ودليلاً عليها وإشارةً إليها حضر أو غاب. ولا يموت العبد إن هجم على الموت هجوم من يطلب تحت ظلاله خلودَ الحياة.

وللهجوم على الموت ألفُ صورةٍ وصورةٌ، ولكل منها ألفُ لون وألفُ طَعْم. وَمِنْ أَشَدِّه على النفس أن يُفْنِيَ العبد نفسَه في ذات الله في اليوم والليلة ألف مرةٍ ومرةً: تَصْبِرُ نَفْسَكَ على ما تكره من ناشئة الليل، وتصوم عما يُرْدِي في سَبْحِ النهار، وتتجاوز عن أذى هذا، وتتحمَّل أو تَرُدُّ ظُلْمَ ذاك، وتدفع ضريبةَ ركون ونكوص هؤلاء، وتَخْدُمُ بما اسْتُبْقِيَ لك من طاقتك أولئك، فَيُسْتَشْهَدُ كلُّ عضو من أعضائك وكل شريان وكل نَفَسٍ وكل خلية من خلاياك شهادتَها الصغرى، يَتْلُو بعضُها بعضاً استشهاداً بعد استشهادٍ الْتِحَاقاً بالرفيق الأعلى في “شهادة بالتقسيط”.

إن كان للموت من معنى في هذا المقام -وللموت معانٍ ومعانٍ- فهو الإعلان عن أوانِ راحةِ مَنْ أَتَمَّ المهمة التي خُلِقَ من أجلها كما يحب اللهُ ورسولُه والمؤمنون.. وإن كان للموت من معنى فهو رَفْعُ الستار عن خفايا كواليس “حياة صغيرة” و”تفاصيلَ صغيرة” لم نكن نلقي لها بالاً حتى أحيى بها الموتُ فينا بعضاً مِمَّا توارى من معاني العظمة فيها.. فسبحان الله العظيم.

لا خوف ولا حَزَن

إن كان للمرء حظ من اسمه فقد كان للفقيد الراحل حظ حسن من اسمه وزمانِ رحيله ومكانِه ومثواه.

كان رحمه الله محمودَ السيرة بين كل من عرفه، مُنَوَّراً كأنه شعاع من أنوار الآخرة تَنَزَّل على صفحات وجهه البسَّامة. لقي ربَّه في ربيع المولد النبوي الشريف، ولفظ آخر أنفاسه في مصحة “دار السلام” جعلنا الله وإياه ممن “لهم دار السلام عند ربهم”، وصلينا عليه في مسجد حي “الرجاء”، وواريناه الثرى في مقبرة “سيدي مسعود” أسعدنا الله وإياه بلذة النظر إلى وجهه الكريم في غير ضراءَ مُضِرَّة ولا فتنة مُضِلَّة.

ظَنُّنَا بالله ورجاؤنا فيه جلَّ وعلا أن يقبل شهادة المؤمنين في عبد من عباده ما عُرف عنه إلا كل خير.

فلا خوف على من لحق بربه وهو يسعى إلى ذكر الله ويمشي في مناكب رضاه، ولا خوف على من كان له في كل رَبْعٍ أثرٌ لمعنىً من معاني الجهاد والتفاني في خدمة المؤمنين، وَحَسْبُهُ من الجزاء والعطاء إن ذكره المولى تعالى في نفسه وفي ملإٍ خيرٍ من مَلَئِنَا كما وعد سبحانه الذاكرَ لله في نفسه وفي ملإٍ من الناس. ولا خوف عليه ولا حَزَن، إن شاء الله، وبشائر الغيب والشهادة تتواتر بثمرات التقوى والإيمان: “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم” .

يا سيدي يا محمد أنوار..

المحبة والخدمة طريق السلطنة على القلوب، فهل لنا بـ: “أنوار” جديد يخلفك في قومك، ويَسُودُ فينا كما سُدْتَ بأمر المحبة وبسلطان الخدمة؟

ومن قال إنك يتيمُ دهرِك في “إمارة المحبة وسَلْطَنَة الخدمة”؟

لا خوف علينا نحن، إن شاء الله، ومنا وفينا أَلْفُ أَلْفٍ من أمثالك.

لا خوف مادامت الرَّحِمُ التي أخرجك رَبُّكَ منها إلى الوجود ولاَّدةً..

“من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا” .

ليلة الإثنين 20 ربيع الأول 1428 هـ/

9 أبريل 2007م