يقول الحق عز وجل في محكم كتابه من سورة النور: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب الآيات 36 ـ 39.

إن المراد بالبيوت في هذه الآيات هي المساجد. وحولها دار حوار شيق بين أفضل الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأفضل الملائكة سيدنا جبريل عليه السلام. روى الطبراني في الأوسط عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “قال رسول الله عليه وآله وسلم لجبريل عليه السلام: أي البقاع خير؟ قال: لا أدري، قال: فاسأل عن ذلك ربك عز وجل. قال: فبكى جبريل عليه السلام. وقال: يا محمد، ولنا أن نسأله! هو الذي يخبرنا بما يشاء، فعرج إلى السماء ثم أتاه فقال: خير البقاع بيوت الله في الأرض. قال: فأي البقاع شر؟ فعرج إلى السماء ثم أتاه فقال: شر البقاع الأسواق”. ولأهمية المسجد ومكانته في المجتمع الإسلامي، كان هو الأساس الأول من الأسس الثلاثة الذي بني عليه أول “مجتمع” مسلم بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم. بل لأهميته كان هو نفسه صلى الله عليه وسلم الذي يحمل اللبن على ظهره الطاهر لبناء المسجد النبوي الشريف ويشاركه في ذلك الصحابة رضي الله عنهم.

وقد يتساءل الواحد منا ويقول: لماذا كل هذا التركيز على المسجد في آيات عديدة وأحاديث نبوية شريفة كثيرة؟ هل هو احتكار لمكان العبادة، وتقييد لعبادة المؤمن؟ فأين قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا؟

إنه لا تعارض بين هذا الحديث والنصوص الشرعية الأخرى. فهذا النص يدخل في إطار القاعدة الفقهية التي تقول: المشقة تجلب التيسير.

والتركيز على المسجد، بناء وعمارة، هو تربية وتعليم وتدريب، وما من شيء في الشريعة الإسلامية يركز عليها الشارع إلا وفيها تيسير لهذه الأمة مصداقا لقوله تعالى في محكم كتابه: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.

فأين هذا التيسير؟ وأين هذا التخفيف الذي جاء في هذه الآية وفي قوله تعالى: يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا؟ بل أين التربية والتعليم والتدريب في التركيز على المسجد من حيث البناء؟

لا يخفى على أحد من المؤمنين والمؤمنات أن هذا الكون يجري وفق سنن، ومن سنن الله في الإنسان، أن مجرد الكلام لا يغير من حاله، لأن الكلام ينسى والرؤية تذكر، والممارسة تعلم، لهذا يقال: واحد في ألف خير من ألف يأمرون واحدا).

وحتى لا تبقى أحكام الله حبيسة السطور والصدور، بل تخرج إلى حيز التطبيق، جعل الله لها مكانا تمارس فيه، وهيأ فيه كل الأجواء لكيلا تبقى في إطار نظري، وهذا المكان هو المسجد.

فالمسجد يؤدي مهمتين أساسيتين:

– المهمة الأولى: تربوية وتعليمية.

– المهمة الثانية: يعطينا النموذج المصغر للمجتمع الإسلامي.

ومن أهم ما أتربى عليه وأتعلمه وأنا متوجه إلى بيت الله، التواضع، ونكران الذات، والانكسار لله عز وجل. وأصرح بذلك وأنا منطلق إلى المسجد كما جاء في الحديث الذي رواه ابن السني عن سيدنا بلال رضي الله عنه ـ وإن كان في سند الحديث راو ضعيف هو الوازع بن نافع العقيلي، فلا بأس بالاستشهاد به في فضائل الأعمال ـ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله آمنت بالله، توكلت على الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا فإني لم أخرجه أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة. خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك، أسألك أن تعيدني من النار وتدخلني الجنة

وليس هذا فقط، بل أعلن إفلاسي التام عند سماعي للمؤذن وتَردادي مثل ما يقول، فعندما يصل إلى “حي على الصلاة… حي على الفلاح…” أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أي أنني يا رب إن أنا وفقت لزيارتك في بيتك قصد عبادتك فبتوفيقك وحدك، فالتوفيق منك وحدك لا شريك لك، والحول والطول إليك دون سواك، وهكذا أدخل على الله عز وجل في المسجد منكسر القلب، خافض الجناح، وألتقي بعباد الله في بيته وأنا متواضع لكل واحد منهم.

ومما يزيدني شعورا بحرية الضمير، ما أشعر به وأنا متوجه إلى بيت الله، أني متجه إلى مكان لا ينسب لأحد من البشر سوى الله، ولا إلى جهة من الجهات مهما بلغت قوتها أو سلطتها، وإن كانوا هم الذين بنوه، أو هم الذين يشرفون عليه. قال الله تعالى في سورة الجن: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا.

فإذا سجدت فله وحده دون سواه، وإذا ركعت فله وحده سبحانه، وإذا خضعت فله وحده دون غيره، وهكذا يفعل كل مؤمن ألتقي به في بيت الله.

وفي وسط المسجد، وأثناء الصلاة، وأنا أناجي خالقي في صلاة الجماعة أمارس النصيحة بآدابها الإسلامية التي يطلق عليها بالمصطلح الحديث “حرية النقد” بكل معانيه السامية.

وأول مبدأ ينبني عليه هذا النقد هو اعتراف الإنسان بخطئه، والإسلام دين الفطرة، ومن فطرة الإنسان الخطأ. لهذا لا يعتبره الدين عيبا، إذ ليس العيب أن يخطئ الإنسان. بل العيب أن يتمادى في خطأه، ويبقى مصرا عليه، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”.

وما سجود السهو في الصلاة إلا اعتراف بهذه الطبيعة البشرية.

كما أنه ليس من العيب أن أجد من يسدد لي خطئي، وهذا ما نلاحظه في كل صلوات الجماعة، فقد يخطئ الإمام فيقوم خطأه هذا، ويسبح له الآخر، وتصفق له الأخرى. ولا مكان هنا للنقد من أجل النقد، أو المعارضة من أجل المعارضة، أو الملاحظة من أجل الملاحظة، بل حتى ولو أخطأ الإمام وليس عند المأمومين ما يسددون به خطأه، كالخطأ في تلاوة القرآن مثلا، فإنهم يلزمون الصمت، وتنتهي الصلاة بعد تسليم الإمام وينصرف كل واحد إلى حال سبيله دون أن ينكر أحد على خطأ الإمام، أو ينكر الإمام على من أصلح له خطأه.

والإمام الخطيب ليس رجلا دكتاتوريا على المنبر، تجب طاعته في الحق والباطل ولا يرد له رأي، بل الكل مسئول على ما يقول، ولكل واحد الحق في تسديد خطئه، أو تقويم اعوجاجه.

فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أول من لقب “أمير المؤمنين”، الرجل الذي ترتعد منه فرائص الكفار لمجرد سماع اسمه، حاول ـ من باب مراعاة المصلحة العامة ـ أن يحدد قدر الصداق لأنه رأى الناس يتنافسون في المغالاة فيه. ولم يصدر القرار دون مشاورة، بل أعلن ذلك على المنبر، فإذا بامرأة عجوز لا مصلحة لها دنيوية فيما تدافع عنه، ولا رغبة لها في الزواج ـ حتى لا يقول قائل إنها تدافع عن حق من حقوقها، وإن كان الشرع يخول لهل ذلك ـ تقف وسط الجمع في المسجد فتقول لأمير المؤمنين ـ بكل جرأة وأدب لا يتنافيان مع الحياء ـ: يا أمير المؤمنين كيف تحدد ما لم يحدده الله عز وجل وقد قال سبحانه وتعالى في سورة النساء: )وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا الآيتان 20 ـ 21.

لم ينكر أحد من المسلمين على انتقادها لأمير المؤمنين، إما بدعوى أنها امرأة ولا يحق للمرأة أن تتكلم بحضور الرجال كما يزعم البعض خطأ، وإما بدعوى أنها تتكلم مع أمير المؤمنين ولا يحق لها ذلك، كما لم يرمها أحد بسوء الأدب أو بقلة الحياء أو أنها لم تراع حرمة بيت الله، بل اعتبروا الأمر طبيعيا، وهذه هي روح المسجد، ولما سمع سيدنا عمر رضي الله عنه كلامها بكى. ترى على ماذا كان بكاؤه؟ هل على منصبه؟ أم لكونه لم يرض بالمعارض لأنها امرأة؟ أم ماذا؟!!

ثم ماذا سيكون مصير هذه العجوز التي نطقت بالحق ولم تخف في الله لومة لائم؟

قبل أن نجيب على هذه التساؤلات، ننتقل إلى موقف آخر مخالف له لنميز به، لأن بالأضداد تتمايز الأشياء، إنه موقف حاكم من حكام الجبر، كان يخطب أمام شعبه وينادي بأعلى صوته وبفصاحة تغري المستمع ـ والله عز وجل يقول: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ماذا يقول هذا الحاكم؟

نحن نسعى بكل مجهوداتنا كي يعيش كل مواطن من أفراد الشعب في كامل الحرية ويتفيأ في ظلالها، فتدخل أحد الحاضرين الذي أنطقه ألم سياط الظلم الذي مورس عليه من زبانية الحاكم قائلا دون شعور ولا مقدمات: أين الحرية التي تتحدث عنها؟!!! فتبسم ضاحكا من قوله واسترسل في حديثه.

فماذا سيكون مصير هذا المتحدث؟ وهل تصرّف الحاكم عندما ابتسم أكثر حكمة من بكاء سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع العلم أن الحديث النبوي الشريف يصرح بأن تبسمك في وجه أخيك صدقة؟!!!

نبدأ بموقف الحاكم ونرى مصير المظلوم، ثم ننتقل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

بينما يؤكد الحاكم على سعيه الجاد لتحقيق الحرية في البلد، وقف رجل ثان يصرخ بأعلى صوته: أية حرية تتحدث عنها، فأين الرجل الذي كان بجانبي يشكو؟َ!!!

هذا هو موقف كل مظلوم أراد أن يطالب بحقه عند غياب روح المسجد، تبسم ظاهري أمام الجماهير، واختطاف للمظلوم من قبل الزبانية حيث لا يعلم أحد إلا الله عز وجل. أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبكى لأنه استحضر وقوفه بين جبار السماء والأرض، وكان وقافا أمام أوامر الله عز وجل. والله سبحانه وتعالى يقول: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما. واعترف رضي الله عنه بكل وضوح بخطئه أمام المصلين فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر). وفي رواية: كل الناس يفهمون إلا أنت يا عمر). وهذا الاعتراف لم ينقص من قيمة أمير المؤمنين رضي الله عنه بل زاده شرفا وعزة، لأن الاعتراف بالخطإ فضيلة.

هكذا يتعلم المؤمنون من المسجد حرية الرأي والنقد، فأين روح المسجد في أسرنا، وفي مجتمعنا، بل حتى في مساجدنا؟

وفي إطار المحاسبة أخاطب نفسي فأقول: ما حظك من التواضع الذي تتكلمين عنه؟ هل تعلمين أن أخطر تكبر هو التكبر على خلق الله بالعبادة، والله عز وجل يقول في أواخر سورة القصص بعد أن ساق نموذج المتكبر بالحكم وبالعلم والمال: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين الآية 83.

وما حظك من قبول نصيحة الغير؟ هل تأخذك العزة بالإثم وترفضين معارضة الآخرين ونصحهم ولو في الحق، أم تستجيبين؟

أيها الأحباب الكرام، إن أي مشروع لابد له من تصميم، وإن المهندس المعماري لا يكتفي بذلك، بل يزيد عليه نموذجا مصغرا للمشروع، ومن رحمة الله عز وجل بالمؤمنين أنه جعل لهم المسجد نموذجا مصغرا يرى فيه المؤمنون ما لا يمكن أن يظهر لهم على أرض الواقع، بل بهذا النموذج المصغر تتم المقارنة بينه وبين المجتمع الذي نعيش فيه. بل إن الحق عز وجل أراد أن يكون فضاء بيته غير ملوث بمفاسد الإنسان، إذ الخير والشر الذي نتحدث عنهما في المسجد والسوق ليس في البقعة ذاتها، وإنما في الذي يعمر البقعة. فعندما نقول: أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها فلأنها مصدر الذكر والخير، ولكون الإسلام جنبها كل ما لا يليق بها. فقد روى ابن ماجة وروى منه الطبراني في الكبير وإسناد الطبراني لا بأس به عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خصال لا ينبغي في المسجد (أي لا يصح أن توجد) وذكر منها… ولا تتخذ سوقا…

وعندما نقول: أبغض البلاد إلى الله أسواقها فلما فيها من المنكرات والفسوق والكذب، وأهلها يغفلون عن حقوق الله، وفيها الشقاق والبغضاء.

ويبقى لب الأمر كله، وهو الذي أخرنا الحديث عنه لأهميته، ويغيب عن جل الناس وأغلب العلماء، ألا وهو دور المسجد في ترسيخ معاني الصحبة، فالتركيز على المسجد بناء وعمارة، والترغيب في صلاة الجماعة ليس هو المقصود، فأرض الله كلها مسجد، وصلاة الجماعة تعقد بالاثنين، ويمكن لكل واحد أن يقيمها في بيته، ويبقى جوهر الأمر كله غائبا وهو الصحبة، فعندما نتحدث عن المسجد الذي هو النموذج المصغر للمجتمع الإسلامي فإننا نتحدث عن الصحبة والجماعة، وعن الصحبة في الجماعة. فالصحابة رضي الله عنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان إمامهم في الصلاة، والتابعون رحمهم الله صحبوا الصحابة رضي الله عنهم، وهكذا تابعوا التابعين مع التابعين…

فبالصحبة تحيى كل المعاني التي أراد الإسلام أن يربينا عليها ويعلمها لنا من خلال المسجد، وبالصحبة تتم الممارسة لتعاليم الإسلام.

فمن سنصحب نحن اليوم في مساجدنا؟ هل نصحب الإمام المغلوب على أمره والذي يعتبر مجرد موظف عند الدولة، بالإضافة إلى كونه لا يملك ما يعطي من معاني الصحبة لأنه لم يصحب ـ إلا من رحم الله ـ وفاقد الشيء لا يعطيه؟

فيا إخوان رسول الله صلى الله علي وسلم، يا من حظوا بصحبة الأخيار الأطهار الذين منّ الله عليهم بنعمة الصحبة بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن غياب الصحبة من مساجدنا فضلا عن مجتمعنا هو الذي أفقد للمسجد دوره الريادي، وهو الذي غيب روح المسجد من حياتنا.

فيا أخي في الله، يا من منّ الله علي وعليك بصحبة صالحة ننعم في ظلها بمعاني حب الله عز وجل، وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحب المؤمنين، إني أشهد الله وملائكته وحملة عرشه وجميع خلقه أني ما ازددت منذ صحبتي لمرشد جماعة العدل والإحسان الأستاذ عبد السلام ياسين إلا يقينا في ما عند الله، وشوقا للقائه، وحبا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه شهادة أفتخر بها في الدنيا أولا، وفي قبري ثانيا، وفي يوم المحشر يوم ألقى الله عز وجل ثالثا. فأين حضوري وحضورك الفعلي في المسجد؟

من سيصحب الناس سواك إن لم تكن أنت المعني بقوله تعالى: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، فمن سيكون غيرك؟

اعلم أخي، واعلمي أختي، أن لكل شيء أوتادا، فأوتاد الكرة الأرضية الجبال، وأوتاد البلد رجالاتها، وأوتاد الفم الأسنان، وأوتاد المسجد عمارها. فكن من أوتاد المسجد، لتصبح من أوتاد البلد، ممن قلوبهم متعلقة ببيوت الله وفيها، واجعل جل أوقات فراغك في المسجد، فالناس في مساجدهم والله في قضاء حوائجهم، وإياك أن تفوتك تكبيرة الإحرام من الصلوات الخمس، وادع الناس بسمتك وسلوكك الحسن وأخلاقك الحميدة، فالطباع تجلب الطباع.

واعلم أنه لا خلافة راشدة إلا بما كانت به الخلافة الأولى، لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

وفي الختام يسدل الستار عن هذه الحياة الدنيا وتتجسد الأعمال، وينقلنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدار الآخرة في الحديث القدسي الذي رواه أبو نعيم في الحلية عن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ـ ليزف إلينا هذه البشرى العظيمة:” يقول الله عز وجل في يوم القيامة: أين جيراني؟ فتقول الملائكة: من هذا الذي ينبغي له أن يجاورك؟ فيقول: أين قراء القرآن وعمار المساجد”.

وهكذا يجمع الله بين قراء القرآن وعمار المساجد يوم القيامة ليحظوا بشرف جوار الحق عز وجل، فالقرآن هو الرسالة والمسجد عاصمتها، فكونوا يا إخواني من قراء القرآن وعمار المساجد، وأتيحوا للناس صحبتكم لينعموا بما تنعمون به من بركة الصحبة. والله عز وجل يقول في محكم كتابه: وأما بنعمة ربك فحدث (الضحى 11)، ومن التحدث بنعمة الله صرفها في طاعة الله.

فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وعلق قلوبنا بكتابك الكريم وببيوتك في الأرض وبمحبة أوليائك، ومتعنا برضاهم، وأعنا على أداء رسالتنا على أحسن وجه آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.