حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني، وهو من ضحايا القمع المجاني، فقال : حدثني ابن أبي الرعايه، صاحب الألف حكاية وحكايهْ، فقال: لما كان يوم الجمعة عيدا يحتفل به المؤمنون الصادقونْ، ومحطة يتنافس فيها المتنافسونْ، وفريضة يتجمع من خلالها المسلمونْ، قمت كعادتي من موتي المؤقتْ، ولملمت قوى جسد بحب الدنيا يتعنتْ، وبأعبائها ومصاريفها هو يتشتتْ، فتلوت ما أحفظه من أدعية وقائيهْ، وما تيسر من سور قرآنيهْ، وما تقدر من أحاديث نبويهْ، حتى إذا شبعت من فطورِي، وأزلت عني كسلي وفتوري، قمت من غير تكبر جالب للغرورِ، فاغتسلت إحياء للثرات والسنهْ، وسألت ربي المنزلة العليا من الجنهْ، والنجاة من شر الناس والجِنهْ، وأسرعت الخطى نحو المسجد المبجَّلْ، بغية الفوز بالصف الأولْ، والظفر باستماع القرآن المرتلْ، حتى إذا انتهى الوقت المخصص لقراءة الآياتْ، وحضر وقت الخطبة والصلاةْ، ونادى المؤذن حيى على الصلاةْ، قام إمام في زهرة الشبابْ، فاعتلى المنبر من غير ارتباك أو اضطرابْ، وتوجه إلى المصلين بتحية كلها آداب في آدابْ، وتوقف برهة فحمد الله وشكرْ، وصلى على سيدنا محمد سيد البشرْ، وأثنى على أبي بكر وعثمان وعلي وعمرْ، ثم بدأ خطبته بذكر فضل يوم الجمعة على سائر الأيامْ، وبين ما لهذا اليوم من شروط وأحكامْ، وكيفية الحفاظ عليه إلى أن يتوفى الله الآنامْ، ثم انتقل بلغة عربية فصيحهْ، إلى القدس المسلوبة الجريحهْ، فحمل الحكام وزر ما يجري هناك من فضيحة تلو الفضيحهْ، ومر على أهل الفرات والعراقْ، فنهاهم عن الفرقة والشقاقْ، ودعاهم إلى وقف نزيف الدم المراقْ، وذكر أهل لبنان بالخير المصونْ، ودعا الكل للتوحد ضد قردة بني صهيونْ، وعدم الاغترار بكرسي غير مضمونْ، ثم ذكر أحوال الأمة بصفة عامهْ، وما تعيشه من طامة وطامهْ، ودور الخاصة في هذه الأحوال والعامهْ، فكشف عن دائها الذي فتك بالناس وفتنْ، واستدل بما قاله النبي من بعيد الزمنْ، ليخبرنا بأنها مصابة بداء إسمه الوهنْ، معناه حب الدنيا وكراهية الموتْ، والتنافس على شيوع الصِّيت والصوتْ، وعدم الانتباه لفوات الفوتْ، وهو داء قتل الأمم من قبلُ، ما حلَّ بقوم إلا ركبهم الذلُّ، واعتلاهم الخوف والهرج والجهلُ، ودواء هذا الداء حسب قول الإمام الشابّْ، موجود في السنة والكتابْ، وتكفي نظرة من نظرات أولي الألبابْ، ليعلموا أن الله لا يغر ما بالناسْ، حتى يغيروا هم ما في صدورهم من وسواسْ، ويعتصموا بالذي خلق الجنة والناسْ، وقد ذكر هذا الإمام الصغير في السنِّ، العظيم في الشأنِ، والبعيد عن اللحن، أن الوهن مرتبط بغثائية النفوسْ، غثاء كغثاء السيل للتوحد يدوسْ، ولولا هذا الغثاء المذموم المنحوسْ، لما كانت دبابات اليهود والنصارى والمجوسْ، لأجساد المسلمين الموحدين تدوسْ، وعاد هذا الإمام الذي أمسى بكلماته خطيبا أديبِا، بعدما أخذ من أحوال الأمة نصيبَا، إلى ذكر أحوال هذه البلاد العجيبهْ، فنصح الوزراء والمدراءْ، ونهى الكبراء عن قمع الضعفاءْ، وتوعد الطغاة بوعيد الله لهم في قرآن السماءْ، ودعا الفقراء إلى الصبر والإحتسابْ، أمام ما يلاقونه من قوانين الغابْ، ناصحا إياهم بالاصطلاح مع رب الأربابْ، ونبذ الفرقة والالتزام بالجماعهْ، وتعويد النفس على القناعهْ، وجعل الأيام كلها طاعة في طاعهْ، حتى إذا اقترب من نهاية خطبتهْ، أخرج ما لديه من دعاء مكنون في جعبتهْ، وتوجه به إلى السلطان وصحبتهْ، فدعا له بالصلاح والرشادْ، والتوفيق في خدمة مصالح العبادْ، ودعاه من غير مجاز أو كناية تستفادْ، إلى نصرة المظلوم على الظالمْ، وترك كل متلون في صحبته يساومْ، والسير في صف كل من هو ضد الفساد والإفساد يقاومْ، … فختم خطبته التي أنصتت لها الجموعْ، وصلى بالناس فانهمرت على الخدود الدموعْ، ثم ذهب الكل والكل عازم على العودة إليه والرجوعْ، …فورب من خلق الخلائق كلّها، لم أرى ولم أسمع خطبة قبلَها، أبدا ولا بعدها مثلها، …

قال المفجوع: قلت لابن أبي الرعايهْ، بعدما سمعت منه هذه الحكايهْ، دلني يا خير صديق لي في البرايَا، على هذا الإمام الصدِّيقْ، علني أستفيق من سبات عميقْ، فأعرف الله فيما تبقى لي من الزفير والشهيقْ، فقال: “يامفجوع الزمان الجوعاني، إذا شاب الغراب الأسود بين البلدانِ، وصار اللبن أسودا في الأواني، فآنذاك يمكن للإمام أن يلقاك ويلقاني، … إن الإمام المذكور يا صاحب العمرِ، مرمي الآن في سجون الجور والجبرِ، فقد اعتقلته شرطة القرب بالجهرِ، مباشرة بعد انتهاء خطبته المعقولهْ، لتتهمه بتهم خطيرة ومجهولهْ، ولتحكم عليه في محكمة عمياء مشلولهْ، بالإعدام شنقا حتى الموتْ، وتشويه صورته بكل أنواع الشمتْ، ونبذ من يرفع له إسما أو صوتْ، فهو الآن ينتظر بإيمان المؤمنين المجاهدينْ، تنفيذ حكم الغاصبين الظالمينْ، وجزاء التكلم بحق القرآن المبينْ، … وإن سألت عن تهمته يا مفجوعْ، جاءك الجواب بالصدق المدفوعْ، فالتهمة من غير تلعثم أو رجوعْ، هي تلك الجماعة التي تتوب إلى الرحمانْ، فبسبب انتمائه لها من غير خذلانْ، وبسبب تلاوته “إن الله يأمر بالعدل والإحسانْ”، أخذوه فألقوه وراء القضبانْ، ليذوق وبال البحث عن الفردوس والجنانْ، … وليعلن وزير الأوقاف بعدها من غير احتشامْ، أمام النظارة والمتفرجين الكرامْ، عن إنتهاء زمن التساهل مع الفقيه والإمامْ، وليقول بملئ فيه ما سطر في الدفاترْ، (لا للعدل والإحسان على المنابرْ، لا لكلمة الحق تخرج من الحناجرْ)، فمن أراد الحديث عن الاستخلاف الموعود في الأرضْ، والكلام عن انتهاك الحقوق وضياع العِرضْ، والتطرق لأسباب الفساد المستشري بالطول والعرضْ، سواء بالغيض أو بالفيضْ، فليلزم بيته ودارَهْ، وليترك خله وجارَهْ، وليكتم انتماءه وأخبارَهْ، وإلا فالسجن له جزاءً وفاقَا، والموت يلقاه إما شنقا وإما إحراقَا، والسلام على من بلغ وقرأ الأوراقَ”.

قال المفجوع: فقلت لابن أبي الرعايهْ، بلسان السائلين الله الوقاية والحمايهْ، من شر أهل الضلالة والغوايهْ: فما الذي تريده الدولة من الخطيب والإمامْ، وما الذي يجب عليه أن يقول من الكلامْ، حتى يعيش بأمن وطمأنينة وسلامْ؟؟؟ فقال: “يجب عليه في عهد الأوقاف والأحباسْ، أن يبتعد عن الاجتهاد والرأي والقياسْ، وأن يتحدث ـ فقط يوم الجمعة ـ للناسْ، عن أحكام الحيض والنفاسْ، وكيفية الوضوء والإغتسالْ، مع نسيان سورتي براءة والأنفالْ، وكل الآيات التي تحث على الجهاد والنضالْ، وتذكير من تعتريه نوبات الجهلِ، بضرورة أخذ حبوب منع الحملِ، للقضاء والحد من مشاكل النسلِ، وترك أمور الدولة والبلادْ، حتى وإن طغى على أركانها الفسادْ، إلى ذوي الخبرة من العبادْ، … والنهاية يا مفجوع الزمانْ، لا ذمة ولا عهد جديد ولا أمانْ، ولا حق يحصل عليه إنسانْ، وإنما هي العصا تحكم وتسودْ، والعهد الجديد بالنظام القديم يعودْ، والفكر فكر أمريكا واليهودْ، والتخطيط تخطيط للحمقى يجولْ، يضيع ما تبقى عندنا من الأصولْ، ويرمي بنا إلى غياهب المجهولْ، … ويمكرون ويمكر رب المشرق والمغيبْ، وندعوا والله حتما للدعاء يجيبْ، فانتظر معي “أليس الصبح بقريبْ”.